المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة المحمد Headshot

وهل يرضى الفرات عنا؟

تم النشر: تم التحديث:

كأنني ما زلت أعيش على ضفافك، أعود إليك كل مساء وأنا أحمل ذاكرتي كجثة ألقي بها على ضفاف ذكرياتك.

بعد هذه السنين من الغربة والحنين والشجن، أعود إليك برحلة سرية، أعبر ساحات المعارك، أسير فوق آلاف الجثث لأصل إليك اغتسل بمائك.

أتيتك هذا المساء وظهري حنته أوجاع الوطن، وفي الصدر ألف ذبحة صدرية وألف خنجر.
أتيتك بأشواق الغربة، أتيتك عطشى فماء الغربة لا يروي ظمئي.
أتيتك من رحم الكوابيس، موجعة كوابيس الغربة يا سيد الأنهار، بعد أن تحول الوطن إلى ركام أصبحنا بلا ثمن، نحن أبناء وطن الجياع، أرض الغربة المليئة بالأشواك أدمت قلوبنا قبل أقدامنا، مخيمات العرب ترفضنا، مطارات العالم تطاردنا، أسماك القرش أصابتها تخمة، مطاردون نحن منذ أن طردنا الوطن، كل أرضاً تطأها أقدامنا ترفضنا، تريد التخلص منا بِتنا عبئاً ثقيلاً على هذا الكون.

لم أستطِع احتمال المزيد فالجسور أوجعتني، للبعض هي إسمنت وحديد وحجارة، ولكنها لأبناء المدينة ذاكرة وذكريات، هناك دفنت ذكريات الآلاف ممن رحلوا وهجروا، الجسور تلك التي تملك القوة الخارقة لنقلك من ضفة إلى ضفة، هكذا كنت ترينها، وأنت ابنة سبع سنوات تغمضين عينيك أثناء العبور.

لماذا أنت سيئة الظن أيتها العربية المولعة بعشق الجسور؟ لماذا تتأملين طائرات التحالف وهي تدمر جسور المدينة بحقد؟ ألا تريدين الحرية والخلاص للجميلة النائمة على ضفاف الفرات؟ ألا تريدين إخراج الغلاة والغرباء الذين اغتصبوا عذراء الفرات؟ ألست ككل من سكن المدينة أو قراها مشتاقة لسهراتها الصيفية ونسمات الفرات ونقيق الضفادع؟ إذاً لماذا أنت غاضبة على طائرات أكثر من ستين دولة تحارب المغتصب الذي لا يموت ولا ينهزم؟ لماذا بكيتِ الجسور المدمرة؟ أنت الهاربة من ضفاف الموت إلى ضفاف الرفاهية؟

أعزائي.. وأنتم تكتبون عن مدينتكم من عواصمكم البعيدة، تحتسون قهوتكم في شرفات منازلكم لا يزعجكم سوى قطرات المطر المتساقطة على شبابيك الغربة، تنامون وأطفالكم آمنين مطمئنين، تذكروا أهل المدينة الذين يتحكم بهم وبأطفالهم عصبة من الأشرار والسفاحين.

وأنتم تلعنون تحالف الكذب والنفاق الذي يحتل سماء المدينة تذكروا آلاف الغرباء والسفاحين الذين يسرقون وينهبون ويقتلون على الأرض!
وأنتم ترتدون الجينز والماركات العالمية تذكروا الملابس الأفغانية التي تتجول بشوارع المدينة، تذكروا دوار النعيم، دوار السهر والسمر والجلسات المسائية الذي تحول إلى مقصلة لفصل الرؤوس.

تذكَّروا شارع تل أبيض الذي كنتم تعانون الازدحام والمرور فيه كيف بات اليوم مهجوراً؟ تذكروا شوارع الملابس العصرية، لا تنسيكم حياة النعيم التي أنتم فيها مأساة أهلكم هناك.

أيها الهاربون من مدينة كانت نسياً منسياً وصارت اليوم رمزاً للشر والإرهاب يذكر اسمها في قنوات عالمية، لا تسدوا آذانكم عن أنين المدينة المنكوبة.
صحيح أن طائرات التحالف دمرت جزءاً من ذاكرة المدينة ومبانيها، صحيح أنها قتلت بالخطأ أطفالَ ونساءَ وشيوخَ المدينة، لكن بشار ونظامه والروس وإيران قتلوا أكثر، ولا ننسَ داعش الوجه الآخر لبشار على الأرض.

لا ندري أيهما أكثر شراً مغتصبو السماء الذين يحلقون بطائرات الرعب فوق رؤوس سكانها أم مغتصبو الأرض القادمون من كل أصقاع الأرض يجمعهم شيء واحد عشقهم لسفك الدماء؟

توقفت الحياة في المدينة منذ أن دخلوها، ساد الجهل والأمية منذ أكثر من أربع سنوات لم يتعلم أطفال المدينة حرفاً واحداً ولم تفتح المدارس أبوابها خوفاً من وحوش السماء وبراميل الحقد التي لا تفرق بين طفل وحجر، رعباً من وحوش الغلاة الذين يسيطرون على الأرض بالفعل المدينة تحتضر، تموت بصمت مريب، جيل بأكمله همّش ودمر نفسياً وأخلاقياً، علمياً واجتماعياً وصحياً.

دعونا من الأرض والشياطين التي تحتلها ومن خلفهم، ومن جمعهم على أرض المدينة المنسية منذ عهد الأب المقبور وحتى يومنا هذا، لسنا بصدد السؤال مَن سهَّل لهم الدخول والمرور عبر مطارات عالمية؟
كل هذا الكلام أصبح مستهلكاً والصغير يعرف قبل الكبير مَن، نعود إلى الجسور التي أوجعتنا كثيراً وأبكت أبناء المدينة.

هل الطائرات التي دمرت الجسور دمَّرتها لأجل خلاص المدينة من الرعب التي تعيشه أم لأجل زيادة مأساة أبنائها؟ هل هم حقاً جادون بخلاص المدينة من هذه اللحى والملابس القندهارية؟ مَن علَّم هؤلاء القوم من الجهلة أن هذه الملابس من شروط الإسلام والجهاد؟

يا سادة التحالف.. يا من تحلقون فوق سماء المدينة، المدينة التي تعيش منذ سنوات في العصور الحجرية، يا من تقصفون وترعبون الأطفال، والدواعش يتكاثرون تحت أزيز طائراتكم.. أما آن لهذه المسرحية والمهزلة الحربية أن تنتهي؟

أيتها الدول المحلّقة فوق رؤوس أطفالنا منذ سنوات.. ماذا جنينا من طائراتكم غير الرعب وزجاج النوافذ والأبواب المكسرة؟ ما الفائدة التي جناها الآلاف من الأطفال الذين لا يعرفون كتابة أسمائهم؟

الأطفال الذين يموتون لقلة الرعاية الصحية، يولدون في عيادات أولية غير مجهَّزة بأي نوع من الخدمات سوى سرير بالٍ والقليل جداً من العلاج الذي بدأ ينضب من المدينة، أطفال بلا لقاحات ولا أدوية، أطفال المدينة المنسية.

ما الفائدة التي جنتها المدينة من تحليق طيران التحالف فوق سمائها غير زيادة الرعب والدمار وسكانها يموتون قهراً وجوعاً ورعباً؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.