المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة فوزي أحمد   Headshot

مش مجرد لعبة

تم النشر: تم التحديث:

هل حاولت يوماً أن تربط أي لعبة تشاهدها أو تمارسها بحياتك الاجتماعية أو آرائك السياسية؟ وهل حاولت تفسير قواعد أي لعبة وفق معتقداتك الإيديولوجية أو خواطرك النفسية أو الفلسفية؟ إن لم تفعل ذلك من قبل فلتفعلها الآن..

• كرة القدم : معشوقة الجماهير والساحرة المستديرة، تشبه تلك اللعبة ما نعايشه سياسيًّا، فالكرة أشبه بكرسي الحكم أو المنصب القيادي، واللاعبون هم السياسيون الذين يسعون للوصول لهذه الكرة واستخدامها لإحراز الأهداف في شباك الخصم، وهم على عكس لاعبي كرة القدم لا يلعبون من أجل الفريق، وإنما يلعبون لأجل أخذ الكرة والاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة وخداع الحكم والجمهور
و"مراقصة اللاعبين الآخرين" لخطف الكرة والأضواء ولتحقيق الأهداف الخاصة أولاً وأخيراً.

• الشطرنج : لعبة الملوك والعباقرة وسوف أفرد الحديث قليلاً لتلك اللعبة المثيرة، ففي الشطرنج كل قطعة لها وظيفتها المحددة فالوزير هو "المطبلاتي" في مجتمعنا يتحرك في كل مكان ويسعى للتطبيل للملك وحمايته بأي شكل من الأشكال، فهو رجل المهام الصعبة والقذرة في آن واحد، وكم يحفل مجتمعنا بهؤلاء المطبلين من الساعين لحماية الملك لأجل الحفاظ على مصالحهم وليس مصلحة الملك فحسب!

أما البيادق فهم الشعب "الغلبان" اللي عايش في التوهان وبيدافع عن أشخاص قبل الدفاع عن قضايا أو رسائل أو أهداف، يحمون شخصاً ويتجاهلون وطناً فهم عبيد الملك وهم أول من تتم التضحية بهم واستخدامهم كأوراق للمساومة مع الخصوم ولكنهم لا يفقهون.

أما باقي قطع الشطرنج كالحصان، الفيل، الطابية، فسَمِّها كما شئت؛ فيمكن أن يكون الإعلام هو الحصان المتحرك بذكاء، أما "الطابية" فقد تكون الدين الزائف الذي يجعل العقول أسيرة سجن الأوهام والضلالات، أما "الفيل" ربما يرمز لقادة الرأي المضللين الذين يسوقون غيرهم للهلاك ويسيرون دائماً بصورة منحرفة أو معوجة ويجدون في الأساليب الملتوية طريقاً وسبيلاً..

على كلٍّ فإن الشطرنج لعبة أنانية قاسية؛ لأن الملك هو من يبقى والجميع زائلون، وإذا زال الملك انتهت اللعبة، مع أن الحقيقة التي لا تسعى البيادق لاستيعابها هي أنها أساس قوة الملك أولاً وأخيراً، وأنه بانتهاء اللعبة جميع القطع تتساوى وتوضع في ذات الصندوق، ولكن البيادق لا تعي ولا تتجرأ بالتفكير بذلك..

• البوكر أو ألعاب المقامرة عبر الكوتشينة: ألعاب تعتمد على المراهنة والالتزام بترتيب معين في ورق الكوتشينة مع الحفاظ على ثبات اللاعب نفسيًّا وعقليًّا ليفاجئ اللاعبين الآخرين بورقه الذي يجعله يكسب الرهان "طبعاً زمان حد بيقولي البوكر أصلاً حرام" المهم إن البوكر شبه حاجات كتيرة في حياتنا، ممكن تقول إن فيه ناس بتبقى معاها أوراق فائزة بس بتدكن الأوراق دي لإخراجها عند اللزوم، مثلما يحدث بين مرشحي الانتخابات ولاعبي السياسة.

• الصيد/القنص: إن الفريسة والصياد من أكثر الإسقاطات والعلاقات كلاسيكية على الإطلاق، فبداخل كل منَّا الصياد والفريسة معاً ولكننا لا ندري!

وكثيرا ما نرى أنفسنا صيادين نستطيع الفوز والظفر بالفريسة، والتي قد تكون فرصة سانحة أو شخصاً نستطيع التقرب منه أو هدفاً نحرزه أو حلماً استطعنا تحقيقه، وفي أحيان أخرى نرى أنفسنا الفريسة التي يتربص بها الجميع وينتظرون الفرصة للانقضاض عليها.

إننا لا نستطيع أن نصنِّف أنفسنا ضمن فئة الصيادين أو الفرائس؛ لأننا نحمل كلتا الفئتين؛ إن الظروف والمواقف والأحداث هي التي تجعل منَّا صيادين أو فرائس، ولكن لكل قاعدة استثناء.. والاستثناء هنا يكمن في القلة التي استطاعت أن تبقى في فئة الصيادين وتجبر آخرين على البقاء في خانة الفرائس لأطول فترة ممكنة..

إن العلاقة بين الصياد والفريسة هي أغرب العلاقات وأكثرها إثارة، فالصياد قد يوقع الفريسة في فخه لكنه يتلذذ بعذابها قبل قتلها، مثلما حدث مراراً وتكراراً في سجون التعذيب الخاصة بأمن الدولة، وكثير من الإرهابيين يفكرون بذلك المنطق السادي فيعتبرون القتل رصاصة الرحمة؛ لذا لا يمنحونها لفرائسهم إلا بعد عناء..

وقد تكون الفريسة عاشقة لصيادها وتستمتع بتلك المطاردة التي تضعها تحت الضوء وتعطيها الاهتمام من جانب الصياد، ولكن العلاقة الأغرب على الإطلاق هي محاولة الفريسة التشبه بالصياد ومحاولة اتباع أساليبه وتقليده في اقتناص فرائس أخرى، والأدهي أن الفريسة -بمرور الوقت- لا تتبع أسلوب صيادها فحسب، بل قد تتفوق عليه في القنص وفي مبادئ الخداع والتضليل، وحتى النظام الحالي في مصر لا ينذر بخير فهو يعيد لنظام الصياد الأساسي مكانته ولكن حسنته الوحيدة أنه استطاع قنص الفريسة الإخوانية.

لعل الكارثة الأكبر هي مجموعة الفرائس الأخرى التي نجت من براثن قناصها؛ لأن أخطر الضحايا تلك التي تهرب من الجاني وتتحول لما هو أسوأ، فأول من تطبق عليه قواعد التعلم هو ذلك الجاني..

هكذا يسير الأمر فاختراع ألعاب معينة لم يكن من قبيل المصادفة أو بدافع التسلية، بل إن أصول كل لعبة وأسباب انطلاقها ينبع من إيديولوجية سياسية أو فلسفية أو مجتمعية سادت في فترة من الفترات، والأهم من ذلك هو أن قواعد أي لعبة تشكل في جوهرها قواعد للحياة والتفكير والسياسة ولكيفية التعامل مع بني البشر..

إن الفارق بين الحياة والألعاب الأخرى هو إمكانية إعادة اللعب مرة أخرى بإستراتيجيات جديدة وإمكانية تعويض الخسارة في اللعبة لكن الحياة الفعلية قاسية في كثير من الأحيان، فقد لا تمنحك فرصاً ثانية ولكنها تعطيك Game Over واضحاً وصريحاً لا رجعة فيه..

صدقوا من قالوا "إن الحياة لعبة".. بس مش مجرد لعبة دي أصل الألعاب..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.