المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة سويلم Headshot

في دايرة الرحلة

تم النشر: تم التحديث:

منذ عامين أو أكثر كُنت أحيا حياة بها من الأمان الكافي ما يسمح لي أن أستمر بها مُتشبثةً بالقدْر الأعلى من الرضا والصبر والأمل، وبالأدنى من السعادة والطمأنينة، حتى حدث ما لم يكُن في الحُسبان من أحداث هزّت كل ما اعتدناه وألِفنا وجوده في حياتنا.

‏"وفي جَنب البلاءات، ذِمةُ الله بريئة"..‏

تحولنا شيئاً فشيئاً إلى ردود أفعال تحيا بها أرواح، لا أرواح تصنع الفعل ورَدّه، وأخَذ هذا الدور يتسع حتى وصل إلى كل أرجاء عالمنا الذي نعرف، حتى في علاقاتنا وإدراكاتنا الإنسانية.

سنوات قليلة شهدتُ بها حولي موت أشخاص كنا نظُنهم خالدين كخلودنا، وانهيار نُظُم وعوالَم ما كُنا نظُنها تهتز يوماً، واندحار أفكار ما كُنا نظُن في خطئها يوماً.. كُنا نشهد ما غلَبه الزمَن منّا وفينا.

وفي غمرة ما كُنا جميعاً نقاوم للحفاظ على ما كان، وما تبقى منه حولنا، رُبما لم أكُن لألتفت أنا إلى تصدُع جدار رَوْحي أيضاً!

نعم.. "الرَوْح"، أو ما تبقى لي منها..

فمن كان منَّا يظُن أن لرَوْحه عليه حقاً أصلاً! في خضم حقوق الأمة والوطن والعائلة والأهل والناس والجيران ثم فيما بعد الزوج والأبناء و.. و..

أما عن رَوْحي.. فكانت قد بلغت حالة من الإنهاك ما لم تحتمل به هزَّات أخرى في عالمها الخاص الآمِن، والذي لم يكن قد مرّ عليه الكثير في تكويني لهُ، ظناً منِّي أنِّي قد أستطيع الاحتماء فيه من كُل ما بي وحولي..

كانت نفسي في حالة إلى الكثير من عمليات الصيانة حتى أستطيع التحقُق من إنسانيتي.
علَّني أُقيم صَرْح روُحي ثانية!

حتى وإن انهار كُل ما حولي أو ما تبقى لي منه.. كُنتُ راضية تماماً بالثمن وما سيكون من شأني في الغيب.
كُنت في حاجة إلي بيئة آمنة أستطيع التصرف فيها بأقصى ما أملك من قدرات وهبات، وبأغلى ما أحمل من نواقص وعيوب.. وبأبخس مميزات وجماليات عرفني بها من حولي، ولم تعرفني نفسي بها يوماً.
وكانت حاجتي الأكبر إلى رفيقٍ صادقٍ أمين ومُستشارٍ خبيرٍ مؤتَمَن.. وكانت هذه هي مِنَحُ الله المجانية لي في "الرحلة"!

لَم أكُن أُدرِك حين بدأتُ رحلتي كُل ما قبل، غير أنى كُنتُ أعلم جيداً أني لم أعُد أشعُر بحقيقة نفسي وجوهر روحى منذ سنين مضت.. وكأني أُشاهد كُل شيء من وراء حُجُب.. حتى المشاعر الإنسانية والأحداث الفارقة الحزينة منها والسعيدة أيضاً.. كُنت أتلَمّسُ نفسي في كُل موضِعٍ تطأُه قدماي ويطأُه قلبي، فلا أجدُنى ولا أجده.. ولا أجِد غير بقايا شعورٍ باهِت من الرِضا والكَفاف، وفي أحيان أُخرى شعور الواجب.

كان عالمي مُكتظاً بالكثير من كُل شيء، بداخلي وبخارجي، حتى إذا أخرجتُ يدي لم أكَد أراها، وإذا تحدث قلبي لم أكَد أسمعه.
كُنت في حاجة إلي بعض الفراغ والفُسحة..

عَلّ أنوار الله تجد طريقها إليّ.. إلى رَوْحي تُضيئها فتضيء من حولها، وإلى قلبي علّني استنطقه فيُجيبني يوماً.

أخذُت وقتي كاملاً في ترتيب عالمي ووحداته ثانية ومصابيحه، كما استعنت على ما ارتضته نفسي من عُزلة بادية لغيري ومجاهرتهم لي بذلك، كُلما تقاطعت طرقنا يوماً، بما كان من حقيقتها في قلبي من وَنَس وصُحبة وسلام.

‏أذكر حينها أني ضحكت كثيراً حين تذكرتُ ما كان يزعجني دوماً من تدخلات البشر في حياتي، وسؤالاتهم عن خصوصياتي، وانزعاجي حين أفكر فيما قد يحمله البعض من أفكارٍ عني في كُل وقتٍ وحال.

كُنْت قد تعَّلمت، في هذه اللحظة، أنِّي حين أصونُ نفسي عن أخبارهم وحكاياهم، فإن أخباري وحكاياي ستُصان عنهم بدورها، كَـ"رَد جمَيل" طبيعي ومنطقي كُنت أجهله تماماً من قبل.
وعلمتُ حينها أن من تمام إنسانيتي أنَّ كُل وقتٍ يحمِل لي حال جديد، وأن حالي المستديم هو تغيرُي وتبدُلي بين الأحوال والأفكار.

وأن في ذلك حُرية نَفْسي ورَوْحي.. بما في ذلك من نُضج وفطرة سوية
أدرُكت حقي في أن أحيا كَـ"إنسانة حُرَّة"..
حُرَّة بالمعني الفطري الجَميل.. حُرية الفِطرة والشعور والتفكير ثم السلوك
أن أكون حُرة في قراراتي وتوجهاتي واختياراتي وعلاقاتي الإنسانية وطبيعتها..
ومع الوقت دوائر اتخاذ قراراتي بدأت في التغُير..
أعطيتُ للحياة فُرصة وسِعة أن تسري فيِّ بشكل طبيعي بكل قوانين وأشكال التغيير فيها.. التغيير فيِّ.. في علاقاتي.. في أفكاري.. في مجتمعاتي.

تعلمتُ أن الخطوة بمفردي ولو بالاتجاه المخالِف، أفضل من أمان وطمأنينة الجمود بين الآلاف.
تعلمتُ أن فكرة القَبول المجتمعي لا تُمثل أبداً أماناً وطمأنينة أو تأشيرة مرور لأحدهم.
آمنتُ أن حياتنا أجمل وأرقى من أن نحيا فيها أياماً متشابهة وبائسة "خوفاً فقط من فقدان أمان زائف ومؤقت!‏".
تعلمتُ أن أي علاقة إنسانية، يُمكن خروجها من حياتي ‏بضغطة زر أو تغيير عنوان أو حتى بتغيير قناعات، هي يقيناً لا يُعوَل عليها ولا يؤمَّن فيها.
تعلمتُ أن علاقة حقيقية في حياتي، واحدة كانت أو أقل من أصابع اليد الواحدة، أجمل وأنقى وأرقى آلاف المرات من حاضنة اجتماعية من ذوي العلاقات المئوية والألفينية.
تعلمتُ أن "الحُب والأمان والثقة والجَمال والنُضج والقَبول والإيمان والمسؤولية".. كُل هذه القيم والمعاني هي "نِعَم".. تأتي من داخلنا نحن!
لن نجدها مهما بحثنا عنها في وجود أحدهم أو بداخل علاقة، أو في أي حواضن اجتماعية أو دينية‎.‎

الأمان بداخلنا نحن!
والإيمان أصلُه فينا! نفحةٌ من الرحمن نفخها فينا مع روحنا.. يزهو حين نزهو ويخبو حين نذبُل!
الجَمال، حقيقيًّا كان أم مزيفاً، هو جزءٌ منّا! مهما حاولنا إخفاءه أو سمحنا لأحدهم أن يطفئ جذوته فينا.. هو كامن في أرواحنا يُضيء لنا حين التباس السُبُل.
القَبول لو لم يكُن منَّا لأنفُسنا أولاً، فلن نجده من أى إنسانٍ/ في أي علاقة كانَت.
أما المسؤولية ففي معايشتها "نِعم".. نعمة معايشة المسؤوليات الحاضرة، وما يورِث المرء حينها من مقام إتيان النعم الغائبة.
‏وكذلك الحُب والثقة.. والنُضُج المتعاظم مع نمو كل هذه القيم بداخلنا‎..

‏"وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ"‏
آمنت أخيراً أننا إذا لم نستطع معايشة كل هذا النُضج والجمال في علاقتنا بذاتنا، فلن نستطيع معايشته بشكل حقيقي مع أي إنسان أو في أى علاقة أبداً.
ولو أن كُل قيمة ملأنا بها أرواحَنا وعايشنا أنوارها جيداً، فستفيض حقاً وصدقاً في كل أرجاء عالمنا الصغير والكبير معاً.

هذه المعاني كانت هي ضماناتي الوحيدة في الرحلة‎.
حتى آمنتُ أن من جمال هذه الرحلة وإعجازها أن ليس بها أى ضمانات.
ما زلت في رحلتي لم أنتهِ بعد، وما أظنني أنتهي.. وما أظن غاية الرحلة في الوصول وإنما في أنوار الطريق.

"مسؤولية الطريق نعمة، وتكاليفهُ نعمة.. ورِزْق أيضاً"!‏

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.