المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

مروان باشي وعبد الرحمن منيف.. لوعة الغياب وأدب الصداقة

تم النشر: تم التحديث:

الصداقة معرفة للذات ومعرفة للآخر، وبين مروان باشي ومنيف صداقة تأملتها كثيراً، وقرأت عنها، وقرأتها في رسائل نقلت ضعف وقوة وعمق وإنسانية الاثنين، نقلت حاجتهما للوجود الذي لا بد أن يلاحظه صديق يؤمن بك وتؤمن به، وتؤمنان بأن في حاجتكما للبوح بما يضيق به صدر الأول هي حاجة الآخر للاستماع، وللقراءة، وللاهتمام، وللعطاء، وللحديث مع من يفهمك؛ لأنه يعرفك، ولأنه يريد منك أن ترى مساحة أنت فيها مَن أنت، وهو فيها مَن يحتوي هذا العقل والروح، والضعف، وخيبة الأمل، والنجاح والفرح، والحديث عن الحيرة، والقرارات الحياتية والسخيفة، وإدراك أن أي قرار هو قرار مهم حتى لو كان فكرة لن تقترب من الواقع، صديق يحتوي إحباطاتك ولحظات كنت تقفز فيها تطلعاً لما تراه أقصى أسباب الفرح أو أقسى ملامح الألم.

قرأت هذا الخبر: مات مروان باشي.. رحمة الله عليه؛ لهذا أكتب هذه التدوينة، ربما لأحارب ما سمَّاه صديقه عبد الرحمن منيف "لوعة الغياب".

كتب منيف "لوعة الغياب"، ما أعترف بأنه كتابه الأقرب لي، قلباً وعقلاً، عن الكثير من الأسماء التي غابت عن واقعه، وأظن أنه لو كان حياً لكتب عن مروان الذي كتب معه "رحلة الحياة والفن"، وجمعت السيدة سعاد قوادري، أرملة منيف، رسائلهما التي فتنتني منذ أن وقعت بين يدي، الرسائل تضع القارئ أمام صداقة عميقة بعمق أصحابها.

للقلب صاحب، وللعقل صاحب، وللإنسان صاحب، والإنسان للإنسان رفيق له ورفيق به، وهذا ما قرأته في مراسلاتهما.

كتب عنه منيف: "...الرحلة مع مروان ستكون شاقة أيضاً؛ لأن مروان لا يمكن أن يلخص بمقالة"، وبكلمات منيف هذه أعرف أنني لن أكتب عنه مقالة أو تدوينة أو حتى رسالة، لن أكتب عنه؛ لأنه لا يمكن أن يلخص بمقالة، ولا يمكن أن تتلخص أي تجربة إنسانية بمقالة، ومنيف هنا أنقذني دون أن يعرفني، على الرغم من أنني أريد أن أمارس نفس تجربته في "لوعة الغياب"، ويمنعني كسلي أحياناً وخوفي من مواجهة الذاكرة في أحيان كثيرة.

تبتعد حياتنا التي نعرف كلما اقتربنا من الحياة التي نظنها أقرب للمستقبل من حاضرنا، وهنا أعود لما نقله حليم بركات عن مروان باشي، وهو يقول: "أهملت في حياتي الكثير من الإشارات، أو أتلف الزمان الكثير منها عبر بعض ملامح الطفولة والشباب التي تظهر في الأفق، مع بعض لحظات السعادة العابرة"، تمضي الأيام بما يشبه يوماً خريفياً بارداً لا يميزه غيم أو مطر أو شمس تشرق لتعيد الدفء من جديد، وهكذا فهمت ما كتبه باشي حين قال: "مع بعض لحظات السعادة العابرة"، هو يعرف أن السعادة مثل الحزن، تفاجئ الإنسان بما يُفقده قدرته على التعبير، فيجد ابتسامته تتمرد على صمته، ودموعه تتمرد على حاجته للكبرياء، وخوفه يتمرد على كل شعور له بالأمان، ومن ثم تعود الأيام إلى هدوئها المعتاد، ويتمرد هنا الصمت على حاجتنا للحديث مع الآخر، والبوح بكل ما نراه سخيفاً، وعميقاً، ومؤلماً، ومدهشاً، وقريباً من القلب والعقل، أو بعيداً عنهما.

يكمل مروان باشي: "... إن حوار عبد الرحمن المتصف بالصبر والذكاء والتحدي أعاد بعض صفحات الماضي التي كانت تبدو صفراء رمادية، فجاءت قريبة مني، فيها الدفء والتمعن"، وهنا وجد أن رؤيته لتفاصيل حياته تبدلت من كونها صفراء رمادية، ولا بد أن تكون عين مروان التي تحب اللون هي التي نرى من خلالها هذه الصفحات، بدأ الدفء يسكن هذه الصفحات، واتضحت أمامه أكثر، والسبب حوار منيف، صديقه، الذي يؤكد هو أنه صديقه في بداية كتابته لهذه الكلمات، حوار فيه ذكاء وصبر وتحد لمخاوف باشي، وأسباب القلق التي ابتعدت به عن ذاكرته البعيدة، وعاد به منيف بهدوئه ومعرفته أن الإنسان تحييه التفاصيل، ويحييها أكثر نظرة الصديق وصوته وجلوسه أمامه، وجلوسه بجانبه وكتابته له، وحاجته له، وسؤاله، ولا أنسى هنا رسالة كنت قد قرأتها لمروان باشي كتب فيها: "هذه الرسالة للترحيب فقط ولكي نبقى على اتصال"، كتب له أيضاً: "ما أتمناه هو الهدوء الداخلي والاستقرار"، كتب له منيف أنه لا يريد أن يثقل عليه بهمومه، وأن لا يحدثه عنها، فكتب له مروان: "جاء في نهاية كتابك أنك لا تريد أن تثقل عليَّ بهمومك، والحديث عنها، وقد حزنت لذلك، ولا بد لي أن أعاتبك على ذلك يا عبد الرحمن، فإن ظهري لا يزال يملك بعض القوة، وفي قلبي مكان كبير لك، ويتسع لهمومك وجروحك إلى جانب فرحك، فلنتبادل الفرح ولنتبادل الهموم، وإلا فلماذا القرب؟ ولمن يكون الفيء؟".

يسأل "لمن يكون الفيء؟" إدراكاً منه أن الصديق بقربه منك هو لا يجلس بجانبك أو يمشي معك كما يقول كامو، بل هو صديق يحتويك، وكأنه ظل سمح لك بالوقوف تحت الشمس دون أن تحرقك، منعك من ألم كنت ستواجهه لوحدك، منعك من تساؤل في لحظة فرح: من معي؟! هذا التساؤل مؤلم على الرغم من كل الفرح الذي يجتاحك.

صمم مروان باشي أغلفة كتب عبد الرحمن منيف، كتبا معاً عن الحياة والفن، تناولا الكثير من "الحياة" في رسائلهما التي قرأتها أكثر من مرة ولا أمل قراءتها أبداً، وأظن أن منيف لو كان حياً لكتب عن باشي في لوعة الغياب، وربما لم يكن سيطيل الكتابة عنه، بل قد يكتفي بصفحة أو صفحتين.

قد يكتب عن مروان الرسام الذي سكن برلين، ولا يكتب عن صديقه؛ لأن الموت الآن هو كل ما يجمع بينهما، مات منيف قبل مروان، ولذا لوعة غياب الاثنين مؤلمة.

كتب منيف عن جبرا، صديقه وزميل الكتابة ورفيق الغربة والمنفى "غادرنا جبرا للأبد.. كان غيابه صعباً بالنسبة للكثيرين وأنا منهم.. لا يزال يصعب عليّ الحديث عن جبرا بصيغة الماضي، بصيغة الغياب الكلي والكامل.. الموت.. يأتي عاصفاً قاسياً فيبهت الإنسان، يصدق ولا يصدق، لكنه يصبح الحقيقة الكلية وربما الوحيدة... رغم مرور سنة على غياب جبرا، لم أكتب عنه كلمة واحدة".

كتب الكثير عن الموت، وعن الكتابة، عن أسماء مات أصحابها، واعترف بصعوبة الكتابة عنهم بصيغة الغائب، قد قال منيف بأنه لا يمكن اختصار مروان باشي بمقالة، أتخيل أنه لو كان سيكتب عنه اليوم لمزق أوراقه أكثر من مرة، الأوراق التي لن تجد من يرسمها مرة أخرى، وكأنه يرسم نفسه ولوحاته، أظنه يكتب وكل ما يراه أمامه هو نداؤه له في إحدى الرسائل "واعبد الرحمن، واأخي"، يكتب منيف: "العزيز مروان، حين أسمع صوتك على الهاتف أشعر بالاطمئنان، وأشعر أيضاً بثقل الزمن..."، يكتب له مروان: "الصديق عبد الرحمن، كثيراً كثيراً ما تحدثت معك (وهو ما يقال عنه المناجاة)، والمناجاة تملك قسطاً من السعادة الداخلية، وهي بين المحادثة الشخصية والدخول بسرعة إلى ذكريات وتصعيد أفكار ومشاعر اليوم والبارحة، والتأكيد على أحاسيس بسيطة..."، ويمسك بقلمه ليكتب رسالة تضاف إلى كتابه لوعة الغياب، الذي أعرف بأنني لم أقرأه عبثاً، بل قرأته وقرأت رسائلهما لأتمكن من كتابة هذه الكلمات. رحم الله منيف وباشي، وموتانا جميعاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.