المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

للذاكرة اعتباراتها

تم النشر: تم التحديث:

موقف سخيف لأستاذة خلال دراستي الجامعية لم أفهمه، ولا أزال أتأمله بين وقت وآخر بمشاعر مختلفة، في البداية كان غضباً لا أستطيع التعبير عنه إلا بتكرار رواية الموقف والشعور بالغضب الذي لا يهدأ، وتحول الموقف إلى لحظة في ذاكرتي، تؤلمني كلما عدت لها لأي سبب كان، واليوم اتخذ الموقف مكانه في ذاكرتي كموقف سخيف لا يجب أن أفهمه، لكن يجب عليَّ أن أتجاوزه.

دراستي للماجستير رافقتها بعض الصعوبات، التي أدرك الآن كما كنت أدرك وقتها، أن الحصول على شهادة عليا يجب ألا يكون سهلاً، لكنه ليس بالضرورة مؤلماً.

الأستاذة التي كتبت عنها في البداية لم تكن مشرفة على رسالتي، أو حتى من ضمن الأسماء المذكورة في لجنة المناقشة، لكن ولأسباب شخصية، تتعلق بالبروفسورة الأخرى التي كنت قد انتهيت من كتابة رسالتي معها، والتي تقاعدت بعد ظرف شخصي لها، وفاة زوجها، اضطررت للتعامل معها للإشراف على رسالتي في المرحلة النهائية، وهي تسليمها للجنة التي ستأخذها إلى المناقشة.

أجبرتني على إعادة كتابة الفصل الثاني، وهو الأمر الذي لم أفهمه، وبدأت تضع أسئلة شعرت معها بأنها تريد مني كتابة الرسالة من جديد، لم أفهم تعنتها لكنني تجاوبت معه بمرونة، حاولت المحافظة عليها قدر الإمكان، وانتهت رحلة التعديلات التي لم أنفذ معظمها، علماً منّي أنها ستعود للأصل؛ لأن ما كتبت كان هو الشكل النهائي الذي أعرف أن اللجنة تنتظره.

بدأت المناقشة وانتهت، وهنا كان الموقف السخيف:

خرجت من القاعة التي كان فيها بعض أفراد أسرتي وصديقاتي ورئيسة القسم ننتظر إعلان اللجنة وقرارها، لم يحضر الكل؛ لأن الأستاذة اختارت وقتاً في غاية الصعوبة للكل: الثامنة صباحاً!! وهي ساعة لا يمكن أن يتفرغ فيها الكل من عملهم ومهامهم والحضور، لكن وافقت لمعرفتي بأنها تصعب الأمور.
حقيقة هناك من يحب أن يجعل الأمور صعبة على الآخرين دون سبب، وبنهاية المناقشة كان لا بد من إجراء بروتوكولي عادي جداً يتكرر في كل جامعات العالم؛ "تمنح الطالبة درجة الماجستير.. إلخ.

ولا بد أن تعلن هي هذه الكلمات، لكن الذي حدث هو التالي:

"أنهت الطالبة مناقشتها و.. لا بد من الانتهاء من رسالتها، أنهت الطالبة مناقشتها.. سارة أنهيتِ.."، وهنا وقفت بجانبها وسألتها: "هل هذا يعني أنني أحمل شهادة ماجستير؟!"، اليوم أدرك أن سؤالي كان سخيفاً، لكنه منطقي في تلك اللحظة، وتزامن سؤالي مع رئيسة القسم التي وقفت وقالت لها: "أستاذة.. ما معنى كلامك..؟!"، أشارت لها بالإيجاب، وهنا التفتت لي رئيسة القسم وقالت: "سارة، مبروك، لقد نلت الشهادة واذهبي لتحتفلي".

اللحظة كانت متوترة، وفي لحظة كان الكل فيها بين أن يعانقني ويبارك لي، رأيت أمي في زاوية تتكلم معها بهدوء، لكن وجهها كان كله تساؤلات.
تركنا الجامعة وذهبنا لنحتفل، وهنا اتصلت بي نفس الأستاذة، ورأيت اسمها على شاشة الهاتف، ترددت في الرد، ومن ثم بدأت المحادثة بصوتها الذي نقل بعض التوتر، وكان صوتي يخونني، وربما كان يعلن رفضه الحديث معها، قالت:

"لم أفهم تساؤلات والدتك، وحتى تساؤلاتك، نعم منحتِ الدرجة، ولكن أنا أرتبك في لحظات مثل هذه، عموماً مبروك!".
لم أفهم كيف تتوتر وهي الأستاذة التي تحاضر على عدد لا ينتهي من الطلبة، وحضور مناقشتي لا يتجاوز 9 أشخاص!
قلت لها: ".. لو لم تسألك رئيسة القسم، لما فهمنا أنني انتهيت، كنت أنتظر منك كلمات سمعها كل من أعرف في لحظة التخرج، ولم أفهمك لكن.. انتهيت من هذا الفصل في حياتي".

كانت المحادثة أطول من هذه الكلمات، لكن هذا ما أتذكره، انتهت المكالمة، وإلى هذا اليوم لم أفهم لمَ حدث ما حدث.

امتناعها عن إجراء بروتوكولي احتفالي روتيني بسيط لم يكن سهلاً؛ لأنه ما استحق بعد سنوات من الكتابة والدراسة والعمل على الخروج برسالة فيها قراءة جديدة لنصوص لا تشيخ، لكنها تنفتح دائماً على قراءة الآخر لها، لم أسمع الكلمات هذه، ولا تزال هذه اللحظة مؤلمة في ذاكرتي لهذا السبب، اختلاف آرائنا الأدبية كان سبب خلافي معها في كل مرحلة دراسية جمعتنا، ولم أستطِع أن أجد تبريراً لامتناعها عن رؤية أنني أنجزت بالفعل كل ما وعدت بإنجازه: وهو الخروج بقراءة جديدة للشعر على أنه مساحة تحتمل الاتساع للقصة القصيرة، وهو ما تحول للغتي في الكتابة كل يوم.

لم تنفصل دراستي عن شغفي بالكتابة أو القراءة أو الفن أو الفلسفة أو السيرة الذاتية، وهو ما لم تفهمه أبداً هذه البروفسورة خلال سنوات الدراسة، وحتى حين ابتعدت عنها في مراحل كتابة الرسالة، وأحالني القسم لها بعد ما بدأت البحث عن مشرف/مشرفة جديدة لإنهاء المناقشة، كانت كلمتها الأولى لي "هربت منّي وعدت إليّ".

لم تسمح لي هذه الأستاذة بأن أتذكر لحظة مهمة في حياتي كما يتذكرها كل من أرهقه البحث والقراءة والدراسة والجلوس لساعات في المكتبة، والبحث عن مراجع لا تنتهي إلا بلحظة إعلان تاريخ المناقشة الذي ينهي أياماً وساعات وسنوات تبني صداقات، وتكشف للإنسان حقيقته كقمر يدور حول ذاته كل يوم؛ لينتصف الشهر به بدراً، لم تسمح لذاكرتي بأن تكون سعيدة بهذه اللحظة.

اليوم وأنا على بعد سنوات من هذه الحادثة وهذه التفاصيل كلها أجد نفسي أكتب عنها؛ لأنني أعرف أن في محيط الدراسة، والعمل، والحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية هناك ما لا يمكن فهمه أحياناً، وأن رأي الآخر قد لا يكون إلا عاطفة لا يمكن له التحكم فيها، إلا لو أدرك أن من النضج الوقوف على حياد من العاطفة والإنجاز، وأردت أن أكتب هذه الكلمات أيضاً لأعرف بأنني اليوم أعرف أنني لم أتخلَّ عن شغفي أبداً؛ بل كان من المهم لي أن أوجد في مكان ولحظة أدافع فيهما عن سبب دراستي في البداية، وهو أن أكتب عن الشعر؛ لأنه شغفني كتابةً، وأن أكتب عن ذاك الجسر بين الشعر والتاريخ بكل مساحاته، والإنسان بكل ما ينعكس عليه ويعكسه في وقت واحد ليتجسد قصيدة، وهو ما حدث.

صحيح أنني ما زلت أشعر ببعض الألم حين أتذكر أنني لم أسمع هذه الكلمات "تمنح درجة الماجستير"، يوجد فراغ في ذاكرتي لهذه المساحة الصغيرة، لكنني أعرف أنني أنهيت دراستي لأعود للكتابة بوعي وإدراك أعمق، ولأنقل شغفي بها وبالأدب لعالم قد لا يعرفني أبداً، أو تعرفني مساحة لا تتجاوز كونها مجهرية لسرد أدبي يقف على يمينه زهير بن أبي سلمى، وينتصف بطريقه شكسبير، وعلى يساره أجد البردوني ينشد:
بدت اللقيا وولت ها هنا ** فعلينا وعلى اللقيا السلام

هذه المساحة المجهرية تعنيني، فهي التي أعرف فيها لغتي كل يوم، فاللغة مثل الإنسان تولد وحياتها حياته، لكنها لا تموت بموته، اللغة تموت بموت شغفه، اللغة هي ليست الأبجدية؛ بل هي كل ما يتمرد على الصمت، وكل ما يتمرد على الكلام أيضاً، وهي النطق، وهي الورق الأبيض الذي ينتظر سقاية يرويه بها القلب وربما الذاكرة.. أعود لهمنغواي دائماً: للكاتب لغة هي الكتابة!

يقول عبد الرحمن منيف: "لعل في الحكايات يكمن تاريخ البشرية الحقيقي".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.