المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

الحياة مع الاكتئاب ونوبات القلق والهلع والتوتر والشغف

تم النشر: تم التحديث:

اسم الكتاب: أسباب للبقاء على قيد الحياة، لمات هيغ، Reasons to Stay Alive، by: Matt Haig
كاتب إنكليزي له عدة كتب، ويكتب في صحيفة الغارديان، لم أقرأ له إلا هذا الكتاب، الذي لم أكن لأعرفه لو لم أمشِ يوماً في أحد شوارع لندن بحثاً عن مكتبة صغيرة كنت قد لمحتها في ساوث كينزينغتون، لم أكن أعرف ما الذي أريده منها إلا أنها لفتت انتباهي لصغر مساحتها ونافذتها الأمامية الجميلة.

دخلت ولفت انتباهي أكثر من عنوان، كان من أجملها كتاب صغير حجمه لقصائد ويليام بلايك ورسوماته أيضاً، أخذت الكتاب ومن ثم التفت لأجد كتاب مات هيغ على رف وضعت عليه ورقة بيضاء كتب عليها: "إن لم تخُني الذاكرة أو أن خيالي ألف هذه الكلمات" كتاب صادق!

اشتريت نسختين من الكتاب؛ الأولى لي، والثانية كانت هدية، قرأت الكتاب وأنا في التاكسي، تمنيت لو أن الشارع لا ينتهي، أو أن سماء لندن تمطر، لعل اللحظة تطول، ولعلي أتجاوز الصفحات الأولى، أقف كثيراً أمام غلاف الكتاب، والعنوان، والكلمة الأولى التي يسمح لها الكاتب بأن تفاجئ القارئ، يبدأ مات هيغ الكتاب بصفحة عنوانها: هذا الكتاب، كان مستحيلاً، كأنه على مقعد في ستاربكس، يتأمل الزحام، والضجيج والأصوات، وطلبات القهوة التي لا بد أن تتجاوز 3 كلمات على الأقل ليبتسم، ويلتفت ليقول: كان الكتاب مستحيلاً لكنني كتبته.

يتحدث هيغ عن حياته مع الاكتئاب والقلق والتوتر، يصف نوبات الهلع بدقة، يضع نبضات قلبه في أحرف تجسد صوتها الذي يكاد يسمعه، وينتقل للتغيرات التي يواجهها جسده، والأفكار التي تسيطر عليه خلال نوبة الهلع وبعدها بقليل.

لا ينتظر من القارئ تعاطفاً مباشراً أو حتى سبباً للقراءة، بل هو يتكلم كثيراً، ويستطرد في تفاصيل اللحظة التي اختار التركيز عليها، وكأنه يتنهد ويعود للحديث بين سطر وآخر، يكتب حياته، ولا يكتب معاناة تستقل بما يشعر وكأنه بعيد عنه.

يكتب في إحدى الصفحات:
"أكره الاكتئاب، يخيفني، يصيبني بالهلع، لكن في نفس الوقت هو ما هيأ لي أن أكون أنا، وبالنسبة لي لو كان هذا هو ثمن شعوري بالحياة، فهو ثمن سأدفعه، أنا راضٍ بوجودي"، الجملة مباشرة وبسيطة في طرحها، ولا تعقد موقفه من الاكتئاب، هي في ذات الوقت تنقل عمقاً في رؤيته لذاته بالقرب من هذه الفكرة المخيفة والمؤلمة.

يكتب في صفحة أخرى: "جزء مني يقاوم غرقي في الاكتئاب ويظل بعيداً عن كل أمواجه، هو ما سأسميه روحي"، يؤكد هيغ انفصال الاكتئاب عنه على الرغم من أنه يتقاطع مع حياته اليومية، بل يكاد يعطلها ويدفعه للانسحاب منها والابتعاد عن كل ما يدفعه للوجود مع الآخرين.

ينقل عن جون كيتس ما يتفق معه عليه، ويؤكد حاجته للعزلة: "حين أجد نفسي برفقة تزدحم بعدد من البشر وأنتهي من تأمل كل أفكاري تعود لي نفسي التي لا أعرفها، تعود لي، وتمارس هوية كل من هم حولي ضغطاً يشعرني بأنني على وشك أن أباد"، الاختناق من رفقة الآخرين، رفقة من لا يعرف، التي تتجسد في المناسبات الاجتماعية التي تفترض منه ابتسامة ما، وأحاديث جانبية لا تعنيه، وبالتأكيد هي لا تعني من حوله، لكنها مهمة في مثل هذه المناسبات، هو نتيجة حتمية لوجوده في ظروف مثل هذه.

يكتب عن نفسه أنه في بعض الأوقات يجد في نفسه شجاعة تدفعه للمبادرة وللخروج من المنزل لشراء الحليب، الفكرة على الرغم من بساطتها فإن صعوبتها تتجسد في الحياة مع الاكتئاب ونوبات القلق والهلع، يقول بأن أندريا، رفيقته، سألته "لوحدك؟" فأجابها "نعم، سأكون بخير"، ويذكر هنا أن هذه الحكاية كانت في سنة 1999، وفي ذاك الوقت، لم يكن معتاداً أن يكون مع الكل هاتف متحرك، مما يعني أن سؤالها "لوحدك؟" يعني أنه لوحده بالفعل.

الخروج من المنزل فعل صعب على من يجيد الاكتئاب إبقاءه حيث هو، وكأنها أثقال تضع نفسه على كتفه وقدميه لئلا يتحرك، والوحدة شكل للوجود لا يستطيع المصاب بالاكتئاب مواجهته أو الانسحاب منه؛ لذا قال عن شراء الحليب لوحده إنه فعل بطولي.

القراءة مهمة، يؤكد مات هيغ أهميتها له في مواجهة أعمق مراحل اكتئابه، يكتب: "دائماً ما يوصف محبو الكتب بأنهم في وحدة مستمرة، لكن بالنسبة لي كانت القراءة هي الطريق الذي أبتعد به عن الوحدة"، ويسبق هذه الجملة بوصف للكتب وللكتابة بأنه الحبكة دائماً هي "لباحث عن شيء ما"، وبأنه هو كان دائماً في بحث عن الذات.

تتقاطع الحكايات التي يسردها عن حياته الخاصة بتفاصيل دقيقة جداً عن نوبات الهلع والقلق، وسيطرة الاكتئاب كفكرة عليه، واختلاف درجة السيطرة من يوم لآخر، ففي بعض الأحيان يشعر وكأن جمجمته لا تكاد تحتوي عقله وأفكاره التي تهجم عليه، وفي أيام أخرى لا يكاد يرى لهذه الأفكار وجوداً.

الشغف مهم وحيوي للإنسان، ويوجد له مساحة لا بد له من معرفتها وتمكنه من الوقوف فيها والمشي أيضاً، ولا بد له من إدراك أن الشغف يتمتع بمساحة من الوجود في عقله توازي، أو تفوق المساحة التي تحتلها أفكار الاكتئاب وهواجس القلق ونوبات الهلع التي يعرف أنها لا تتجاوز عقله، لكنها تمنعه من التواصل كما يريد مع يومه، وقد يبدأ بنسيان القدرة على التواصل، ويجد نفسه في حرب مستمرة مع هذه الأفكار التي قد تنتصر يوماً، ولكنه ينتصر عليها أحياناً، وينقل عن فلوبير كلمات أترجمها هنا: "دقيقة من الشغف قد تكون بمساحة كون بأكمله".

ينقل أيضاً عن جلال الدين الرومي: "لا تقف بباب جرحك، فمنه يجد النور طريقاً لك"، مات هيغ يكتب بالقرب من ذاته، ويكتب بالقرب من واقعه اليومي، وينقل تجربته الشخصية مع القلق والاكتئاب ونوبات الهلع والتوتر والحاجة للاعتراف بأهمية كل هذه الكلمات التي لا تنتظر تجاهلاً لها لتعبر بسلام؛ بل تبحث عن علاج لها، قد يكون سلوكياً وقد يكون دوائياً، وأياً كان العلاج فهو مهم لمن يعاني منها ومن يعاني من غيرها.

هو يكتب تجربته التي أعطت كل هذه الكلمات المؤلمة بُعداً إنسانياً يتجاوز المصطلحات العلمية ويقترب بها أكثر من الحياة اليومية ويتجاوب مع من يمر بها، كلها أو أحدها، وقد تحجب عنه رؤية ذاته والعالم معاً، ولا يستطيع معرفة ذاته والعودة بها إلى عالم تبدل عليه دون أن يعرف ما الذي تغيَّر.

الكتاب جميل وكنت قد وضعت بعض صفحاته على حسابي في إنستغرام رغبة في ترجمتها لنقلها لمن لم يقرأ الكتاب بعد، وقد يحظى بترجمة تنقل حكاية إنسانية قد تكون بيننا، معنا أو قد نكون نحن أبطالها دون أن نعرف، أو نعترف بأننا نواجه أفكاراً تمنعنا ولو للحظات من التواصل مع العالم دون أن نعرف حقيقة السبب، لكننا ندرك وجوده.

بكتابته لهذا الكتاب وغيره أيضاً أدرك مات هيغ أن الشغف يأخذه لحياته، ويعود به لها في كل مرة يواجه فكرة مخيفة، حزينة، قلقة، أو ربما فقدان التواصل مع العالم، وهنا يجد العنوان مكانه لدى القارئ حتى قبل قراءة الكتاب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.