المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة فوزي أحمد   Headshot

الجنون والعبقرية

تم النشر: تم التحديث:

من إحدى المقولات التي أعجبت بها مؤخراً، مقولة الشاعر والفيلسوف جبران خليل جبران التي تُخبرنا بأن "بين الجنون والعبقرية خطاً رفيعاً أرفع من نسيج العنكبوت" فيا لَه من قول عتيد!

كم تمنيت كثيراً أن أكتب مقالاً عن الجنون، ولا أقصد بالجنون هنا الذهان أو الحالة العقلية المريضة؛ بل ما أعنيه بالجنون هنا هو الشغف والعواطف الجياشة والإحساس المفرط الزائد عن الحد الطبيعي، الذي يدفع الإنسان إلى أن ينفرد بحالة نفسية خاصة تُخرجه من بوتقة الحالة الطبيعية، فتغوص به في عوالم خيالية يختلقها هذا الشخص، ويصنع حكايتها، ويحيك ملامحها.

وعلى أية حال فما أنا بصدد كتابته الآن موضوع جدلي ومثار للنقاش، قد يتفق معه البعض أو قد يختلف معه البعض الآخر، وعلى أية حال فإنني أحترم كافة وجهات النظر والآراء إزاء السطور القادمة، ولا أعترض على أي منظور للتعامل مع هذا الموضوع.

ومن منظوري الخاص أرى أننا جميعاً "مجانين"، فكم تأتي علينا أوقات نرى فيها أنفسنا على غير حالتها الطبيعية، ونصف هذا بأنه حالة مزاجية، إلا أن تلك الحالة -يا أصدقائي- هي حالة الشغف الخاصة التي أحدثكم عنها، والتي تتولد لدينا فتجعلنا أكثر حساسية تجاه مَن حولنا أو أكثر عصبية أو أكثر حدة، أو تجعلنا نضحك بصورة هستيرية، أو نبكي وننتحب بصورة مأساوية، أو تجعلنا أكثر نشاطاً، أو تدفعنا إلى التفكير وتخيل أمور غير واقعية، لكنها تظل أموراً نتمنى تحقيقها (أليست هذه أعراض الجنون؟! فمن المعروف أن الشخص المصاب بالجنون يقوم أطباء علم النفس في أغلب الأحيان بتشخيص حالته على أنها نشاط زائد في أحد أجزاء المخ، ناتج عن حالة عصبية أو صدمة نفسية تجعله يتجرد من حياته الواقعية؛ ليبدأ حياة أخرى خاصة به).

إذا لم تكن مجنوناً فأنت ميت وغير متجاوب مع أحداث الحياة الحلوة والمرة هكذا أرى الأمر، فلا بد أن يأتي علينا يوم نشعر فيه بالشغف والنشاط والحيوية، نشعر فيه بأننا نستطيع فعل أمور لم نكن لنستطيع فعلها في حالتنا الطبيعية.

إنني على يقين بأن معظم العباقرة جاءتهم تلك اللحظات الجنونية التي دفعتهم إلى الابتكار والإبداع والتخلي عن النظرة القاصرة للأمور والتخيل إلى حد يصفه مدَّعو العقلانية بالجنون والهرطقة وتضليل الناس.

فالعبقرية وليدة الجنون، وكأن الجنون بمثابة الحافز للعبقرية والتفرد، فكم عوقب الناس على تلك اللحظات الجنونية التي هي في أصلها بداية للإبداع ونقطة انطلاق لآفاق رحبة لا تعيها العقول القاصرة.

لقد وصل هؤلاء العباقرة إلى حد التجرد من النظرة الواقعية الملموسة والوصول إلى أبعد ما تراه العين حينما تخيلوا أن نظرياتهم ومخترعاتهم سوف ترتقي بحياة الإنسان في المستقبل، وسبقوا عصرهم بأفكارهم، فكانت العاقبة من جانب مدَّعي العقلانية أنهم وصفوهم بأنهم "مهرطقون ومهرتلون ومضللون وخارجون عن قواعد المجتمع، ونُظر إليهم على أنهم مجانين أو غرباء الأطوار، وقد وصل الأمر إلى إعدام بعضهم، والأمثلة على ذلك لا حصر لها: ففي عهد الإغريق تم إعدام سقراط الفيلسوف العظيم، وفي إيطاليا تم إعدام غاليليو غاليلي؛ لأنه ثار على معتقدات خاطئة، ورفض الفكر الأرسطي الذي يقول بأن الأرض مركز الكون، وبالنسبة لمن نعتوهم بغرباء الأطوار فلا تحاول حصرهم، فمنهم أديسون، وهايجنز، وماجلان، وماركوني، وأينشتاين، وكوبرنيكوس، والعديد من الفلاسفة والفنانين والمخترعين والمكتشفين.

هكذا كانت النظرة الشاذة للعباقرة وإقناع الناس بأنهم مجانين! مع أن هذا الجنون الذي حلَّ بهم هو حالة فريدة وذات خصوصية جعلتهم يفوقون غيرهم من مدَّعي العقلانية ذكاء وابتكاراً وإبداعاً.

أعزائي القراء.. لقد توصلت من خلال رؤيتي الخاصة إلى الفارق الجوهري بين المجنون (الذي نحن عليه) وبين الذهاني (وهو فاقد الصحة العقلية).
إننا جميعاً -كما قلت سابقاً - مجانين؛ لأن حالة الجنون أو الشغف الزائد التي تأتينا لا تستمر مطولاً، كما أننا نستطيع التحكم بها، أي نتمكن من تحقيق التوازن بين الحالة النفسية الطبيعية وبين تلك الحالة من الأحاسيس والمشاعر والأفكار المفرطة، التي تفوق ما نعايشه من واقع (بمعنى أننا مزيج من الاثنتين، ولا تتغلب إحدى الحالتين على الحالة الأخرى مطلقاً).

أما الذهانية فهي أمر آخر، تمثل شخصاً أصيب بتلك الحالة الجنونية لكنه لم يستطِع الموازنة بينها وبين حالته الطبيعية؛، وبالتالي تغلبت تلك الحالة الجنونية على نظيرتها الطبيعية، وسيطرت على عقله وكيانه، وأصبح في حالة نشاط دائم وتخيلات لا يستطيع السيطرة عليها، فجعلته يصنع عالماً آخر مغايراً تماماً لما يحيا به، وأصبح أسيراً لهذا العالم، ولم يتمكن من المغادرة.

ولذا نحن لسنا ذهانيين، ولكننا مصابون بالجنون، وإذا لم تصَب بتلك الحالة في يوم من الأيام، أظن أنك لا تحيا في هذه الحياة، ولا تتفاعل مع لحظاتها فرحاً وحزناً شقاء وسعادة، وإذا استحييت من أن تقول إنني مجنون بطريقة أو بأخرى، فاعلم أنك لست صريحاً مع نفسك.

قل عليها ما تشاء.. لحظة تجلٍّ، أحلام يقظة، حالة خاصة، حالة مزاجية. ولكنني سوف أظل أقول عليها إلى أبد الدهر إنها جنون وشغف، سَمّوها ما تشاءون، ولكنها حالة جنون، وسوف أظل على موقفي حتى لو كنتُ آخر المجانين على الأرض.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.