المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة فوزي أحمد   Headshot

عزيزي سانتا

تم النشر: تم التحديث:

عزيزي سانتا.. تحية طيبة
وينعاد عليك وعلى أولادك وعنزاتك في القطب الشمالي.
أتمنى ألا تكون مصاباً بزكام أو نزلة شعبية حادة؛ نظراً للبرد القارس الذي اجتاح القارات.
لا أعلم حقاً من أين أبدأ يا نويل يا أخويا.. إن مررت على وطننا العربي بطريقك، سوف تجد العديد من الأمنيات غير المحققة، سوف تجد شام الياسمين قد أصبح شام الرماد، هناك صراعات متلاحقات، وأعمال إرهابية من صنيعة أنظمة داخلية لإلهاء الرأي العام أو من صنيعة أمك أميركا!

دول قزمية تستفيق ودول عظمى تسقط، تشتت أبناء الأوطان ما بين لاجئ ومهاجر وكاره لعيشته بوطنه الذي لم يعد يشبه أهله، إن حاولت النزول عبر مدخنة أي بيت لن تجد البيت نفسه!

سانتا.. نحن في مصر، على سبيل المثال، في أسوأ حالة رغم أننا أفضل من سوريا والعراق -كما يدَّعون- فإنني أشعر بغصة.. غصة موجات الغلاء التي ليس لها رقيب ولا حسيب، الأعمال الإرهابية التي تحدث على حين غِرَّة، الأزمات الاقتصادية التي عصفت بنا وبجنيهنا في مقابل الأخضر.. تخيل يا عزيزي يمكنك أن تأتي بألف دولار أو أقل وتعيش ملكاً في مصر طيلة أسبوعين وفي أرقى فنادق المعمورة!

في الغرب يا سانتا يكبر الصغار ويجوبون الدنيا، يسافرون ويجربون ويعيشون حياتهم، هنا يا عزيزي تُدفن الأمنيات والطموحات.. لا يجد الشباب مثلي مبلغاً ملائماً للسفر خارج الجمهورية حتى في الـ"باكدج السياحي".

إعلامنا العام والخاص يصيبنا بالغثيان، ويذكرنا بما نحن به من آلام، فلا نجد عزاء سوى في "آراب أيدول والست أحلام!

تخيَّل يا عزيزي إن أردنا أن نهرب من واقعنا المزري ونأخذ قسطاً من الراحة والغناء نشاهد أحلام!
الحقيقة يا سانتا إن أخذت جولة سريعة بشوارعنا لربما خرجت من غير حقيبة ظهرك المستديرة، ولربما اتهموك بالتحرش بالأطفال عند توزيع الحلوى، ولربما قبضوا عليك "اشتباه" في كمين بسبب لحيتك البيضاء.

عزيزي سانتا.. لو ركبت أي حافلة أو أي وسيلة أو حتى ركبت المترو، وأنصحك ألا تفعل كيلا تصاب بنزلة شعبية حقيقية واختناق حاد وتيبس بالعضلات، المهم لو ركبته لصعبت عليك أحوال الناس يشكون ويحكون ومن الغلاء يبكون.. يضربون أخماساً في أسداس، ومع هذا حينما يسمعون الأغاني الوطنية تجدهم ينسون شكواهم مؤقتاً كما لو كانوا مُخدَّرين بحب الوطن.. مستفيقين على واقعه الأليم.

لو جئتَ يا سانتا لوجدت كل شخص يعمل في "شغلانتين تلاتة"، والباقي عاطلين بلا فخر.. مرتباتنا لا تكفي معيشتنا.. تخيل أن كل الشباب أو الفتيات يفكرون حالياً ألف مرة قبل الزواج حتى لا يظلموا أبناء الجيل القادم!

الأطفال يا سانتا.. أحبابك الصغار مصروفهم لا يكفيهم في مصر، فكل الحلوى والأطعمة المستوردة قد نالت نصيبها من الغلاء، لو افترضنا أنه على أيامي السعيدة الجنيه والخمسة جنيه كانوا "حاجة شبرقة وفخيمة"، الطفل الآن على الأقل لا بدَّ أن يأخذ 20 جنيهاً، أي دولار بمقياسك، عشان يبقى مستريح في يومه! تخيل إن حلوى الأطفال يطلقون عليها "سلع استفزازية"، إنهم يستفزوننا وأطفالنا ويرجعوا يقولوا "سلع استفزازية بتاعتك أنت".

أما أطفال الدول المنكوبة بسوريا والعراق واليمن فلا يتذوقون سوى مُرّ الحياة!
سانتا.. إن الناس في مجتمعي يعيشون على أمل أن ينصلح الحال كل عام، والحقيقة كل سنة تأتي بما لا تشتهيه السفن، لدرجة إن أمل نفسها يئست!

سانتا.. إننا لا نحتاج لشخصيات أسطورية مثلك تحقق لنا ما نتمنى.. الحقيقة أننا نحتاج معجزات حقيقية نفسية ومادية تدفع الناس دفعاً للعمل فيما يسمى عجلة الإنتاج التي نحن تروس بها في مصنع الحياة الطاحن.
العالم يموج يا سانتا، وتتغير موازين القوى العالمية، وسبحان الله يا أخي كل مرة تتغير الموازين تنقلب علينا وليس على من غيّروها.. وأي أزمة دولية لأي دولة لا بد أن تؤثر علينا، مثل تأثير ابنة بنت خال عم ابن خالة خال أمك عليك!!

الكُتَّاب أمثالي -إن اعتبرني القراء كاتبة- يحاولون أن يخففوا عن الناس بأن يضحكوهم تارة ويبكوهم تارة عبر الكتابة الساخرة، لكن دوماً خلف الضحكة ألف دمعة يأس مستورة، ولكننا رغم كل شيء مطالبون بأن نكمل الرحلة حتى لا نكون أمواتاً يُرزقون!

لن أستطيع أن أنهي رسالتي بأن أقول لك العبارة النمطية المتكررة والمعتادة وهي: "أتمنى أن يعم الوئام وينتشر السلام، وأن يتم محو الفقر والجهل والمرض، وأن يحمل العام الجديد كل مظاهر السعادة".

لن أستطيع أن أقول ذلك؛ لأنني أعلم أن الحياة تأتي دوماً بالمتناقضات، فلولا الحرب ما قدرنا قيمة الحياة آمنين، ولولا الفقر ما حمدنا الله على نِعَمِه، ولولا المرض ما ابتكرنا الأدوية ولا قدرنا الصحة كتاج فوق رؤوسنا، ولولا الجهل ما تشكَّل لدينا الدافع لاكتساب المعارف وطلب العلم والبحث المستمر.

سانتا.. ادعُ الله معي ألا يكون حظنا بأوطاننا العربية مقتصراً على الفقر والجهل والمرض وويلات الحروب، ادعُ لنا أن يكون حظنا متوازناً، لا ضير من المرض طالما كان العلاج متوافراً، ولا ضير من الحرب إذا كانت دفاعاً عن أرض وعِرض وعقيدة، ولا ضير من الجهل إذا وُجد العلماء الحقيقيون فرسان العلم الذين يحاربون الجهل باستمرار.

المهم يا سانتا "ما يبقاش حظنا فقر وناخد نصيبنا في الحياة أمراض وفقر وجهل وحروب فقط".
وليكن الله في عوننا ما حيينا، وشوف لي فيزا وحياة والدك.
مع حُبي
سارة

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.