المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة حاتم رشيد Headshot

هي مسألة اعتياد.. ليس إلَّا!

تم النشر: تم التحديث:

ما معنى أن تعتاد شيئاً؟ أن تموت فيك الدهشةُ لشيءٍ ما لأنك اعتدتَ فعلَه، أو أن تسيء فهم الأشياء فتظن أنك قد شفيت، بينما المرض أصبح جليسك، أن تخاف الظلام وأنت غافل عن أنك لو عشت منذ البداية فيه لأخافك الضوء، أن تظن أنك تعلَّقت بينما أنت اعتدت الأماكن، اللحن، أو ربما شخصاً ما.

تجلس على مقعدك في الحافلة في الصف الثاني من جهة اليسار، ويقابلك يميناً شخص آخر تراه في كلِّ صباحٍ كعصفور نافذتك الذي اعتدت أن تسمع زقزقته دوماً، تراه في كل صباحٍ لدرجة أنَّ رؤيته أصبحت جزءاً من يومك.

تأخَّر في اليوم الثامن، ظننته لن يأتي، تقلَّبت ملامحك وطمأنينتك صيّرت نفسها إلى قلقٍ، هُزِلت أطرافك وحزن القلب.

أتى ذاك المتأخر فتجد روحك انتفضت بقوة، وبدأ قلبك يبحث عن أجنحة بيضاء ليطير، قف قبل أن تجد تلك الأجنحة، لِمَ كل هذا؟! أنت اعتدت رؤيته فقط، اعتدت قدومه في كل صباح ليملأ فراغ حافلة وليس قلبك، اعتدت وجوده وهذا كل ما حدث.

قد تمسي يوماً ما على صوت مواء قطة صغيرة، فتفتح لها باب بيتك ورحمتك، تقدِّم لها ما يطفئ ظمأها، تلمع عيناها فيهدأ قلبك، وإذ بها تمسي في اليوم التالي وتستلين رحمتك مرة أخرى بمواءٍ مصطنع، أتظنّ أن الجوع أنهكها؟ هل تصدِّق أنها ما عادت تحتمل ليالي طويلة جالت بها من شارع إلى آخر، وقد تجد طعامها مرتين في أسبوع؟ هي فقط اعتادت رؤية أصابع يديك تقترب صوبها بشيء يسعدها.

ألم ترَ يوماً قلب أبٍ فاقد لفلذات أكباده بحربٍ لا يرحم؟ يجلس على عتبة منزله الحزين ويضحك بابتسامة عميقة مع جاره الذي لم يتبق لديه سوى قلب ذاك الأب، يصلِّيان بقوة، يسيران معاً إلى السوق، أتظنهما لا يتذكران ما فَقَدا؟ أتظنُّ أن هناك ولداً قد يهون على أبيه؟

الأمر ليس كذلك، إن أمعنت النظر فيهما تجد ما فقداه يتربع في أعينهما لكنهما اعتادا الغياب، وكم اعتدنا نحن أيضاً الغياب.

لكن حذارِ يا صديقي أن تبرِّر روتين بعض أفعالك بالاعتياد، وعوِّد قلبك على الكثير، نحن نتغاضى، ليس قلة بصيرة وإنِّما هو اعتياد، قد نبتسم ليس فائض أمل وإنّما اعتدنا أن ما بعد الضيق إلا الفرج، هي مسألة اعتياد وليس إلَّا!.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.