المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة الجزيرى Headshot

الكوكب الأزرق خيالٌ واقعي أم واقعٌ خيالي؟!

تم النشر: تم التحديث:

"منبر من لا منبر له".

تلك الجملة التي تتصدَّر إعلانات قنوات الجزيرة، هذا الصوت الذى ينطق بها، لا تخونني ذاكرتي -على غير العادة- في تذَكُّر نبراته.
لم أجد اختلافاً كبيراً حينما حاولت أن أُطبِّق هذا المفهوم على غير قنوات الجزيرة؛ فقد وجدت كوكباً بأكمله يحمل بين طيَّاته منابر عدة لكل من يرجو مِنبراً يعكس أهواءه وأفكاره.

إنه الكوكب الأزرق، أو كما يُسمِّيه مخترعه: "Facebook".
من تصنيفه -على الأرجح- هو موقعٌ للتواصل الاجتماعيّ، تذليلُ عقبات التواصل وجعلها طريقاً سهلاً مُمهداً هى مهمته الأساسية والعظمى، بالإضافة إلى أنه مِنبر قويّ ليصدح ابنُ آدم بما يحويه قلبه وعقله.

"يا إلهي، هذا لا يَصدَّق! إنه اختراعٌ سحريّ".
للوهلة الأولى هذا هو الشعور المُسيطر، شعورٌ بسعادة غامرة من التقدم والتطور التكنولوجى العملاق الذي أُسكِن لهيبَ الفراق، ووحشةَ الأيام التي يعانيها المغتربون وذووهم، أو حتى سكان البلد الواحد الذين تمنعهم "جغرافيا الظروف لا المكان" من الحضور اليوميِّ في حياة بعضهم البعض.

مع تقدم الأيام، اتخذ الكوكب الأزرق منحى آخراً يُضاف إلى ذلك المنحى المُبهجِ، إنه منحى "الصولات والجولات"؛ هذا المنحى يمكن اعتباره منحى صراعياً بالمعنى الحرفيّ، أصبحت الهتافات تعلو من هذا "الحساب"، تتبعها "إعجابات" كثيرة و"تعليقات" من الشرق والغرب، ثم "مشاركات" عدة لهذا الحساب أو ذاك، إلى أن تصل الهتافاتُ إلى واحدٍ ممن يملك وجهةً مغايرةً لهذا كله؛ فيقوم بدوره بالرد الصارم البتَّار على ما وردَ لتوِّه في هذا "المنشور".

وبالطبع لكل منهما جمهوره الخاص، أو كما نسميهم نحن "أُلتراس"؛ فيتخذون بدورهم من الإعجابات والمشاركات والتعليقات طريقاً مساوياً للـ"أُلتراس" الآخر في المقدار، ومضاداً له في الاتجاه.

البعض يعتدل في حديثه، ويقتصد في التلفظ بما لا يفيد نقاشاً مثمراً على الأرجح، والبعض الآخر يميل كل الميل ناحية الصراعات الإلكترونية، ويستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة ليحصل على "السبق الفيسبوكي"، ولكل جمهورٍ جمهوره الخاص أيضاً وهكذا دواليك؛ حتى تتأسس -لا إرادياً- تلك القاعدة العريضة التي لا حصر لها.

لينشأ من "منشور" واحد "ظاهرة" تتم مناقشتها لأيامٍ بل لشهور؛ حتى يملَّ أصحابها أنفسهم منها، فيبحثون عن شيء آخر ليكملوا به المهمة السامية؛ رغبةً في نَيْل اهتمام ذلك الكوكب الأزرق بجميع سكانه على اختلاف شخصياتهم في كل شيء.

بمرور الوقت أصبح الأمر خارجاً عن السيطرة، ولم تقتصر "منشورات الظاهرة" على المختصين وحسب، بل تعدَّى الأمر إلى العامة؛ وأقصد بالـ"عامة" هنا مَن ليس لديهم أساس قويٌّ ليبنوا عليه آراءهم القاطعة -والتي غالباً تجعل الصراع يحتدُّ من لا شيء- في أمرٍ ما؛ ولكنهم يصرِّون على الدخولِ عنوةً إلى الصراع، بل يتبرعون -من تلقاء أنفسهم- بإضافة معلومات مصدرها الوحيد "خيالاتهم".

خيالاتٌ تفنى حياتُها فى ترتيب الأحداث بشكلٍ مُنمَّق ترتضيه أنفسُهم كـ"سيناريو" لائق للصراع الخياليِّ في أذهانهم.
وليبقَ السؤال هو السؤال:

هل كان الكوكب الأزرق -بصولاته وجولاته- ضرباً من ضروب الخيال وأصبح -بأيدينا- واقعاً؟
أم أنه كان بالفعل واقعاً حتمياً، ولكن خيالاتنا عجزَتْ عن استيعاب حقيقة وجوده؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.