المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة المغازى Headshot

كيف تخرج صورتك من المرآة؟

تم النشر: تم التحديث:

دائماً حينما كنت أقرأ الآية "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها"، كنت أفهم أنه حينما خلق الله -عز وجل- كل إنسان لم يخلقه متفرداً وحده؛ بل خلقه زوجين زوجين، ومعنى هذا أن زوجه هذا مكمل له.. لو نظر الإنسان في المرآة فسيرى نفسه، لكن على شكل جنس آخر ذكر أو أنثى.

وكنت أتساءل سؤالاً أعتقد أنه خطر على بال الكثير من الناس، وهو: هل كل واحد يتزوج زوجه الذي خُلق معه، الذي لو اجتمع به لتناغم مع الكون ووجد السعادة الحقيقية بموجب أنه اكتمل الآن؟ أم أن الأرواح تتفرق ويهاجر والد هذا إلى سنغافورة والثاني يُولد في كندا، ويتلون كل منهم بتراب البلد الذي نشأ فيه فيبتعد عن أصله ويبدأ في رسم صورة عن شريك الحياة بألوان الحياة التي يعيشها؟

ومن ثم، "يظن" حينما يحب فتاة أنها "هي"؛ لأنها شبيهة بصفات اكتسبها أو أحبها، لكنه فعلياً لو ركز قليلاً فسيجد أنه لا يضحك معها من قلبه، لا يشعر بذبذبات صامتة تتنقل بين عقليهما تجعله يعرف في أي شيء تفكر؛ بل هو في حالة حيرة وقلق من فقدانها، وأن عليه التمثيل أو التكلف قليلاً كي يحوز إعجابها؛ بل يفكر لم عليه أن يحوز إعجابها أصلاً لو كانت "هي"؟

دعنا نبدأ بالنقطة الأخيرة؛ تلك النقطة النفسية التي يقف عندها البشر وتمنعهم من اكتمال نضجهم الإنساني.. نحن بحاجة إلى أن نهدئ درجة الحرارة قليلاً وندخل الأعماق حتى نستوي من الداخل، لماذا يحرص الإنسان على أن يُحب؟ أن يثير إعجاب أحدهم؟ لماذا حينما يصفق أحد أو يمدح نشعر بالسعادة؟

أعتقد أن الله -عز وجل- وضع هذا الشعور في الإنسان كي يعرف طريقه.. الإنسان وهو صغير لا يعرف قدراته، لا يعرف أنه جميل الصوت أو قوي العضلات أو بليغ البيان، فإذا ما مدحته أمه وأصدقاؤه ومعلمته شعر بنغزة سعادة وتيقن أنه بارع في هذا الأمر. إذاً، الإعجاب هو دليل وليس هدفاً يعمل على تمكين الموهبة أكثر والإبداع فيها.

كنت وأنا أصغَر أكره شعوري بالسعادة حينما يمدحني الناس ولكني لا أملك أن أوقف الشعور، أدركت أني كنت غير متأكدة مما أملك . بمرور الوقت، أصبحت تسمع المدح أكثر في موهبتك لكنك تقول في نفسك: "أعرف أنني كذلك"، لا تقولها غروراً، إنما يقيناً أن هذا ما أقامك الله فيه، ما مكنك فيك.

صديقتي انتبهت لقصة ذي القرنين حينما طلب الناس منه -وهم يرونه ملكاً قوياً- أن يبني لهم سداً، قال: "ما مكَّني فيه ربي خير"، إنه يدرك قدراته جيداً ويستخدمها في الكون كما أراده الله.. حينما تتأمل قصة يوسف عليه السلام؛ بعدما خرج من السجن قال للملك: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، هذا رجل مرّ باختبارات كثيرة مع الله عز وجل ونجح فيها حتى أفهمه نفسه.

ولو لاحظت أن القصة بدأت بقوله: "يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين"، يعني هو رأى أنه ملك من صغره، لكنه لم يفهم فسأل أباه، فنحن في الصغر لا نعرف لم خُلقنا، لكن الله -عز وجل- يسوق إلينا التجارب والوسائل كي نفهم.

إذاً، فالإعجاب إحدى هذه الوسائل، لكن باكتمال يقينك بما تملك يفترض بك أن ترتقي إنسانياً إلى المرحلة التالية؛ وهي أن يستوي الإعجاب بالتراب، وتصبح قادراً على العطاء أكثر من الأخذ.. يعني أنت لا تكتب لأن الناس تعجب وتمدح، ولا لتحصد الجوائز ولا لتكون الأشهر بين الأدباء؛ بل لأنك تملك رسالة تؤمن بها من أعماق قلبك وتستخدم ما مكنك الله فيه كي توصلها، لذلك فالفخ الذي نقع فيه دائماً في علاقات الحب هو ظنك أنك "تحب".

وفي الحقيقة، أنت تريد أن "تُحب"، وهناك مسافة هائلة بين الكلمتين وهي التي تجعل الطرفين لا يستمتعان أبداً بالعلاقة؛ لأنك تبحث عن الاهتمام بك، السؤال عنك، أريده أن يُسمعني كلاماً حلواً، يخبرني بأني جميلة، أريدها أن تؤكد أنها تشعر بالأمان معي، نبدو حينها مثيرين للشفقة ونعذب الطرف الثاني بالحيرة فيما ارتكب من جرائم اللامبالاة.

لكن الحقيقة أن الإنسان الذي نضج يريد أن يحب فعلاً، يريد أن يقول كلمات الحب، وأن يعطى الأمان والحماية، وأن يسعى إليك بإصرار غير خائف من الرفض. كنت دائماً أحاول تحليل موقف السيدة خديجة في الزواج من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لماذا هي التي سعت إليه حتى لو بذكاء المرأة الشريفة؟!

كنت أقول: لأنه النبي وليس هناك مثل النبي.. ولكن خطر على بالي سبب آخر؛ أن خديجة رُبيت في بيت يعرف قدرها جيداً، وأنها لم تملك عقدة الطفولة في الشك في أنها مرغوبة، وما أكد لي ذلك أنها في كل قصتها مع النبي كانت تعطي الحب والأمان رغم الأهوال غير العادية التي مر بها، ولا يبذل هذا سوى إنسان مكتمل عنده الحب أصلاً.

فالسبب الأول الذي يساعدك في إيجاد زوجك "الحقيقي"، هو علاج تلك النقطة وإدراك ذاتك؛ حتى تغلق باب الاحتياج للحب الذي يدخل منه مسوخ تستذل قلبك وتُبعدك أكثر عن حقيقة شِقك الثاني. السبب الثاني هو أن تعرفه قبل أن تحبه؛ آفة الناس التي تقع في الحب المريض أنها لا تعرف عمن تبحث، أو في بالها صفة وحيدة تفتقدها بشدة وتنسى المحاور الأخرى التي تقيم إنساناً يُعاشَر.

فلو وجدَت الحنان تنسى أنها تريد رجلاً مسؤولاً وأميناً لا يكذب، ولو وجدَت القوة تنسى أنها تريد رجلاً متواضعاً لا يستعبدها بالحب. لذلك سمعت محاضَرة جيدة للدكتور أحمد عمارة عن فن اختيار شريك الحياة، يقول فيها بأن تضع الكتالوج قبل الحب، تكتب كل الصفات التي يتمناها قلبك في زوجك ورتِّبها، ثم قم بتمرين سمِّه "الدعاء بالتخيل"؛ وهو أن تتخيل إنساناً يحمل تلك المواصفات في كل مواقف الحياة.

تخيل وأنتما تجلسان أمام البحر؛ ببيت الأهل؛ في أثناء السفر؛ وقطة صغيرة تموء من الجوع أمامه؛ وأنت تبكي؛ ماذا تتمنى أن يفعل في كل تلك المواقف؟ ثم تدعو: "اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اجمعني بضالّتي". النتيجة أنك تمرن عقلك الباطن بحيث حينما يقترب منك أحد عكس تلك الصفات ستنفر منه تلقائياً، ويزداد يقينك بوجوده فتقترب من شِقك الثاني الذي رسمه قلبك فعلاً.

لو ما زلت معلقاً بتلابيب قصة تعذبك فاتركها؛ الحب لا يعذِّب أبداً لأن هذا يتنافى مع فكرة التناغم مع الكون، لا تجد شقَّي تفاحة أحدهما ذابل والأخرى نضر، التفاحة يتوزع سكرها وماؤها وحلاوتها في كل شق منها، متساوية الزوايا والأركان، لا ينتفخ شق قاهراً الآخَر، ولا يعتصر شق ماء الآخر.. ارمِ كل ما تعلمته عن لوعة الحب ومرارة البعد وعذاب الشوق.

حينما بدأت أفكر في الصورة الداخلية "الصحيحة"، وجدتني أضحك معها من قلبي وأشعر بالأمان وأنها تفهمني، وأننا لا نخاف من اختلافنا؛ بل نراه فرصة لرؤية العالم بنظارة جديدة، مكمل غذائي يمنحنا ما ينقصنا من الفيتامينات.. لو رأيت هذه الصورة واضحة، حقيقية السعادة، نابعة من مكان عميق في القلب- فاعلم أنك أصبحت قريباً منه جداً إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.