المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة فوزي أحمد   Headshot

سكوت هنصور

تم النشر: تم التحديث:

تنبيه : هذا المقال غير نقدي غير موضوعي وغير محايد ..وسواء اتفقتم معي في الرأي أو لم تتفقوا فالفن أولا وأخيرا وجهات نظر تعكس فكر مقدميها وتُفسر وفقا لأهواء جمهورها وثقافتهم ومداركهم..

في البداية اتحداكم جميعا أن تتذكروا أي حلقة من أي مسلسل شاهدتموه رمضان الماضي أو حتى تتذكروا أي مسلسل يعرض حاليا ؛ فجميعنا ننشغل بهموم الحياة وننسى تلك المسلسلات وننتظر رمضان القادم لنتلقى جرعة درامية أخرى.. الغريب أننا لم ننس (عائلة ونيس أو ليالي الحلمية أو زيزينيا أو مسلسل أوراق مصرية أو مسلسل الليل وآخره أو الضوء الشارد) أو غيرها من روائع الدراما المصرية التي خلدت وسوف تخلد وسوف نترحم على أصحابها لأننا حاليا نرى إخراجا بلا سيناريو ودراما بلا طعم وقصة بلا لون أو طابع مميز..

أغلب مسلسلاتنا الدرامية المصرية قد تبهرك إخراجيا " شغل فنادق يعني " فمخرجو السينما قد هجروا الفن السابع لأنه لم يعد " يأكل عيش " وارتموا في أحضان منتجي الدراما التليفزيونية المدفوعين من المعلنين ؛ فبات لدينا مسلسلات متميزة إخراجيا وتمثيليا وتصويريا بينما جاء ذلك على حساب الحبكة والقصة والسيناريو والذي في أغلبه عبارة عن مباراة بين الممثلات في الملابس وفي الاستعراض المبالغ به في شرب السجائر والبيرة والذي منه، أضف عليه بضعة كلمات بذيئة وإيحاءات جنسية ومجموعة نقاد يخرجون لنا ليخبرونا بأن ذلك هو واقعكم ولغتكم وألفاظكم وأنتم أيها المشاهدون من تدسون رأسكم بالثرى !

بالطبع هو واقعنا ولكن أين الفن في دراما تُصوَر الواقع فوتوغرافيا كما هو دون أن تضفي عليه رطوش أكثر تميزا ؟؟ ألم يدرسوا ويفهموا الفروق بين المدرسة الطبيعية في الدراما والمدرسة الواقعية؟؟ أشك في ذلك فهم " ليسوا دراماتورجية بقدر ما هم ترزجية بيطرزوا المسلسل ويفصلوه 30 حلقة علشان رمضان أو لغيره واقلب يا مخرج ويا كاميرا مان ! "

بالطبع ليس هنالك عمل فني متكامل ولا نستطيع أن نجزم بوجود عمل درامي عالمي استطاع أن يحصل على عشرة كاملة ولكن هناك عمل فني راقِ يستحق المشاهدة ولكني لا أجده حاليا في دراما الإعلانات في الموسم الرمضاني أو في غيره حتى إن التخلف حدا بواضعي السياسات الإعلامية إلى تجميع كافة المسلسلات في رمضان بدعوى كثافة المشاهدة !! ألم تخبرهم إدارة الإنتاج والتسويق بأننا نمتلك التليفزيون طول العام ؟!

ألم يخبروهم بأن يقوموا بتوزيع المسلسلات على مدار فصول السنة الأربع مثلما تفعل أوروبا وأمريكا ؟؟ ألم يخبروهم بأن المنتجين إن خشوا انخفاض كثافة المشاهدة لمسلسلاتهم المعروضة في غير دورة رمضان يمكنهم عرض حلقة أسبوعية من كل مسلسل وبالتالي يصبح لدينا 7 حلقات لسبع مسلسلات مختلفة كل أسبوع بما يُشوِق المشاهد وبما يضمن انتظاره للحلقة القادمة بدلا من عدم استطاعته مشاهدة الحلقات يوميا لظروف العمل أو غير ذلك؟؟

وحتى لا تنعتوني بالمفترية الظالمة لا أنكر أن هناك لمسات جمالية في كل مسلسل مصري حالي ولكن هذه اللمسات غير كافية للانبهار الكلي به لكنها كفيلة بأن تُشعرِك بأن هناك بصيص أمل ومحاولات لإنقاذ ما تبقى من الدراما المصرية.

ولكن الكارثة الحالية تكمن في أن الدراما التي نراها لم تعد تشبهنا .. لم تعد تعبر عنَا ..فهي إما تتناول قضايا الكادحين ومن هم تحت خط الفقر فتنقل لنا ثقافة العشوائيات والانهيار والدمار والسوداوية الفجة أو تعكس عالم الرفاهية وتعبر عن الأثرياء والرأسماليين ولا عزاء للطبقة المتوسطة في الدراما الآن وربما يكون ذلك اتجاه عام لقتل الطبقة المتوسطة دراميا وواقعيا عبر الأحوال المعيشية الصعبة التي نحيا في ظلها حاليا وغلاء الأسعار..

الدراما في أي دولة يُفترض بها - كما درست - أن تعكس أحوال الدولة ونظامها السائد وهذا الأمر قاعدة محفوظة ولكني أرى في درامياتنا مجتمعا آخر لا يشبهنا بل يحاول أن يجعلنا مثله .. مجتمعا يجذبه الجنس والنساء والمال والتفرقة العنصرية والقضاء على الأضعف ماديا أو نفسيا أو جسمانيا.. مجتمع لا يصلح لبشر بل لحيوانات في غابة وقد تترفع الحيوانات عنها !

مجتمع اعتاد مؤلفوه بكل سطحية أن يقدموا لنا النماذج الرديئة في أدوار البطولة حتى إذا وجدنا شخصية درامية شريفة وجيدة بتنا نعتقد يقينا بأنها سوف تقتل أحدهم أو تسرق أو تفعل السوء والفحشاء ؛ لأننا لم نعد نؤمن بالخير أو الطهر أو الشرف في أي إنسان ، أصبحت الشخصيات الشريرة تستهوينا وأصبحنا نصف الشخصيات الطيبة بالسذاجة والبلاهة والغباء ، الغريب والطريف أن الدراما العالمية تقدم الأخيار والأشرار بصورة متوازنة فهى قد تُظهر لك الشرير الذي قد يكون لديه محاسن وصفات طيبة كما تُظهر لك الأخيار وهم يقترفون الآثام.

تلك هى الدراما الإنسانية الحقيقية فنحن هكذا لسنا بملائكة أو شياطين ولكن في دراما العرب والمصريين لابد أن يكون الأسود حالك السواد والأبيض ناصع البياض والطآمة الكبرى هى غياب الأبيض وطغيان الأسود لدرجة جعلتنا نعتقد أن مجتمعنا خلا من الأخيار مثلما خلت الدراما من الأخيار وأمتلأت بالظلمة الفجرة لنتوهم بأن هذا هو الواقع المرير..

وإذا كان ذلك بالفعل مجتمعي - كما يدَعي صناع الدراما المصرية - فأنا لم أعد آراه على حقيقته فاعذروا بصري وبصيرتي وأعطوني تأشيرة وتذكرة لأي دولة تحترم الإنسان وتقدس آدميته ..