المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

الشغف حاجة إنسانية أم غريزة؟

تم النشر: تم التحديث:

لِمَ لا تقرأ؟ ولِمَ لا تكتب؟ لِمَ لا تصور؟ لِمَ لا تطهو؟ لِمَ لا تمارس الصمت؟ لَمَ لا تغنّي؟ لَمَ لا تتحول إلى هوية لا تعرف نفسك إلا بها ولا يعرفك الآخر إلا بها؟ لِمَ لا تقترح للعالم هويتك التي سيُصدقها طالما قدمت الدليل؟ ولِمَ لا تمتلك مساحة يفترضها واقعك كل يوم بأنها واقعك الذي لا بد أن يتعامل معك من خلاله عالم صغير/كبير في محاولة لمعرفة الذات والانطلاق منها إلى الآخر!

إنهاء الجملة السابقة بإشارة تعجب لم يكن اعتباطياً؛ لأن العالم لا يبحث عنا أبداً، بل نحن مَن نبحث عن مكان لنا فيه، أو جسر لننتقل من مكان لآخر في هذا العالم.

في الحياة مَن يريد معرفة مكانه كل يوم، والتأكد من معرفته، ومن ثم رؤية الآخر له -لو كانت تعنيه- ولو لم تكن تعنيه لتحول إلى ما يشبه ما نقل عن ابن الجوزي في "صيد الخاطر": "في العزلة طيب العيش".

يقول هيمنغواي إن على الكاتب أن يكتب ما يريد قوله ولا ينطق به أبداً، من خطاب تسلّمه لجائزة نوبل للآداب، لغة الكاتب، كما تشرحها "هويته" هي الكتابة.

ويقول مروان قصاب باشي: "للكلمة (يعني الكتابة) طريق وثقافة، وللخط واللون (يعني الرسم) ثقافة أخرى رغم المصدر ذاته، ألا وهو موضع الإنسان من ذاته في الكون مع طموحاته ولوعته ومع الموت والحياة"، تفكيك هذه الكلمات مهم لقراءة الشغف، لتفهمه وللتعرُّف عليه أيضاً.

حين يقول باشي "طريق وثقافة" هو ربما يعني أسلوباً ومعرفة تعيدني إلى أهمية أن يتعرف الإنسان على ما حوله، ومن ثم لينطلق بمن هو، وبمن يكون، وكما يقول باشي: "موضع الإنسان من ذاته"، ويضع كلمة لا أظنه قالها بعفوية (مع) (...لوعته و...) يعني الشغف، يعني ما يؤلم ويجذب ويرمي بفرح وسعادة ويتسبب الصمت وينطلق بالحوار إلى آفاق لا ينهيها إلا الحاجة للعودة إلى البدايات.

قد يتحول الكاتب إلى آلة ناسخة، والناقد إلى ماسح ضوئي، والمصور إلى كاميرا متنقلة، والطهو إلى معايير ثابتة ومقادير لا تتبدل إلا بحسب رؤية تحدد مَن يستحق نجمة ميشلان، والفنان يبحث عن عمل يتفق ورؤية وضعها بيكاسو، شاغال، أو دافينشي، ومن يغني أمام تحدّي التمسك بما يرضي الجميع ولا يرضي ذاته، ولا أظن أن هناك مَن أرضى ذاته وجمهوره بقدر ما فعل محمد عبد الوهاب، موسيقار الأجيال.

يبدأ حب الاستماع للغناء عندي مع عبد الوهاب، لو اختلفت مع من لا يحب الاستماع لعبد الوهاب، أجد نفسي أعود لـ"كل ده كان ليه"، وأتساءل، مع كل الشغف الذي يقدم فيه عبد الوهاب فناً ليس إلا للتاريخ حفظاً وله حياته التي تأسرني بتفاصيلها، ومنها حكاياته التي نقلت حياة فيها تعامل مع الوسواس القهري، تأمل الجمال، والحب، الزواج، والفن وأحمد شوقي!

الشغف هوية..
مقولة هيمنغواي التي سبقت هذه الأفكار المبعثرة، والتي تجيب عن كل سؤال كنت

قد وضعته في المقدمة، تجيب عن سؤال أخير: لِمَ لا تمارس الصمت؟ هذا السؤال يفترض بمن يجيبه أن يعرف سبباً للصمت، نحن نمتلك أسباباً للحديث، ولكن نادراً ما وجدت سبباً للصمت إلا الموت، وهو بالفعل الحقيقة التي تخرس الجميع، لكن الخرس والصمت كلمتان مختلفتان اصطلاحاً رغم اتفاق المعنى وروح الفعل.

الصمت يبحث عن ممارسة تُحيي بعضَ ما مات منه أمام هذه الرؤية الجديدة للشغف، التي تبتذل معنى الشغف الذي ينتقل بالكاتب من عالمه إلى ورق أبيض، أو أسود، أو ربما منديل ورقي وجدته في مقهى فأنقذ فكرة من الضياع، بمساعدة غريب أعطاك قلمه أو سطح إلكتروني "ذكي" يحفظ لك ما تكتب؛ لأنه أقرب لِيَدِك وعينك ومخدتك وتفاصيل يومك.

وتنتقل إلى قراء أو قارئ واحد لا يعنيهم إلا أن مَن يكتب، يكتب ما قد يدفعهم للبحث عن سبب للصمت، ولو وجد فهو يكون قد همس في أذن القارئ دون أن يعرف، وبالمثل، المصور، لو التقط صورة تدفع مَن يراها للصمت، لجمالها الذي تحدده عينه، وقدرته على الوقوف أمامها قدر الإمكان هي قدرة الإنسان على الصمت لوحده.

الصمت أمام موسيقى فيفالدي، أغنية لطلال مداح، سيناترا، أم كلثوم، وربما الصمت أمام حياة لا تعرفها، لكنك وجدتها أمامك بسبب فيلم وثائقي، فيلم سينمائي جميل جداً قد يكون تاريخه 1927 ميلادي، أو 2016، لا فرق، فالفيلم الجيد لا ينتظر إلا الصمت والبحث عن حياة تتأملها لكل أسبابك التي وضعتك أمام الفيلم.

هو صمت للبحث عن عالم جديد، عالم يفتح القفص الصدري، ويجد له مكاناً يزاحم في الرئة والقلب ويصل للعين، وربما يقول لها يكفيك من صمتك ما يقول لدموعك انطلقي، وربما للكبرياء مكانه في كل لحظة وقوف أمام الآخرين، الجمال سبب للصمت، وإذا كان الجمال مبكياً، حتى لو كانت دموعاً لم يرَها سواك، هي لا تجسّد إلا حزناً ضقت به، أو سعادة هي أكبر من أن تحتويها.

يقول تشابلن، في خطابه الشهير من فيلم الديكتاتور العظيم: "نفكر أكثر بكثير مما نشعر".
في كتاب عن حياة الشاعر ويليام بتلر ييتس، قرأت مقولة لوالده، جون بتلر ييتس، مقولة: "نملك أفكاراً ولا نملك شغفاً"، أجدها تستجيب لما قاله تشابلن، وهي ربما ما أوضحت لييتس الابن رؤيته لذاته، ويليام بتلر ييتس يعرف عن نفسه بقوله في إحدى قصائده: "أنا الشاعر ويليام بتلر ييتس"، يعرف بأنه شاعر، شغفه هو هويته، الشعر مرآته ونافذته وروح شغفه.

يقول باشي: "الفن (كل) إنساني"، فإن لم يكن إنسانياً مثل صاحبه، يقترب منه حتى تجد بعضاً منه، فلا تلم بعضه إن بكى على بعضه معه، سرقة شعرية تتكرر من ابن زهر الأندلسي.

الشغف مرآة للإنسان، ونافذة ينظر من خلالها إلى عالم فيه ما ترى لتراه، يدفعك للصمت مرة، والنطق مرة أخرى.

الشغف له روح تختلف باختلاف ميل صاحبه، ولكنها ما أن تجد منه استجابة كان له أن عرف ذاته، وقرأ مساحات هو فيها من يريد، ومن يعرف في ذات الوقت، لا يكفي أن يريد أن يكون بل لا بد أن يعرف، وهذا ما يجعل الشغف بعض الروح والقلب والعقل والعين واليد.. الحواس الخمس تبحث عنه، والحاسة السادسة تريده أكثر من أي شيء، وتخاف فقدانه، أو ربما الضياع بدونه.

معرفة النفس هي البداية، معرفة البقعة الجغرافية التي تحتلها لوحدك، ومن ثم مع غيرك هي بداية رؤيتك لشغفك وحياتك التي تعرفها وتعرفك وتضعك على خارطة الإنسانية مع عالم فيه أكثر من 7 مليارات، وتجد نفسك تقف بينهم، وتمشي بينهم وأنت لوحدك لكنك معهم، وأنت مع غيرك أنت بداية نفسك، وفي نهاية اليوم نفسك.

الشغف هو ما يبحث عني ليجدني، وما أبحث عنه لأجدني، الشغف لا يجد نفسه إلا ليجدَ صاحبه، علاقة حقيقية بين إنسان وعالم، كلاهما يمشي على كوكب اسمه الأرض.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.