المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

سجِّل أنا عربي

تم النشر: تم التحديث:

"سجِّل أنا عربي!"، الكلمات لمحمود درويش، وإشارة التعجب لي؛ رغبةً في قراءة لها من جديد لأسجل ما هو عربي، لأسجل حضوراً لإبداعٍ أصحابُه عرب، ينتمون إلى دول لسانها عربي ولبعضهم قدرة النطق بأكثر من لغة حية أو قراءة لغة لها تاريخ بعمر الإنسانية.

دائماً ما كنت أكرر هذه الكلمات لعبد الرحمن منيف؛ "لعل في الحكايات يكمن تاريخ البشرية الحقيقي(!)". ومرة أخرى إشارة التعجب لي؛ لتنقل صوتاً يؤكد تعجبي من ذكاء الصياغة وغِيرة ورغبة في كتابة هذا المعنى بالذات.

التدوين نافذة شخصية للكتابة تسمح برؤية الإنسان للانعكاس على مرآة قد تعود بنقد أو تجاهل أو اتفاق معها وربما ابتسامة عابرة تحيي روح صداقة بين من يكتب ومن يقرأ. واليوم، أفتح نافذة على إبداع عربي لا يكاد يتنفس إلا من خلال جسد لا يعرفه. الفن والأدب متلازمان، والإنسان روح وقلب ينبض ويتسارع نبضه لمصادفته تجسيداً للجمال يكاد يمنعه من الكلام رغم كل ما يضيء عينيه. رأيت هذا النور في عين الكثير من صداقاتي ومَن أُصادفهم في حوار ووقوف أمام عمل فني أو لحظة استماع لمتحدث يجيد الحديث عن شغفه أياً كان هذا الشغف.

منذ أكثر من 10 أيام، وجدت عدداً لمجلة "الهلال"، التي أسسها جورجي زيدان، يحتفي بكتّاب "الهلال" ومبدعين عرب في الفنون كافة منذ بدايات القرن العشرين وحتى منتصف ستينات القرن الماضي. قرأت في العدد للمنفلوطي، وجبران خليل جبران، وطه حسين، وجورجي زيدان طبعاً، وخليل مطران، وزكي مبارك وهنا أقف لأنني سأنقل لزكي مبارك ما دفعني لكتابة هذه الكلمات. في قصيدة له، يكتب بيتاً انتهى بـ: "عزيزٌ عليها أن يقال بعيد!".

قرأت هذه الكلمات كثيراً وكتبتها بخط يدي؛ لأراها أمامي وأتأملها، ولم يمنعني سوء خطي أن أجد فيها غايتي: عزيز عليَّ أن يقال بعيد. كل هذا الذي نسميه أدباً عربياً أو فناً عربياً، كل ما نسميه إبداعاً عربياً... عزيز عليَّ أن يقال بعيد.

في الرياض، أرى كل يوم إبداعاً جديداً، لأصحابه روح ورغبة في تجسيد أفكارهم، بكل تعقيد يعلن ميلادها، وكل بساطة تعلن حضورها سواء كان الإبداع مرئياً، مسموعاً أو مقروءاً. الخط العربي وأدب الرحلات، من أشد الفنون التي تلفتني اليوم إلى روحها التي تتجدد وإلى تطور الفنون البصرية التي تحفظ للعين حقها على نفسها ونصيبها من الجمال. كذلك الوقوف على ما يتم عرضه أو الاستماع لحديث لقاء إبداعي أو محاضرة، قد تكون حدث اليوم بامتياز وينتقل أصحابه بأعمالهم إلى بينالي عالمي أو مؤسسات ومزادات عالمية، ومعارض كتب دولية، أجدني أبتسم؛ لأني أعرف أن صاحب العمل لم يكن فناناً أجنبياً، لكنه عالمي التفت إلى محليته بدايةً.

ومن الرياض، أنتقل إلى عالم عربي تبحث عيناي فيه عن كل صاحب إبداع عربي؛ لأني أعرف أن الحضور العربي في العالم لا يقتصر على نشرات الأخبار؛ بل هو ميلاد يومي لشعوب اتسعت البقعة الجغرافية التي تحتضنها. ولن أكتب عن السياسة؛ لأن الفكرة لا تتعرض لها هنا، لكني أتمنى الالتفات إلى أهمية توثيق إبداع شباب اليوم باتساق مع مبدعي أمس يعود إلى بدايات الشعر العربي، أول الفنون العربية وديوانهم. والديوان هو أول مصطلحات التوثيق بالمناسبة وينتهي بكل مجال يحتضن مبدعي العرب، فكما يوجد أدب إنكليزي وأميركي وفنون فرنسية وشرقية، هناك إبداع وأدب عربي، جذره يتشبث بفروعه وليس العكس.

كنت -وما زلت- أجد سعادة وراحة أمام كل ما يجسد الجمال وأشعر بتلك اليقظة بداخلي تتقد لو كان الإبداع عربياً، لا يعنيني من أين يأتي ما دام جذره عربياً؛ يوسف وهبي ومحمد عبد الوهاب، مثلاً، من أقرب الأسماء إلى قلبي وذاكرتي، وحاجتي للوقوف من قرب على الإبداع الإنساني تستدعي اسم كل منهما؛ للجدية التي تنعكس على كل ما يفعلانه ويؤمنان به، لم يتخلَّ الأول عن شخصيته التي تطبّع بها إبداعه وليس العكس، ولم يتردد موسيقار الأجيال في الوقوف على تفاصيل هويته كمبدع عربي يدرك أهمية العمل بالقرب من كل الثقافات الأخرى، وما يسميه البعض السرقة الفنية أو الأدبية يعرّفه هو بالعمل بإدراكٍ للإبداع الفردي وأهمية الاطلاع وبناء الهوية الفنية التي انتهت به موسيقاراً للأجيال، والتسمية ليست عبثية.

طه حسين في مجلة "الهلال" يكتب عن النهضة؛ لأنه يعرف أن نهضة الأدب، التي شهد لها وعليها هو ومن عاصره، ستواجه انحداراً؛ لأنهم اطمأنوا لجمال وجدية قراءتهم للإبداع وصنعهم له!

الحاجة للتوثيق لا تنتهي أبداً، والأدب الناطق باللغة العربية يقف بين فعلَي القراءة والكتابة بكل بساطة: فهناك من يكتب وهناك من يقرأ، هناك من يقرأ وهو يخشى الكتابة؛ إدراكاً منه لمسؤولية التفرد والموهبة والإجادة والهوية، وهناك من يسرف في الكتابة؛ لأنه يتجاوب مع عدد القراء الذي يزيد بازدياد الحاجة للاقتباس...

ولا أعمم هذا الرأي، لكنني لاحظت طفرة كتابية (وطفرة في بعض الفنون أو كلها، وهو ما يدعو للوقوف على تعريف الإبداع والهوية الفردية له) دفعت بالكتابة الشذرية (من شذرات) إلى الأمام. ولا أقول هذه الكلمات بحثاً عن نصوص طويلة أو نهضة روائية، يعلم الله أنني لا أميل أبداً إلى قراءة الرواية إلا ما ندر، والشعر والفلسفة يتصدران مكتبتي، لكنني أبحث عن كتابة يتفرد بها صاحبها كما يتفرد الإبداع الشعري بمحمود درويش وكما تفرد محمد عبد الوهاب بموسيقاه، واختلف حتى بأم كلثوم عن غيره من الملحنين، بيكاسو وموديجلياني لم يكونا أبداً رسامين عاديين؛ بل التزما بهويتهما التي وضعت قواعد جديدة للرسم، قد تكون في ظاهرها كسراً لبعض ما سبقهما، لكنها في باطنها تؤكد حاجة المبدع لبناء الهوية.

في سنوات الألفية التي أعلنت بداية القرن الحادي والعشرين، أعلن الكثير من الأسماء قوة في الحضور وتنوعاً في الإبداع، سواء كان بصرياً أو في مجال الكتابة. لكن ثبات الحضور لا يزال سبباً للقلق، وربما ضعف الوعي بأهمية مَن سبق، وهو ما تعرض له تي إس إليوت، يقول إن المبدع لا بد له من أن يمتلك موهبة فردية واطلاعاً على التراث الإنساني.

الشعر ديوان العرب ومنه يبدأ الكثير، يبدأ الاطلاع على الحياة اليومية وأدبياتها، الوقوف على تفاصيل رؤية الإنسان، والطبيعة، والسفر، والفلسفة... الشعر الذي دوَّن فلسفة زهير بن أبي سلمى: سئمت تكاليف الحياة... هو نفسه الشعر الذي خلَّد شعر أبي نواس الذي انتقل بالأدب العربي إلى طرح جريء جديد في كل مواضيعه. والفنون البصرية لم تكن بعيدة عن اليد التي تكتب شروحات الطب والفلسفة والتشريح، ومنها كتاب "تقويم الصحة" لابن بطلان والذي لا بد له من تقديم جديد واحتوائه بعمل يحييه من جديد، والكتاب ينتظر قارئاً ذكياً وباحثاً شغوفاً قد يجد فيه ما يحاكي رؤية دافنشي في شروحاته ويقترب أكثر من رؤية الحياة اليومية في شروحات ملونة تنتظر عيناً ترتوي لتروي (وتروي هنا بين معنى الارتواء ومعنى الحكاية).

أظنني أطلق مبادرة هنا تبحث عن صدى لدى من يعنيه التوثيق والبحث لتكون تسجيلاً لكل ما هو عربي! وقد أسمعتَ إذ ناديتَ حياً وكل الحياة فيمن تنادي: قراءة جديدة لهذا البيت لا تضر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.