المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

لكل منا ميلاد جديد

تم النشر: تم التحديث:

"الحياة هي ما يحدث خلال انشغالك بالتخطيط لها" - جون لينون.

لم أشأ أن أضع اسم جون لينون قبل كلماته؛ لأن هذا الترتيب يبدو لي منطقياً أكثر من وضع الاسم قبل الكلمات.
النص، العمل، الذي يبنيه ويسبقه ويبدأه وينهيه الشغف ليبدأ من جديد، هو ما يوجِد لصاحبه مكاناً في الذاكرة، سواء كانت ذاكرة إنسانية أو مادية، قد تكون صفحات ورقية، أو مساحات إلكترونية.

لكل منا ميلاده الجديد، ميلادنا الأول هو الذي يضمنا لخارطة الوجود الإنسانية، ولا بد أن يلحقه ميلاد جديد، قد يبدأ معنا، ينضج معنا أو حتى يتأخر إلى أن يفاجئنا بإعلان وجوده في انعكاسنا على ذات الخارطة التي تعطينا مساحتَين نرى فيهما وجودنا على هذه الكرة الأرضية التي تتبدل كل يوم بفعل الجغرافيا، ويحفظ لها التاريخ كل وجه لها بحسب قدرة واطلاع المؤرخين.

الوثائقيات أياً كانت وسيلتها، سواء كانت فيلماً وثائقياً، أو كتاباً يوثق تجربة معينة، أو عملاً فنياً يوثق مرحلة تاريخية مهمة كما فعل بيكاسو مع غورنيكا، التي أجاب فيها جنود الحرب الأهلية: أنتم من رسمها! أو كما فعل موديغلياني الذي وثق علاقاته الإنسانية ببورتريهات لا يمكن إلا الصمت أمامها؛ لأنها نقلت وجهاً وخلدت عاطفة وذاكرة، أو شاغال الذي أخذ بيدنا إلى حيث حاول توثيق لا وعيه بالرغم من صعوبة تنفيذ هذا العمل، لوحات مارك شاغال لا تخاطب إلا من يجيد قراءتها، وإلا فهي عبث لا يمكن فهمه إلا من خلال البحث في أحلام وكوابيس وذاكرة بعيدة.

جاين أوستن، وربما دون أن تعرف أعادت تجسيد حياتها كامرأة تعرف من الحب اسمه، وتكتب عن الرجل الذي من الممكن لها أن تحبه، وأن تتزوجه، ووثقت في رواياتها التي لا تتجاوز ست روايات الحياة اليومية ورؤى متعددة للزواج والعزوبية وحياة المرأة مع رجل وفي انتظاره وبدونه أيضاً، وهو الأمر الذي قد يكون قراءة تاريخية إنسانية لمجتمع كان من الصعب فيه على المرأة أن تعلن أن رؤيتها لحياتها مع الرجل لا تعني أنها دائماً بانتظاره، أو حتى إنها لا تحتاجه، لكنها من الممكن أن لا تريده إلا لو كانت الحياة هي كل ما يحدث بينهما بعيداً عن التخطيط، الأمر الذي يعيدني لجون لينون، والاقتباس الذي وضعته له في البداية.

تشابلن، تشارلي تشابلن هو ومتشرده اللطيف سبب كتابتي لهذه التدوينة، شاهدت فيلماً تحدث فيه رجل كبير في السن لفتاة لا تتجاوز 25 عاماً عن نهاية فيلم أضواء المدينة لتشارلي تشابلن، يدور الحوار عن نهاية الفيلم، يصف الرجل نظرات تشابلن أنها تعكس الأمل والخوف والحرج والحيرة والألم والأمل مرة أخرى -إن لم تخُني ذاكرتي أو أنني لأنني أحب تشابلن أضفت الأمل مرة أخرى- يقول لها بأن فشله المتكرر في علاقاته العاطفية هو ما يوجد الخوف والحرج والألم، لكن إيمانه بالحب هو ما سمح بوجود الأمل والحب في هذه النظرة، يكاد قلبه يقفز بين عينيه -هذه الكلمات لي- يكاد قلبه يقفز بين عينيه وأمامها ليجد مكانه في صدرها وقفز قلبها بالمثل، تشابلن يكتب ويخرج ويمثل في معظم أفلامه؛ لذا فهو توثيق للشغف، الشغف بالسينما، بالفن، والحب، والحكاية.

أكتب اليوم عن حاجة لتوثيق الحياة اليومية بعيداً عن شبكات التواصل الاجتماعي، توثيقها بالحديث عنها، وربما بالبحث عنها بين قلب وآخر، بالنظر إلى ملامح أفراد الأسرة الواحدة، والصداقات، والإنسان الذي يمضي بالقرب أو على مسافة بعيدة بين عيد وآخر، وبين حفل زفاف وآخر، وربما بين عزاء وآخر، الحياة هي هذه المناسبات وهي ما نركض معه وله بين هذه المناسبات، وهذا ما خلده بيكاسو بلوحاته، وموديغلياني ببورتريهاته، وغنَّى له جون لينون، وكتبته جاين أوستن، ورسمه شاغال.

التوثيق لم يكن أبداً كلمة تقف عند حدود معناها في المعجم أو أسباباً تقف خلفها أكاديمياً أو سياسياً أو علمياً، التوثيق مهمة إنسانية تحفظ الذاكرة للذاكرة، كنت طرفاً في حوار وانتهى إلى أن "التوثيق يحفظ لنا وللآخرين حياتنا التي نعرف" -الكلمات بين قوسين ليست لي- وسمعت مرة أن التصوير هو "توثيق للحظة، توثيق للسعادة" -الكلمات بين قوسين ليست لي- وهنا توقفت كثيراً أمام إسقاط الفعل على اللحظة والشعور، وعدت بعد هذه الكلمات إلى الصور التي تحتويها أدراجي، ووجدت بعض صوري وأنا طفلة، وجدت صوراً لجدتي -رحمها الله- والتقاطات عديدة لمناسبات كانت الصورة فيها توثيقاً للحظة وللشعور، وحفظاً للحياة كما كنا نعرفها، بعض الكلمات تعيدنا إلى ذاكرتنا وربما تهدينا اقتراب لحظة الميلاد الجديد.

ولهذا السبب أكتب؛ لأنني أجد في الكتابة معنًى للتوثيق لا أعرف له تجسيداً إلا من خلال الكتابة، ربما أعيد من خلاله قراءتي له كفعل بحيث أراه يتسع ويمتد إلى حيث يتعدى البعد الزمني والمكاني لسبب الكتابة الذي غالباً ما يكون مفاجئاً ولا ينتظرني أبداً؛ بل يقتحم عليَّ لحظة أنا فيها أبعد ما أكون عن الكتابة واقعاً وخيالاً.

أكتب لأنني أحب عالمي؛ لأنني أحب الإنسان الذي هو أمامي، أسرتي، صداقاتي، وأحب الصمت أمام كل كلمة يقولونها، وقد اقتبست في هذه التدوينة أكثر من صداقة وأكثر من حوار، الحضور في القلب هو حضور في الذاكرة والكتابة تنقل هذه الكلمات إلى حيث ترتاح أكثر ليقرأها أصحابها، وأقرأها أنا، ويقرأها العالم معي، سواء كان قارئاً واحداً أو كل مَن التفت لهذه الكلمات.

أقف يومياً في مواجهة مع الرغبة في الكتابة في محاولة للوصول إلى الميلاد الجديد! الشغف هو رؤية هذا المخاض الذي لا ينتهي؛ لأن الإنسان ما أن يولد من جديد إلا وتتكرر الحكاية، لا يموت الشغف لكنه في بحث مستمر لميلاد جديد وهنا أجد الكتابة التي توثق قراءاتي اليومية، سواء كانت عميقة في جذورها أو تمارس الاندهاش أمام ما لا يمكن وصفه إلا بالسخافة أو العبث أحياناً، أجد هذه الكتابة هي ميلادي الجديد، كان يوماً على شكل كتاب وفي يوم آخر كان في تأمل استمر لسنتين أو أكثر في محاولة للوصول إلى شكل جديد للقصة القصيرة، وهو ما كتبته على شكل حوارات كان عنوانها "فرط العشق اللاإرادي"، واليوم تستمر هذه الرحلة بتدوينات هذه هي العاشرة منها، ولا أعرف أين ستذهب بي الكتابة خلال هذه السنة، هي لغتي التي أجيد، ولكل منا لغة، ينطق بها شغفه، الصورة الفوتوغرافية لا يمكن لها أن تكون صورة دون أن تنقل رؤية صاحبها والرسم كذلك والكتابة تعقد الموضوع قليلاً؛ لأن الجسر بين صاحبها والقارئ هو جسر من خيال الكاتب وفهم القارئ، قد يمتد هذا الجسر أو ينقطع ليُبنى من جديد دون علم أحدهما أو بعلمهما معاً.

نهاية هذه الكلمات: كل الفن تجسيد لمفهوم وتوثيق لزمن وشعور، والشغف الذي يدفع صاحب هذا الفن للاقتراب منه وبه للآخرين هو ميلاده الجديد، واللغة هي الجسر الذي يأخذ بعضاً من صاحب الفن إلى من ينصت له، يستمع له، يقرأ له، يتأمل عمله وربما لأن ميلاده الجديد ينتظر هذه اللحظة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.