المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة شهيد  Headshot

أن تتحدث الموسيقى في الحرب

تم النشر: تم التحديث:

منذ ما يقارب الخمس سنوات قرأت كتاب الموسيقى لجبران خليل جبران، وهو باكورة أعماله، أعترف أني في ذلك الوقت لم أعطِ الكتاب حقه لا من حيث التقييم ولا من حيث الاهتمام، ربما لأني لم أكن قد وصلت بعد إلى مرحلة الجفاف الروحي، تلك التي تبقينا متعطشين أبداً إلى ما يسقي أرواحنا بشيء من نفحات الحياة الصادقة.

لعلك قد سمعت أن الموسيقى غذاء الروح، وأنا أقول لك بأنها ليست غذاء الروح بل هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تبقي على أرواحنا حية، متيقظة وقادرة على أن تقف في وجه هشاشة العالم وزيفه، وهي الوحيدة القادرة على أن تحمي ذواتنا من الاندثار.

في الحرب نفقد ذواتنا، ونفقد قيمتنا كبشر، نفقد كلماتنا وأبجديتنا وقدرتنا على الكلام، نفقد كل صلة لنا مع الحياة وسنحاول عبثاً أن نبحث عن لغة أخرى نتواصل بها بعيداً عن الحقد، نبحث عن لغة توصلنا مباشرة إلى جوهر النفس البشرية بعيداً عن القشور المزيفة ولن نجد أسمى من الموسيقى لغة.

"الموسيقى هي لغة النفوس" يقول جبران؛ حيث "وجد الإنسان فأوحيت إليه الموسيقى من العلاء لغة، ليست كاللغات، تحكي ما يكنّه القلب للقلب، فهي حديث القلوب".

في حضرتها ستشعر بمزيج من الأفكار والأحاسيس التي لا تدري لها تصنيف ولا تدري حتى كيف توافقت معاً في لحظة واحدة، ستوازن لك بين العقل والروح "فهي جسم من الحُشاشة، له روح من النفس وعقل من القلب".

بدأت منذ سنوات ككل البدايات مع carmina burana والقطعة الأولى O fortuna آلهة القدر، تلك القصائد التي تعود إلى القرن الثالث عشر؛ لأنتقل بعدها إلى بيتهوفن وسيمفونياته التسع لتكون بدايتي مع الموسيقى الكلاسيكية.

أما اليوم فعندما يداعب قلبي شيء من الحياة أو الأمل تراني أستمع إلى Funiculi Funicula للإيطالي Luciano Pavarotti، كنت أستمتع حقاً بفكرة أني أستمع من قلب إحدى المدن المنكوبة إلى أحد أروع الموسيقيين ومن إيطاليا أروع البلدان في نظري.

وعندما تألمت لفقد أو لخيبة ما، بكيت وبكيت وحينها كنت أستمع إلى Odd Days (Giorni Dispari) للعازف الإيطالي أيضاً Ludovico Einaudi، لن أنسى ذلك اليوم أبداً، كنت جالسة بلا كهرباء -حيث لم نكن قد لجأنا في ذلك الوقت إلى الوسائل البديلة- أنتظر بفارغ الصبر قوائم الشهداء في أحد التفجيرات، وكنت أعيد سماع الموسيقى ذاتها إلى اللانهاية.

ولأن "الموسيقى كالمصباح، تطرد ظلمة النفس، وتنير القلب، فتظهر أعماقه"، فإني حين شكوت وحدة قلبي وانعدام الحب وسط ظلمة الحرب لم يكن لي سوى فاغنر ومقطوعته Der Traum an die Sommernacht (حلم ليلة صيف) لأعود بها إلى أكثر الفترات الزمنية قرباً إلى قلبي، تلك الفترة التي كانت عابقة بالفلسفة والحب والعبث.

هناك تلك الموسيقى التي تشعرك بنوع من العظمة، وكأنها الكهرباء تسري في عروقك، ستؤكد لك أن المجد كل المجد للإنسان ذلك الذي بسط عظمته عن طريق قطعة موسيقية تصل إلى قلبك من غير عائق. وبالنسبة لي لم يكن هناك أفضل من فرانز ليست في الحركة الأولى من كونشيرتو البيانو "Allegro Maestoso" لأدرك أن الإبداع البشري هو أعظم مما نتصور.

الموسيقى هي الباب الذي يخرجك من عالمك ويحلق بك عبر الأزمان، فحين رقصت على ألحان الفالس الثاني لديمتري شوستاكوفيتش كشابة تنتمي إلى عائلة مرموقة في القرن الماضي، كنت قد أتممت اليوم الخامس بدون استحمام بسبب انقطاع المياه.

لن أنسى أيضاً La Marche de Radetzky لشتراوس، أو Requiem لموزارت حينما كنت أجاهد لأرفع صوت الموسيقى أعلى من صوت القذائف.

وأثناء جولاتي في أحياء المدينة كنت أستمع إلى مختلف أنواع الموسيقى الشعبية، بدءاً من الأرجنتين، موزمبيق، نامبيا.. وصولاً إلى الموسيقى الأمازيغية وحتى الغجرية، فالموسيقى "كالحب عمَّ تأثيرها الناس" فتراها موحدة بين الشعوب في تأثيرها على اختلاف ألحانها وأنواعها.

وحين أردت أن أسلّي نفسي ببعض الموسيقى المرحة أستمع إلى موسيقى رأس السنة الصينية، وأحياناً كنت ألجأ لبعض الأغاني الكورية، فدائماً كان هناك ما يجعلني أشعر بأن عازفيها يبتسمون مع آلاتهم الموسيقية للأبد.

هناك في رأسي قاموس للأحداث التي شهدتها مع ما يرافقها من الموسيقى التي كانت حاضرة معي في كل وقت وفي كل مناسبة. لن أسرد لكم هنا بالطبع كل الموسيقى التي أستمع إليها عادة، ولكني أحاول فقط أن أسرد بعضاً من عزاءات الروح، يقال بأن رنات أوتار "أورفيوس" حرّكت قلب الحيوان والجماد، فما بالك بقلب الإنسان؟!

لم يكن عبثاً ذلك الذي أوحى للأمم من قبلنا بأن تجعل للموسيقى آلهة للعبادة، المصريون القدامى، الكلدانيون، الآشوريون، الهنود، الفرس، اليونان وحتى الرومان الذين رأوا أن رنات أوتار "أبولون"، إله الموسيقى لديهم، هي صدى صوت الطبيعة، جميعهم اكتشفوا منذ آلاف السنين أن الموسيقى هي لغة، أسلوب حياة، جميعهم أدركوا أن الموسيقى بالنسبة لنا هي بمثابة إشعار يعلمنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة.

أكتب كلماتي الأخيرة هذه بخجل، وأنا أعيد قراءة ما كتبت؛ لأنني أدركت حقاً أنه ليس هناك أفضل من جبران قادر على أن يعبّر لنا عن تفاصيل شعورنا بالموسيقى بذلك الأسلوب الذي يفيض جمالاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.