المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

عن الحب.. أكتب

تم النشر: تم التحديث:

وضعت سؤالاً في صفحتي للإنستغرام: الحب هو....؟ أكمل الفراغ.

تنوعت الإجابات، لكنني وجدت فيها تجسيداً للحب يبتعد به عما اعتدت قراءته، لا أظنني أستطيع نقلها كلها هنا، لكنني أعرف أنني أريد أن أقول إنني وجدت في كل ما قرأت تأكيداً على أن الاختلاف في الرأي يزيد الكلمات عمقاً ويأخذ بجذورها إلى أعماق لا يمكن الوصول لها دون البحث والسؤال، والحب الذي كنت قد كتبت عنه مرة أنه لغة وأنه معرفة، أجدني اليوم أكتب في محاكاة لوودي آلن: الحب إجابة!

يقول وودي آلن في أحد أفلامه، هانا وأخواتها: قد يكون الشعراء على حق، قد يكون هو الإجابة الوحيدة!

سؤال: كيف يقع الإنسان في الحب؟

هل يمشي ليجد نفسه وكأنه أليس في بلاد العجائب، وقصة حبه هي بلاد العجائب التي لا بد له أن يجتازها ليفيق بعد رحلته من الوقوع في الحب، فيجد نفسه أمام حياته التي يعرفها قبل "الوقوع في الحب"؛ لتكون حياته التي خلت من عاطفة لم تكن موجودة من قبل!

أعيد صياغة السؤال: كيف يعرف الإنسان أنه يحب؟

هل يرى أنه يمشي إلى الحب كما تحب غادة السمان أن تقول؟ هل يمشي الإنسان فعلاً إلى حيث يجد أنه محب وعاشق لمن يعرف أو لمن لا يعرف بعاطفته أصلاً! فيبدأ رحلة اليقين أو رحلة التساؤلات المستمرة التي قد تنتهي بسعادة يقينية أو ربما ببعض الألم الذي يضع القلب بين يدي صاحبه أياً كان هذا الصاحب، بين قفصه الصدري أو بين يدي محبوبه، أحدهما، لا كلاهما، فأحدهما هو صاحب القلب!

سؤال آخر: هل الحب عاطفة لا بد لها من شعلة تبدأها، شعلة تأخذ اسم وطبيعة الفراشات باللغة الإنكليزية، فراشات تضطرب لها المعدة، تشرح ذاك الشعور الذي يجعل الإنسان لا يكف عن الابتسام ويلف يديه حول نفسه خوفاً على هذا الجمال الذي بدأ يسكنه من أن يطير، وكأن قلبه قد تحول إلى طائر سحري، تخفق جناحاته أياً كان عددها وتنثر شذرات سحرية تضع أمام عينيه ألواناً جديدة للعالم، وكأنه عالم لا بد له أن يكون كل ما يرويه لمحبوبه أو ما يرويه، والمعنى بين ما يروي ومن يروي يختلف.

وقد يكون لهذا السؤال مكان: هل تحب من يقترب منك بحذر يمد يده لك وكأنه على وشك المصافحة أو ربما التمسك بك لئلا يقع، وهنا يتحول من عاشق إلى معشوق؟ هل في الاقتراب الحذر خوف من الحب أم خوف من الرفض وبين خوف وآخر يكون القلق سيد المشاعر؟

وفي حال كنت محبوباً هل تنتظر هذه الفراشات أن تتمرد على خدرها وصمتها وتنطلق أجنحتها بقلبك إلى حيث من يحبك؟ أو أن هذه الفراشات هي من يجد في قلبك مستقراً ينأى بها عن عالم لا يسمح لها إلا بأسابيع تموت بعدها لتولد فراشات غيرها وتموت لتولد فراشات غيرها أيضاً؟

أو أخيراً: هل ينتظر الحب نوراً يمنع الظلام حولك وحول من تحب؟ نوراً تخشى عليه من أن ينطفئ لولا حبكما الذي يحميه ويستمر بينك وبين من تحب دون أن يجد الظلام لكما طريقاً؟ أو أنه هو النور الذي يرسم الطريق أمامك أنت ومن تحب فتتحول الخطوات والطريق إلى حياة لا يمكن لها أن تتضح دون أن يكون الحب هو ما ينير هذا الطريق، وربما هنا أكتب: الحب نور مهما حاول الظلام مد يديه، الليل أول ما يكون يكون مظلماً ولو تأملت السماء بصمت لدقيقة أو دقيقتين، تمكنت من تتبع النجمات وربما كنت على موعد مع القمر ومع من تحب ولو كان كل منكما في بقعة جغرافية ينتظر قمراً منيراً فيكون الظلام سبباً لرؤية هذا النور.

هذه الأسئلة وغيرها كثير وجدت طريقها في أكثر من حديث عن العاطفة والحب والوحدة والعزلة الاختيارية التي يفترض الإنسان الحديث أمام أهميتها وقسوة رؤيتها كحقيقة يومية يبنيها الكبرياء وربما صعوبة التواصل مع العالم أياً كان السبب.

هناك سبب مؤلم، وهو أن الإنسان لا يحب مواجهة ألمه مرتين، وبذا تكون العزلة حماية للذات من الألم تفترض العزلة درعاً تحمي القلب من كل ألم، لكنها تمنعه من النبض بحرية وتختزل نبضه في حياة لا يجد القلب فيها مساحة للطيران وللوجود بين يدي صاحب له يبدل نبضه من نبض يتزامن مع دقات الساعة إلى نبض يشبه موسيقى الجاز في فوضويته، لكنه يأخذ صاحبه إلى صاحبه (التكرار هنا مقصود؛ لأن للقلب صاحبه وللحب صاحب أيضاً).

قرأت لمنيف، عبد الرحمن منيف أن الحب اشتباك مع الحياة! (إشارة التعجب هذه لي أنا، ولا أظنها تعجب بقدر ما هي دهشة من جمال التعبير) ثم اشتباك مع من يمثل الحياة من الجنس الآخر. ولدرويش، محمود درويش قرأت نصاً بعنوان "هي في المساء" كتب في نهايته ".. هي لا تقول: الحب يولد كائناً حياً، ويمسي فكرة، وأنا كذلك لا أقول الحب أمسى فكرة" يكتب درويش ما لم يقله هو وما لم تقله سيدة وحيدة تتناول عشاءها أمامه.

نقل عن لوركا حاجة الشعر إلى كائن حي، والحب كذلك، بحاجة إلى قلب حي! المعنى مجازي هنا؛ لأن القلب لا يموت لوحده دون صاحبه، لكنه قد يستقل أحياناً عنه كما قد كتب درويش مرة "قلبي ليس لي، ولا لأحد، لقد استقل عني دون أن يكون حجراً" ولغادة السمان "أتأمل حياتي بحياد عالم آثار" هذا الحياد للحياة هو موت مجازي للقلب لا بد له من أن ينتهي إلى حياة جديدة له تحيي كل هذه الآثار، تبدل المشهد اليومي من روتين تفاصيلها كلها: النوم، الأرق، القلق من تفاصيل الغد، يوم جديد ومساء ينتظرك: كل هذا الروتين يتبدل في حال كان الحب حاضراً: يحيي الحب كل هذه التفاصيل؛ لأن هناك من يهتم، هناك من يريد أن يعرف عن يومك، أو ينتقل بك لمسائك أو قد يريد أن يكون حضوره حقيقة تتجسد بكل ما تعرفه منه، وعنه!

لا يموت القلب حرفياً (ولا أعني هنا السكتات القلبية والأعراض التي لا بد من الحديث عنها مع طبيب)، ولكنه نبض حياته بين قانون الجذب وبين مفاجآت الحياة. أعود للبداية لأؤكد:

الحب هو إجابة تساؤلاتنا اليومية، هو الشغف بالتفاصيل التي لا بد لها من أن تجد من يفهمها ويجد في هذا الشغف فتنة.

الحب هو الكلمات التي تنطلق بين عقلين وروحين وجسدين، وهو ما يجد طريقه للقلب والعقل ليكون جسراً بينهما وبين قلب وعقل تحدى في بنائه كل قوانين الجاذبية.

كتب محمود درويش: صغير هو القلب، قلبي، كبير هو الحب، حبي!

"انتهى" وبذا انتهت هذه الكلمات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.