المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة المحمد Headshot

ماذا تركنا لهؤلاء الصغار؟

تم النشر: تم التحديث:

كل يوم أحاول أن أغيّر مجرى قلمي، وأن أخلع رداء حزني العربي.
كل يوم أقرر أن أبتعد قليلاً عن مستنقعات الموت والفتنة العربية.
أحاول أن أكتب، وأقرأ شيئاً آخر غير أحداثنا اليومية، ومجازرنا الاعتيادية وصور القتلى، أحاول أن أشغل نفسي باللون الأزرق أو الأخضر لأبتعد قليلاً عن الأحمر.
كل يوم أقرر مقاطعة قنوات الفجائع العربية، والموت العربي أحاول.. أحاول.. وأفشل.

أرسم على شفتي ابتسامة مزيفة لأهرب بها بعيداً عن الموصل، وحلب، اليمن، و... لكن صورة لنازحة من الموصل وضعت أطفالها بحفرة لتقيهم برد الصحراء القارس ونامت بجانب الحفرة هرباً من قصف الحشد الشيعي وسكاكين الحقد الطائفية، أبدلت ابتسامتي بدمعة.

مقطع صغير لأطفال محاصرين يتلوون جوعاً في حلب والموصل جعلني أتنازل عن وجبة العشاء لأثبت لنفسي أنني ما زلت على قيد الإنسانية.

كنت أحاول أن أضحك وألعب مع أطفالي قبل أن تستعيد ذاكرتي الأشلاء والأجساد من تحت الركام، والأطفال في الحفر، الجياع، الحفاة، العراة، أطفال المخيمات الذين يموتون برداً أمام أعيننا، كنت أحاول الهرب من وحل الواقع إلى وهم النسيان.. لكن أريد أن أهرب من واقع الغدر والذل العربي.

أعود إلى الماضي، أهرب إلى المستقبل.. المهم أن لا أبقى في الحاضر، لكن كيف أهرب والدماء العربية تغرق الشوارع؟ أين أهرب؟ والدماء والدمار يحيطان بِنَا من كل جانب، وهذا الوطن يتآكل ويتهاوى بين جبن البعض وخيانة البعض وصمت وتخاذل الجميع.

في طفولتنا عندما كان يطلب منا الرسم من مخيلتنا، كنّا نرسم نهراً يمر وسط غابة وأرض خضراء، وشمس وعصافير تحلق في السماء.

واليوم عندما نطلب من أي طفل أن يرسم من مخيلته، يرسم لنا دبابة، مدفعية، صواريخ، أسلحة، وجثثاً، يرسم طفلاً مقطوع الرأس، يرسم أطفالاً على كراسي متحركة أطفالاً بلا أرجل، أجساداً غطّاها الركام، مسجداً قصفت مآذنه، مقابر وأشلاء، وفي النهاية يلون الصفحة باللون الأحمر، وإن سألته: لماذا الأحمر؟ يقول هذه دماء.. دماء.
لماذا طار العصفور، وجفت مياه النهر وحرقت الغابة وقطعت الأشجار لماذا؟ أين ذاكرتنا البريئة؟ ماذا تركنا لهؤلاء الأطفال سوى رماد المدن المنكوبة، وذاكرة الموت والعاهات النفسية والجسدية؟ ماذا أورثناهم غير الخيبة والركام؟ لم نترك لهم تاريخاً يفتخرون به ولو كذباً ولا أوطاناً تحتضنهم ولو اسماً، ولا أناشيد عن بطولاتنا تصدح بها حناجرهم الصغيرة كل صباح.
هل تشعر بالقلق مثلي وأنت تتأمل دفتر رسومات ابنك ذي الثماني سنوات؟ هذه نتيجة طبيعية لواقعنا، فلماذا القلق أيها العربي؟

ألم نجلس أمام الشاشات في طفولتنا نشاهد مع أهلنا نزيف الفلسطينيين؟ ونكرر السؤال البريء على آبائنا: هل بقي الكثير منهم أم قتلهم الإسرائيليون كلهم؟
أذكر في طفولتي بعد كل مجزرة أكرر السؤال ذاته هل قضى الصهاينة على كل الفلسطينيين أم بقي منهم الكثير؟ ولماذا يموت الفلسطيني ولا يموت اليهودي؟ ببراءة كنت أسأل.
كبرنا وعرفنا الإجابة على الكثير من الأسئلة، عرفنا لماذا يموت الفلسطيني ولا يموت الصهيوني، عرفنا وليتنا لم نعرف، عرفنا الكثير وعرفنا أن المعرفة عبء ثقيل.
كبرت أكثر وشاهدت الجيش الأميركي يدنس أرض العراق يقتل ويدمر وينتهك ويحرق ويسرق، هذه المرة كنت أكبر من أن أسأل هل سيقضي الأميركان على كل العراقيين؟ وهل من قتلوا واستشهدوا أكثر أم من بقي على قيد الحياة؟ كنت أكبر من أن أسأل، وأكبر من أن أحتمل.
بالأمس سألتني ابنتي ذات السؤال: ماما هل مات كل أطفال حلب؟ ماما لماذا لا أحد يساعدهم؟
حاولت أن أجيبها بمنطق يناسب سنها قلت: لأن أميركا لا تريد أن تساعدهم.
اعتقدت أنها ستكتفي بذلك وتصمت، لكن هذا جيل مختلف تفتحت عيونهم على مشاهد القتل، لكنها فاجأتني أكثر قالت: خلّي أميركا تولي، لماذا لا يساعدهم باقي العالم؟ لماذا لا يساعدهم العرب؟ قلت لأن الباقي يخاف من أميركا، قالت ببراءة: يعني أميركا هي رئيس العالم، قلت: نعم، قلتها على عجل رغبة مني بإنهاء النقاش مع هذه الصغيرة التي لامست جراحي وخيبتي ووجعي العربي، هذه الطفلة التي ولدت قبل بداية الربيع العربي بعام كبرت مع الثورات، هذه الطفلة التي كانت كلما غضبت مني وهي بنت ثلاث سنوات تعاقبني بقولها: والله لن أقول: إن شاء الله يموت بشار، وعندما تكون راضية ترفع كفيها إلى السماء: يا رب يا رب يا رب يموت بشار عشانه شرير ويقتل الأطفال.

كبرت الطفلة وأنهت عامها السابع، كبرت على مشاهد القتل والدمار، كبرت على نشرات الأخبار العربية والمجازر اليومية.
عندما كنّا صغاراً علمونا أن لنا عدواً واحداً هو بني صهيون، لكن الحال تغير مع صغيرتي وأقرانها.
لهذا الجيل ألف عدو أقلهم خطراً بني صهيون، كان أعداؤنا يرتدون الأقنعة، يخفون قبح وجوههم بأقنعة الرياء والتقية والصداقة والكثير من المصطلحات.
لكن اليوم أتى الأعداء بلا أقنعة، ها هم يقتلون أطفالنا يدمرون مدننا، يسيرون بنعالهم فوق أجسادنا، حاملين رايات الثارات والحقد والانتقام.
ها هم يمرون فوق أشلائنا ويلتقطون الصور التذكارية فوق ركام بيوتنا وأجسادنا الممزقة.
لكن لماذا الدهشة؟

ألسنا من شارك بهذا الدمار؟ نعم العرب كل العرب شركاء بما آل إليه حالنا اليوم، ألسنا من سلم لأميركا العراق؟ وبدورها قدمته على طبق من ذهب لإيران، إذاً لماذا الدهشة؟ أليس العرب بطريقة أو بأخرى شاركوا بدمار سوريا الذي بدأ بمقتل المئات ثم الآلاف ثم مئات الآلاف والملايين من المشردين؟ أليس العرب من ترك بشار وإيران وروسيا يدمرون حضارة عمرها آلاف السنين؟ فلماذا الدهشة؟

ألستم من ترك لبنان تدار من طهران؟ أليس العرب من صمت على الحوثي حتى تمكن من اليمن؟ ألسنا من سكت وصمت وشارك بدمار هذا الوطن وهذا التاريخ وهذه الحضارة؟

ألسنا نحن العرب من ترك إيران تسرح وتمرح وتفتت دولنا وتنشر الدين على الطريقة الإيرانية في القرى والمدن التي ينتشر فيها الجهل والأمية؟
بلى.. نحن من فعل، ونحن من مكن الفرس من رقابنا، ونحن من دمرنا ماضينا وحاضرنا، ولا نعلم كيف هو مستقبلنا؟

ذاك العنفوان العربي لم يعد له وجود، ولا يستطيع أي عربي أن يرفع رأسه ويسير كالطاووس، فقد يتعثر بجسد طفل أو امرأة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.