المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عبدالتواب العوام Headshot

إلى ولدي يحيى

تم النشر: تم التحديث:

إليك فقيدي.. المفقود حياً.. لأول مرة سأبوح.

نعم فقيدي وبيني وبينه الخطى.. فقط خطوات قلائل.
يتكلمون عن فقد الموت، ولا يعرفون ألم الفقد للحياة، ألم الفقد بالقدر وحده.
كتب علينا الفرقة.. يا بني وحتى قبل أن تولد، كنت أعلم أنك بمجرد وجودك حياً هنا، في هذه الدنيا سأفقدك، فأنت لست لي، أنت لذلك الأب، لتلك اللعنة التي قذفتك كنواة بداخلي.

جرمك يا صغيري ووحيدي انتماؤك له.
عزيزي يحيى.. ستخبرك أمك التي لم تضمك سوى يومين كيف هي بلاك، ستخبرك أنها تمنت لك الاسم يحيى؛ آملة أن تُحيي قلبها الذي فارقته حياته بفراقك، الاسم الذي تكرر ثلاث مرات، وهي تتلو قرآنها، وأنت تتحرك بداخلها.

ستخبرك ليسجل الزمان هذه، وقت أن يكون وراءها التراب، كما سيخبرونك هم كيف ودعتك وتركت مسؤوليتك كذباً لتتزوج، اطمئن صغيري، فأنا أحيا بالأمل، أمل عودتك.. صدقني.

وأتمنى أن تسامحني لأنني لم أحسن اختيار الأب لك، سيخبرونك عن قسوتي وسيتناسون قسوة غيري، ولكن صغيري لا تصدقهم.

أنا مَن حملت في جوفي عشرة أشهر وثلاثة أيام، ومن تقيأت للشهر التاسع بلا انقطاع، أنا التي إلى الآن لا تقدر على ثني أجزائها ألماً.

لا فقيدي الحي الذي لا يفصلني عنك سوى مسيرة دقائق وأنت أبعد عني بعد السماء الرحبة!

تركتك ولدي.. لذاك الأب الذي لا يستحق قصة أظفر منك، أتدري لمَ؟ للكرامة يا ولدي التي إن فُقدت لا تعود.

يكفيني حبيبي، يكفيني فقدها، أنا التي عشت 28 عاماً أبني فيها بسيرة البنت الريفية الحسنة، البنت التي يعتمد عليها التي تجاهد في الماجستير لتنال لقباً، وشهادة إثر شهادة.

سيخبرونك وأكثر، ولكنهم لن يخبروك يوماً عني، عن دواخلي، عن أشيائك الصغيرة، عن ألمي وأنا أراك مغادراً، أستودعك ربي، عن ألمي حين سمّاك من تحمل اسمه نفاقاً عن اسم جدك لهذا اللعنة!

نعم صغيري.. لعنة، نحن لا نختار آباءنا هكذا قالوا، ولكني للأسف قلت نعم، فأنا أتحمل إثمك كاملاً.

صغيري.. هم لا يرون دمعي وأحزاني إليك، لا يرون اعتذاراتي، ولا يسمعون كلماتي التي أداوم كتابتها إليك.

صغيري.. هم لا يرون أغراضك التي ابتاعها خالك قبل رحيلك، والتي أبيت أن أعطيها لأحد، هي جديدة مطوية في تلك العلبة الصغيرة كما هي جديدة لم تعبقها رائحتك بعد.

لن يخبروك وهم يضعون سدوداً أنك ظللت تتحرك ثلاثة شهور ركلاً، وأمك المجاهدة تذهب للتدريب والسفر، وتخبرك أن تهدأ، مربتة عليك بداخلها، فتسمعها وتتركها للقراءة صباحاً بالمترو، كأنك تعلم أنه لا يجب أن تلهيها عن الدراسة، كمداً في أبيك الذي كان لا يتركها حسداً وغيره وحقداً.

لن يخبروك معاناتها وهي تبكي أثناء الولادة، وترتعد وتقول: سامحني يا يحيى، بمجرد أن وعت صوتك، وتدعو لأصدقائها.

لن يخبروك عن تحاملها على نفسها؛ لتعد لك طعاماً وهي تتحرك كأيقونة ذاهلة تعلم أنك مفارق، لا تستطيع قياماً أو قعوداً، وأنت تبكي وجدتك نائمة بجوارنا لا تسمعك، ولكن أمك تسمعك، وتعد طعامك، وتطعمك بديلاً عن لبنها الذي لم تهبط نقطة منه لك.. حزناً وكمداً.

حزنا وكمداً يا صغيري.. ويقول الطبيب الجراح: ابنتكم نفسياً تحتاج للعلاج، تلكم الكتلة المتحركة المرحة الفتية لكم تموت بداخلها قهراً، من وراء أربعة أشهر زواجاً، لم تفقد فيها كامل عقلها أو روحها، بقي لها منهم أثر.
نفذوا ما تريد، قاطعاً للحوار، باكياً عليها.

لن يخبروك عن ألم المخدر وبكائه وصراخه، لن يخبروك أنها سارت وسارت مسافات لتلد طبيعياً، سارت وحيدة، فهي المثقفة التي تعي مخاطر القيصري ولكنك يا صغيري أبيت إلا أن تترك لأمك الندبة ويكأنك تخاف أن تنساك ولكنها لا تنساك.. لا تنساك بل تنتظرك.

لم يخبروك كم تمنت من يضع يده عليك، ملاحظاً ركلاتك فرحاً بها؛ بل لم يخبروك عما قاست عن التحمل والجلد؛ لأنها رفعت دعوى طلاق للضرر ويكأنها أجرمت جرماً عظيماً!

لن يخبروك عن لمسات ابن خالتك، الذي ينام بأحضانها ويبتسم لها فتحسبه أنت.. وبينكم تسعة أشهر فقط.

لن يخبروك عن أول أسبوع غادرت، ويكأن هناك جنازة لا أحد يتكلم.. جدك.. جدتك.. خالك الكبير والصغير.

نموت كمداً عليك.. ولا منجى من هذا إلا عون الله، ومضيان الزمن.

لن يخبروك عن جدك الحنون، وبكائهم وبكاء أمك على يديه، وهي تخبره أن تحمل يا أبيّ لو أرجعته القضايا والامتهان.
إنهم يا صغيري نووا تعذيبي بك، نووا أن يحرقوا قلب أمك، لا تستغرب فهذا هو الحال هنا، لا فراق يا صغيري بمعروف.

يا صغيري.. يا حبة القلب، يا من سهرت مع أمك تمسك أناملها بأناملك الصغيرة، وأنت مفارق، وتلوي شفتيك تارة وتفتحهما أخرى، تداعبها بهما وهي تبكي وتبكي، ناظراً إليها بعيون الندية.

لم يخبروك أنها شردت في كل تفاصيلك حتى الحسنة التي في ركن جفن عينك اليسرى، ويكأن الله يقول هذه علامتي لك.

يا صغيري.. لك هنا أم في مجتمعك، أم اختارت أحد الأمرين؛ أم تمنت لك يحيى اسماً لتأخذ الكتاب بقوة وتكون عالماً وعليماً، تعرف للعلم معناها، وتكون رحيماً لا تحاكمها.

كلهم يا ولدي يناظرونها ولا يعلمون طول ليلها، يتهمونها بالقسوة، يتعجبون من قوتها ولا يعلمون أن فوق كل ذي علم عليم، بث فيها القوة التي تدعيها وتنهار مع أول لحظة تشتم فيها القطعة الصغيرة التي خلفتها أنت حين رحلت، وأبت أن تمنحها لجدتك للتنظيف لتبقى رائحتك بها عالقة، تتحسسها، تشمها وتنحدر العبرات، ولكنها تتحامل وتستمر.

لا تصدق ما يدعون، لا تصدق ولا تبكِ، فلك أم رؤوم حرمت منها وحرمت منك في مجتمع ظالم.
لك أم يا صغيري.. لك أم.
لن يخبروك عن صورة وحيدة أمتلكها لك التقطتها خالتك، يوم أن جئت للدنيا، لن يخبروك وحفظتها لي.. لأجلي.
لن يخبروك بها وهي تقول لي قبّليه مودعة، واستودعيه، لن يخبروك، وهي تمسك فيك بإحكام لتعطيك لمن لا يستحقك.

لن يخبروك عن كل ما أكتبه لك على موقعي وأخفيه.

استخرت الله شهراً يا ولدي قبل الفراق، واستعنت بأم موسى "لا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليك".
صغيري.. كلنا هنا مشتاقون لك؛ أمك، وجدك، وجدتك، كلنا هنا نتمنى عودتك، وأنا أتنسم صبراً، ستعود يا صغيري، هي فرقة قلب قليلة، ولكن ستعود.

يا صغيري.. ما بداخلي أقوى بكثير، ولن أكفّ عن كتابتي إليك، أحبك وسأحبك، وأنت حبي وأنت فقدي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.