المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

نصف حكاية!

تم النشر: تم التحديث:

نصف الحكاية.. حكاية الإنسان كل يوم!

الكتابة اليومية بحث في النهايات، وإعادة قراءة البدايات أياً كانت البدايات، فهي دائماً أجمل ما في الحكاية، وإن كانت ضوضاء لا يمكن فهمها إلا على مسافة زمنية.

لكل إنسان حكايات، حكايات يقف فيها على الحيرة بألم، وحكايات يسبق خطواته فيها يقينه ليحياها بأمل.

قرأت قصيدة لعبد الإله الصالحي، جاء في سياق القصيدة أو نهايتها، لا أذكر، هذا التجسيد الدقيق جداً لمعنى نصف حكاية:

"لا شيء أجبرنا على التذكر، اختلقنا حنيناً وصقلناه بتفاصيل شتى".

للبشر حكايات يعرفون بداياتها وما يشبه النهايات، وهناك الحكايات التي تبدأ فقط، وتتحول الذاكرة بصاحبها إلى حيرة لا تنتهي وترتيب يومي للتفاصيل؛ لئلا ينسى، ولئلا تتحول الحيرة به إلى سؤال: هل حدث هذا فعلاً أو أنه خيالي؟

نصف الحكاية، جزء من حكاية الإنسان الضخمة التي تبدأ منذ لحظة الميلاد، وربما لحظة إعلان تكوينه في رحم الأم، وما يسبق هذه اللحظة من أمل وخوف وربما بعض الإحباط أو حتى جهل تام بكل ما يتكون داخل هذا الرحم.

نصف الحكاية مؤلم:

أن تصبح حقيقة أن العالم ضخم وكبير جداً لتلاحظ المساحة التي تقف عليها، وتجلس وتنام وتأكل وتمارس الشغف الذي يرسم حدود عالمك الذي يتسع لك وللكون من حولك، ولكن العالم قد يضيق بهذه المساحة، وهو ما يصيبك بالاختناق، وقد يدفعك للصراخ، وعلى فمك أجمل ابتسامة لا تنتظر من يصدقها، بل من يلتقطها، والصدق في عينيك قد لا يجد من يقرأه فينفجر يوماً، ينفجر صدقك غضباً، إحباطاً، ألماً وفي أسوأ الأحوال حزناً حقيقياً.

وتأتي تلك الصدفة السعيدة، وفرويد يقول: لا مكان للصدف، لكنها تأتي الصدفة التي تتخذ فيها الحكاية جذوراً أعمق، تقترب من القلب والذاكرة وتقترب بهما من بعضهما، وكأن الأول فرحة عيد يبدأها الترقب، وتتخذ من كل ساعات الفجر الأولى والنهار فرحاً يستمر بالتفاصيل يحتوي كل قسوة للحنين، والشوق والفقد، وتمتلئ باللحظة، وكأن ما يعنيك هو اللحظة.

تفتح الذاكرة بوابتها للقلب الذي يمشي مختالاً بكل حب وسعادة تتمرد على حدود القفص الصدري وتحطمها، وتكاد ذراعاك لا تكفيان للإمساك بقلبك الذي ينير عينيك وتبتسم لكل من حولك، وتتسع رؤيتك للعالم بقدر خطوات القلب الراقصة على بوابة الذاكرة، التي تقول له تعقَّل، فأنا مساحات لا تنتهي، لكني لا أتقن الوقوف بين الحقيقة والخيال أحياناً، يتجاهل القلب هذا التحذير، ويندفع بك إلى كل ما هو أنت، وكل ما هو من تحب، ويختصر عالمك نفسه في كلمات معدودة هي أنت ومَن تحب وعالم ينتقل بينكما من التفاصيل.

وتنتهي الصدفة إلى واقع ضبابي لا يشبه الغيم أو المطر، بل الضباب الذي يبعثر وضوح تفاصيل الحكاية؛ لينقشع بعدها وكأن شيئاً لم يكن.

وتنقطع الحكاية فجأة؛ لأنها نصف حكاية، تقفل الذاكرة أبوابها، ويعود القلب حزيناً وغاضباً وصامتاً، وقد يختار الصمت على كل الكلمات على الرغم من تسارع النبض الذي يأخذه إلى أذنيك، تعيده إلى قفصك الصدري، لكن حتى هذا القفص لا مفتاح له، لا يعود القلب له، يريد العودة لكنه لا يستطيع، يظل القلب تائهاً، والقلب ما إن يخرج من مكانه لا يستطيع العودة لوحده، بل هو بحاجة لرفيق، رفيق للقلب رفيق به، يأخذ بيده وقد يؤويه وقد يعيده لمكانه.

نصف الحكاية حزين، لكنه يقول للقلب: أنت حي لأنك تألم لصاحبك، تقف بباب صدره تنشد العودة وستعود، لك حق العودة، وله حق العتاب، تمردت على كل حذره وخوفه وقلقه، وانتهى به الحال حزيناً، محبطاً، وخائفاً من يومه، بعد أن كان لا يعرف شعوراً للغد، سيسامحك يوماً لكنه الغضب، يعميه عن ضعفك، ويكشف له قوتك، ولم يعرف أن قوتك وضعفك مرآتان لقلب واحد!

سيعيدك إلى يساره ويمينه تمسك بك، مؤلم غيابك لكنه لا يعرف كي يمد يمينه ليحتضنك يساره، مد يدك لصاحبك لعله يطمئن لك مرة أخرى ولا تأخذها، لا تأخذ يده إلى حيث لا تدري، بل مارس الصمت مثله، لعل النطق يأتي ولو بعد حين.

حزنه اليوم حنين لك، وربما حاجة لك، لكنه الكبرياء، ذاكرته أرهقتها الأسئلة، وأنت الوحيد الذي يملك الإجابات، لكنه لا يجد في نفسه قدرة على رؤيتك أو مسامحتك الآن، ستأتي هذه اللحظة، وستجدك الذاكرة مرة أخرى ببابها، لكنه اليوم خائف منك، خوف يختبئ خلف الغضب، لامَ نفسه وأطال الملام، وخاف أن يلومك؛ لأنك سريع الانكسار، على الرغم من أنك لا تنكسر، تكاد تطير من الفرح وتنفجر من الحزن، وتهمس حين ترى محباً لك وراحتك في نبض يتزامن مع قدرته على التنفس، وضاق به صدره حتى تأكدت رئتاه من أنك لن تعود إلا لتتزامن مع صمته أمام الجمال وابتسامته للحياة، ولحظة من التنفس لا تنقبض فيها الرئة، بل تقول لك: أنت هنا، معي، وتنطلق منك كل الحياة التي انتظرت عودتك؛ لتنير عروقه، وتقول لعينه: هو النور، وهذه هي الحياة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.