المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة فوزي أحمد   Headshot

عزيزي المتوفى !

تم النشر: تم التحديث:

"أن تموت" هو أمر مخيف لدى البعض أو لدى غالبيتنا، خاصة وأننا لا نعلم المجهول أو مصائر أعمالنا عند خالقنا لكن "أن تموت" في مصر أو في أي دولة عربية أمر مختلف وأكثر تخويفاً.

المرعب في الوفاة على أرض عربية أمور عدة، ربما تمعن النظر معي في تلك الأمور ليصبح الأمر أكثر رعباً.

فإن متَّ في مظاهرة سلمية أو شبه سلمية أو غير سلمية إطلاقاً سوف يبدأ تجار مواقع التواصل الاجتماعي من محبي تجميع likes والتعليقات في الرجوع لـ"بوستاتك أو منشوراتك القديمة"؛ ليُظِهر أحدهم أنك تابع للطرف الفلان أو الفلاني، ويبدأ مسلسل تخوينك واتهامك بالعمالة أو مسرحية "أنت شهيد وفي الجنة وبالتأكيد سوف نأتي بحقك وللمفاجآة لن يأتي هذا الحق".

سوف تجد صفحات فيسبوك تتبارى في أخذ صورك ونشرها تحت كلمات وشعارات رنانة لحصد اللايكات لا أكثر ولا أقل.. سوف تجد المتعاطفين الذين يدعون لك بالرحمة دون أن يعرفونك.. سوف تجد من يعمل الشير واللايك والكومنت "التعليق" ويكتب بحرقة قلب ويذرف الدموع الافتراضية عليك وبمرور الوقت سوف تجد أن من جُرح بحق هم أهلك فحسب!

سوف يضعون لك شريطة سوداء على صور بروفايلاتهم المبجلة.. سوف يتفنن نجوم العالم الافتراضي في كتابة بعض "الاستاتيوهات الفنية statuses"، ويصبح اسمك هاشتاغ معروفاً، والطريف أن أثناء حياتك لم يعرفك سوى عائلتك وحفنة من الأصدقاء، أما بعد الوفاة سوف يجعل البعض منك بطلاً قوميًّا وملاكاً لا يخطئ، وفي المقابل سوف يحولَك البعض الآخر لشيطان رجيم، في كل الأحوال تصبح نجماً شهيراً بعد الوفاة!

سوف ترى يا عزيزى المُتوفى السباب القبيح والشتائم النابية وأقذع الألفاظ التي لم يسبق أن رأيتها في حياتك الدنيا في الحروب "الفيسبوكاوية والتويترية" بين مؤيديك ومعارضيك فيما يخص ملابسات وظروف وتداعيات كارثة وفاتك، فالبعض يدافع عنك والآخر يهاجمك ولا يكتفون بأنك غادرت عالمهم والغريب أن من يدافعون عنك أو يهاجمونك لا يعرفونك من الأساس ولكن نزعة إثبات "أنا وحدي على صواب" في العالم الافتراضي قد أكلت عقولهم!

تستمر تلك المأساة يومين على أقصى تقدير ثم ينسونك، نظراً لوفاة عضو جديد فتُعاد الكرّة وتبدأ الشريطة السوداء والقصائد الحامية حول إهدار حقوقك الآدمية وهلم جرا، فكما قالها شيخ الحكائين نجيب محفوظ ستظل: "آفة حارتنا النسيان".

وإن متَّ في كارثة إنسانية أو حرب ضارية أو نتيجة قنبلة؛ ستصبح مادة ثرية لوسائل الإعلام التي سوف تتاجر بدمك وسوف تستضيف أسرتك الكريمة لتستجدي المشاهدين لمتابعة القناة، وليس لأن حياتك مهمة، سوف تبدأ القناة في انتهاك حرمة جسدك وستعرض صورك مقتولاً على موسيقى حزينة وبضع كلمات أَسَفٍ من قبل المذيع الرشيق، وأهلك لا حول لهم ولا قوة سوى الظهور في تلك البرامج آملين في القصاص أو العدالة التي لن تتحقق أيضاً!

سوف تجد الدول الكبرى تتحرك بدعوى أنها تريد منع وقوع المزيد من القتلى والضحايا، وفي حقيقة الأمر إنهم لا يتحركون ولكنهم يدخلون غرفاً مغلقة ليعتقد العالم أنهم يحلون الأزمات، والحقيقة أنهم يزيدون الأزمات تعقيداً "لأن اللي عايز يحل كان حل من بدري ولك في قضية الصراع العربي الإسرائيلي وأزمة سوريا مثلا وعِبرة".

سوف تجد في موتك ثمناً ليتاجر به الآخرون، بينما لن يجد أهلك مقابلاً لفقدانك ولا تعويضاً سوى حسرات يومية لن تستمر وسائل الإعلام في إظهارها، نظراً لأجندتها المكتظة بقصص الموتى الجدد ولن يذكرك نجوم فيسبوك مطولاً لأن ذاكرتهم وقتية مرتبطة بالضحايا الجدد أيضاً.

وإن مت في حادثة قطار أو سيارة أو بسبب بالوعة أو عاصفة ترابية حتى؛ سوف تجد من يسب ويلعن في النظام وفي عدم كياسة النظام وفي عدم النظام في التعامل مع الضحايا وسوف تجد آخرين يقولون "إن هذا ليس خطأ النظام ولا دية لك ولكنه القضاء والقدر والنظام سرَع الأمر قليلاً"، وعلى كل لا تقلق يا عزيزي المتوفى سوف يعوضون أهلك بحفنة جنيهات!

وإن كنتَ فناناً شهيراً أو شخصية عامة في أي مجال سوف تجد الصحفيين والإعلاميين يتهافتون لتصوير عملية دفنك وحمل تابوتك أو نعشك وكأنهم يتسابقون لأخذ "سيلفي المتوفى!" دون احترام لتلك اللحظة المقدسة ودون إعطاء أسرتك الفرصة الأخيرة لتوديعك في اغتصاب صريح لقدسية الموت!

وإن متَّ نفسيًّا قبل أن تموت جسديًّا في عالمنا العربي فكم أنت سيئ الحظ، لأنك تواجه أقسى أنواع الموت؛ فلن تجد للحياة طعماً، ولن تجد لعملك مردوداً، ولن تقوى على أن تبدع في أي شيء، وإذا سألوك الناس: عما بك؟ لن تجد ردًّا ولن تقوى على الكلام! فما فائدة الكلام، وأنت تعلم أنه لن يحل الأزمة؟ وما فائدة الشكوى مع من صُمَّت آذانهم؟

وإن مُت موتة طبيعية لا حوادث بها ولا كوارث فاسجد لله شكراً، فكم أنت محظوظ نسبيًّا، خاصة وأن هذا الموت الطبيعي بات نادراً في عالمنا العربي.

المؤسف يا عزيزي المُتوفى أن قدسية الموت في عالمي قد انتهت.. ففي عالمنا لم يعد للخصوصية مكان.. وأبشر لعلك ذهبت لمكان أكثر هدوءاً وتركتنا للثرثرة التي تملأ عالمنا المزري.

في مطلق الأحوال؛ أدعو الله يوميًّا أن يتوفاني وفاة طبيعية، وأن يجعل الناس تنشغل وتجتهد في الدعاء لي بعد موتي بدلاً من انشغالهم بكيفية موتي وبماضيَِّ وبحسابي الشخصي على مواقع "التناحر والردح الاجتماعي"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.