المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

يسكت الجميع.. فأم كلثوم تغني

تم النشر: تم التحديث:

يكون الصمت حلواً، ويمسك بلسان صاحبه عن الكلام؛ لينطلق القلب بكل ما في أمله من قوة، وما في يأسه من ضعف، وما في صمته من حلاوة تنطلق بها ابتسامة غازلت ذاكرته وشفاهه لأسباب يعرفها أو يجهلها، لا يهم؛ لأنها أسباب موجودة وربما حقيقية.

ولأنها تُغنِّي، يكون في صمته صوت للحنين، لا يسمعه إلا قلبه وربما رئته التي تختار اسماً يجد لنفسه مكاناً بين تنهيدة وأخرى.

قد يكون الصمت أمام صوتها حاجة للبكاء في عزلة إلا من صوتها الذي يجد لنفسه في قلب صاحبِ الحزنِ مساحةً، وصاحبِ الحبِ أملاً، وصاحبِ نفسه مرآة لأمنياته وآماله وربما خيباته وآلامه.

لأنها تغني "انت الحب"، وجدت نفسي أمام هذه الكلمات واخترت لغة الفعل المضارع، وهذه من ثوابت اللغة الإنكليزية عند الحديث عن حقائق مثبتة علمياً (لا أقول بأن ما أكتبه حقيقة علمية، لكنها نظرية لا تبتعد عن حقيقة وجدت ضالتها كما تساءل أينشتاين)، لا أظنني أملك أن أدلل على حقيقة ما أقول "علمياً"، لكنني أعرف أنني أسمعها تغني ولا أقوى على كتابة "غنّت"، فصوتها رفيق صمتي، وبين قلبي وبين صوتها صداقة عرف فيها قلبي بعض أسباب الصمت، وربما بعض أسباب الكلام.
"انت الحب" ليست أغنية، هي رسالة، رسالة تشبه الكثير مما أقرأ والكثير مما أكتبه على لسان أبطالي المتخيلين، والذين اقتربوا من الحقيقة في #فرط_العشق_اللاإرادي، لكن لا شيء يشبهها وكأنها مرآة سحرية تجيب كل من يسألها، هل أنا أجمل أو أنت؟ فتجيب بكل ثقة: أنا.

قد يكون تلحين عبد الوهاب لهذه الأغنية التي تقف مع مجموعة عنوانها "لقاء السحاب" سبباً يأخذ بيدي إلى فكرة أن أحمد رامي يكتب، ويقرأ عبد الوهاب ما تجسد بصوت أم كلثوم، رسالة من أجمل رسائل الحب التي قرأتها، وكأنه رماها بتعويذة سحرية لتجد طريقها إلى قلب كل من يستمع لها.

تعيد أم كلثوم الكلمات وتبتسم وتقف للحظات وتصمت وتقترب من الضحك وتغني؛ لأنها تعرف أن جمهورها يقول لها "لا، لا تصمتي"، ولو أنها تعرف أن اليوم في 2016، هناك من تمارس الصمت؛ لأنها توقفت للحظات أمام قناة روتانا كلاسيك لتجد أن أم كلثوم تغني وتتنهد وتمسك بمنديلها وتحركه، وكأنها تقول "أنا هنا"، لأجيبها "وأنا هنا، أبتسم لأنني لا أجيد إلا الصمت أمامك"، لفكرت كثيراً في أن صمتها صمت عن حياة القلب أحياناً.

بعيداً عن كل شيء، عن ضجيج لا يمكن معه إلا الاستماع إلى صوتها وهي تغني، وإلى لحن موسيقي لا بد من ساحر يقف خلفه لحن، لا يمكن إلا أن يكون رحلة عبر الزمن، لحن يتمرد على سنوات مضت ويجد لنفسه مكاناً في سنوات حلت وسنوات قادمة أيضاً.

لا أعرف كيف يكون يومي أو ليلي ما لم أستمع لعبد الوهاب وهو يغني "يا اللي نويت تشغلني" في مشهد كوميدي رائع، وهو على الأرض وكأن صوته ينطلق من الراديو في غزل جميل لطيف ربما ما زال له في أيامنا هذه مكان.

ولا أعرف كيف يكون يومي دون المرور على فيلم جميل؛ لأن الحنين يسكنني إلى كل ما أعرفه من أسماء وحوارات وأسماء بعضها ما زال على قيد الحياة وبعضها مات دون أن يكون لوداعهم في ذاكرتي مكان إلا أيام سريعة هي أيام العزاء، وبعدها يمد الحنين يديه ليأخذ قلبي ليشرح له أسبابه ولا يفهمها قلبي، فينبض بسرعة تؤلمني وتقترب بدموعي من عيني، ولا تكاد دموعي تقترب إلا وأدرك أن المكان والساعة لا يسمحان إلا بابتسامة بلهاء ونظرة بلهاء، وأسباب "الخرس الإرادي" الذي يمنعني من الحديث مع من لا يفهم كل ما كتبت، لا حاجة لي ببناء جسر ليفهمني من لا يفهمني، لكنه الحنين لمن كانت حياتي بهم تفاصيل وحكايات، منها جدتي التي سمعت عبد الوهاب يغني "طول عمري عايش لوحدي" والتفتت للشاشة وابتسمت ولم تقل إلا ما نطقت به ابتسامتها: الوحدة حال إنسانية مهما شرحت كتب علم الإنسان "الإنسان" بأنه كائن اجتماعي!

الإنسان كائن وحيد إلا من رفقة تحيي على شفتيه الابتسامة، وفي قلبه الحب، وفي عينيه الحنين، وفي يديه تلك اللحظات التي حمل فيها طفلاً أحبه، أو صافح صديقاً لا ينساه، وقد تكون تلك اللحظة التي قبلت فيها يد جدتي التي كانت تزينها الحناء في كل مناسبة سعيدة، وكأن رائحتها التي كنت في صغري لا أحبها، هي رائحة السعادة والشوق إلى من كانت تعرفني جيداً، وحين أقول تعرفني، أعني تحبني.

يقول عبد الرحمن منيف، في كتاب له أظنه في أدب الصداقة: كيف يمكن أن نجعل لمسة اليد كلمة واحدة! لا أظنني أختم هذا السؤال بـ"؟"، بل أظنه يتأمل وقد يتعجب من حال الإنسان الذي يقف عاجزاً أمام ذاكرته وقلبه وكل لحظة كان إيمانه فيها بمن حوله هو أمانه الوحيد الذي يعرف، إلا أنه اليوم هو خوفه من عالم لا يعرفه مهما مد يده له ومهما اقترب منه، إلا أن غربة الذات كانت دائماً أقوى.

أبتسم لأن أم كلثوم تبتسم، وربما لأنني في مرحلة من حياتي لم يكن يهمني من الأغنية إلا جمال اللحظة وأسرتي بكل من كان يحضر تلك الساعة التي تنتهي فيها ليلة الأربعاء ليطل فجر الخميس، وتجتمع الحكايات وأم كلثوم تغني بيننا، يعنيني منها صوتها وتفاصيل من حولي، والآن لأن معظمهم رحلوا عن عالمنا أجد في نفسي حاجة للعودة إلى تلك الأغنيات التي يميل لها أحدنا أو ربما ببساطة لا يحبها، أو ربما كانت أغنية جسدت حواراً عائلياً انتهى ليكون حديثاً عن غرور أم كلثوم، وعن أسمهان، وعن عبد الوهاب وعن وسواسه القهري ولقاء السحاب، وعن فايزة أحمد، وعن سعاد محمد، وعن أسماء لم تشتهر لأن أم كلثوم تغني.. اليوم أبتسم لأنني التفت إلى تفاصيلها التي لم أكن أعرفها، وبدأت بالتعرف على حفلاتها أكثر، ووجدت أن هناك الكثير من المشاهد التي ميزت حفلاتها، منها تلك السيدة التي تظهرها الكاميرات في حفلة غنت فيها "هو صحيح الهوى غلّاب".. الحاج سعيد الطحان، أو مجنون أم كلثوم، هذه الشخصيات التي لا يمكن أن ألتقي بها أبداً هي شخصيات عرفت أن الاستماع لأم كلثوم هو حاجة للتعبير عن الذات!

وربما هنا أجد نفسي وبتحيز تام لعبد الوهاب أكتب: بنى عبد الوهاب جسراً بينها وبين مستمع (واحد أو كل مستمعيها)، تعني له كل حاجته للتعبير، وجسد معها روح صاحب الكلمات لكل ما يقع تحت عنوان لقاء السحاب.

الكتابة عن أم كلثوم سببها أنني استمعت بالصدفة لأغنية "انت الحب" ووجدت نفسي أكتب.

هي تغني لأن الصمت أمامها كل ما أريد قوله أحياناً، هي تغني؛ لأنها صوت كل شيء والصمت أحياناً خوف من النطق، لكنها معها كل أسباب الحديث الممكنة.

"انت الشوق اللي اسمع صوته.. لما تغيب عني يناديني" أظن هذا السطر ينتهي بكلمة "انتهى".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.