المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة المغازى Headshot

قوة الوهم

تم النشر: تم التحديث:

كان هناك رواية ممتعة لأجاثا كريستي (في النهاية يأتي الموت) تحكي عن جريمة قتل حدثت في أسرة من العصر الفرعوني. اللقطة الذكية في الرواية والتي تجعلك تستنتج القاتل، هي جملة قالتها الخادمة عرضاً في أثناء حديثها "عندما يلتقي حوري إياي في أي مكان، فإنه يتظاهر كأنني غير موجودة وكأنه يري شيئاً خلفياً.. شيئاً غير موجود.. من الأفضل له أن ينظر إلي.. ربما يظن أنني تافهة وغبية، ولكن الأذكياء ليسوا هم دائماً الذين يعرفون كل شيء!". كانت هذه اللقطة هي أبرع حبكة في الرواية؛ أن الخادمة التي يتجاهلها وينظر لما وراءها هي التي تعرف حقيقة القاتل.

2016-12-07-1481106692-2598499-sasa.png


ذات مرة وأنا أقرأ كتاباً، غرق عقلي للحظة في التفكير في شيء ما، فانتبهت إلى أن الكلمات قد تداخلت وتماهت وأصبحت بعيدة في عالم موازٍ أراه ولا أراه ، ثم عندما أفقت عادت الكلمات واضحة. أحياناً، كثيرة أسرح في أثناء القراءة، ولكن عندما انتبهتُ بدا الأمر غريباً، كأن الرؤية قرار وليست عيناً وبؤبؤاً. رغم أن المشهد الخارجي واضح، فإنه يتوقف مستأذِناً قبل الدخول إلى العقل؛ أيدخل أم لا؟ حسب أوامر المخرِج بالداخل في تلك اللحظة، لو كان منهمِكاً في تصوير مشهد آخر داخلي ورسم تفاصيله بدقة فلن يسمح بمرور ذبابة إلى موقع التصوير، لن يسمح بإلهاء الممثلين عن السيناريو الكامل الذي تخيله.. ما يعجبني، هو قوة هذا المخرج في أن يبعد بيده الوهمية صلابة الواقع، كأن يمنع دخول جمال وردة أو نسمة حلوة باردة من الخارج لمجرد أن العقل حزين، أو يتجاهل أنين مظلوم لأن العقل غاضب. أسوار عالم التصوير الداخلي تجعلني أريد التسلل إليه خلف كرسي المخرج، أراقب ما يفعل؛ لأننا نقضي من العمر في هذا التمثيل الداخلي وتخيّل ما لن يكون أضعاف ما نفعله في الواقع.



2016-12-07-1481106777-6582485-sasa.png


بدايةً، كيف يتكون الوهم؟ لا بد أن نلتقط تلك اللحظة التي تبدأ فيها عملية انفصال الحواس عن كهرباء الزمن، متي يزيغ بصرك عن الكتاب أو العمل أو الدفء بحب أهلك حتي لو كان بارداً وغير مشبع. أيمكن أن يكون السبب هو جفاف الواقع وقبحه؟ إنه لا يوجد به بذرة حب تدفئك بشكل حقيقي، لقد حكى لي أحدهم مرة أنه عشق روايات هاري بوتر، وكان الثلاثي بوتر ورون وهيرموني هم أصدقاؤه الوحيدون لسنوات.

لقد كان يتأثر بشدة بكل ما يجري في الرواية ويضحك معهم كأنه صديقهم الرابع الذي لا يرونه. أدركت أنه ليس أن خياله واسع، لكنه في أمسّ الحاجة للحب، هناك عالم بالداخل يسعده ويشبعه لدرجة أنه استأنس الوجود فيه وأصبح يخاف من دخول إنسان من لحم ودم عليه.

لكن السؤال: لو كان العالم الخارجي موجعاً، فلماذا نستيقظ ونُجبر على مواجهة اليوم؟ تلدغنا أشعة الشمس كأنها تعيد إدراك حواسنا بالزمن.

أعجبني كثيراً وصف أحمد العمري عن مفهوم "مالك يوم الدين" في سورة الفاتحة، كان يقول إن اليوم (النهار والليل) هو كل ما نملكه وفي الوقت نفسه لا نملكه، لم يملّك الله -عز وجل- الإنسان الزمن أبداً أو التحكم فيه، لم يجعله خاضعاً لهواه يرجعه أو يقدمه كما يشاء؛ لأنه الرحمن الحكيم يعلم استسلامنا لضعفنا وأوهامنا أحياناً، وأن هناك فترات من عمرنا ستنقضي في هذا الاستسلام، فلا بد أن نفيق على ضياعه، وأن ترعبنا حبات رمل العمر التي تذهب بلا عودة. إن الله يعيننا على أنفسنا بجريان الزمن وفي الوقت نفسه يترك لنا الإرادة الإنسانية في اختيار الحياة أو الاستسلام.


كيف تفرِّق ما بين لحظات الخيال الممتعة وما بين استسلام الوهم، دائماً ألاحظ أن الخيال شيء إيجابي ويقذف فكرةً جديدةً إلى الخارج، كأن هناك فلاحاً مجتهداً بالداخل يأخذ ما يعطيه الواقع ويخلطه بروح الإنسان فيخرج للعالم ثمرةً لم يرها من قبل، ثمرة مميزة جداً بتميز وذكاء روح هذا الإنسان. لكن، لاحِظ هنا أن الخيال في حالة تفاعل واتصال مع الواقع، يشاهد ويربط ويحلل كما يجب أن يفعل العقل الإنساني. بمعني آخر، العقل في حالة (عمل) وجهد غير عادية؛ لذلك يكون المحصول أفكاراً ملهمة ومشاعر أول مرة تدركها. لكن الوهم هو العكس، هو الاستسلام للهوي والخمول العقلي المتعمّد. لذلك، يحب الناس العيش فيه لأن الطبيعة الإنسانية تميل إلى الكسل ومن يأخذ بيدها ويطوّحها، انظر للآية الكريمة: "وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" توحي إليك بأنه يتبع الأثر حتي النهاية، ولأن الهوي أصلاً لا هدف له، فلن يجني هذا الإنسان سوى تمزّق عمره.



إن التغلب على الوهم صعب، ليس فقط لأنه يتماشى مع ميل الإنسان إلى رفع الراية البيضاء والانسحاب وترك الأرض للعدو يمرغ فيها؛ بل ماذا تفعل حينما يقنعك بأن العدو هو أنت، إنك تحارب رغبتك وهذا ليس طبيعياً. حسناً، نريد أن نتوقف عند جملة "من أنت؟" أصلاً.

برعت الكاتبة ألف شفق في كتاب "حليب أسود" في تفصيص شخصياتها الداخلية وإدراكها، فوجدت هناك الشخصية العملية، والمرأة الطموح، والسيدة الصوفية الروحانية، ومدام بوفاري الممتلئة بالرغبة. كانت تلك الشخصيات تتصارع طوال الوقت، واختارت الكاتبة في فترات حياتها أن تعطي الحُكم لواحدة منهم، ثم قررت الحكم الديمقراطي والتعايش السلمي بينهم.

انتبهت هنا إلى "اختارت الكاتبة"، هناك شخصية مخفية أو بُعد رابع موجود بنا هو الأقوى بين الأصوات الداخلية جميعاً، هو الإرادة، هذا السر الإلهي أقوى ما في الإنسان، والغرض من وجوده أن يقوده للحياة والسعادة، فإذا تعارضت رغبتك مع هذا الغرض تدخّلت الإرادة هنا كي تصفعك، ولو كنت قد صادقتها زمناً فستكون أقل عنفاً وتربت عليك وتعيدك بحكمة إلى الحياة والوجود في الزمن.


لذلك، حينما تقرأ أو تخلد إلى النوم وتسرح في خدر الوهم عُد ثانيةً، ولو سحبك بقوةٍ فقاوِمْه واستعذ بالله من الشيطان المخرج المتخفّي وراء كواليس هذا العالم. قل لنفسك إنه مهما تزين فهو كذب ولن يفيدك سوى ضياع ساعات من العمر يمكنك أن تعرف الله عز وجل فيها أكثر .. أو تجالس أهلك وتضع قطرة حب فى المنزل .. أو تخرجه إلى الواقع لو قدرت .. المهم أن تكون موجودا وتسجل حضورك فى دفتر الزمن .. وإذا زاد الضباب وتهت بين الوهم والحقيقة فقل (اللهم أرنى الحق حقا وأرزقنى اتباعه وأرنى الباطل باطلا وارزقنى اجتنابه).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.