المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة برزيزوي Headshot

#وجدتُ_حلاً: القراءة.. المنحة الرّبّانيّة

تم النشر: تم التحديث:

حين نجحت بالثانوية العامة بميزة حسن, ظننت أنني مغادرة مدينتي الصغيرة إلى مدينة أخرى لأستكمل دراستي في الطب مثلا, أو الهندسة, نظرا لأن تخصصي كان علميا. بعد اجتياز امتحانات القبول فوجئت بكون اسمي لا ينتمي إلى أي من اللوائح المعلقة التي تزف خبر النجاح لبعض التلاميذ, ولا في لائحات الانتظار التي تمنح الأمل للبعض الآخر. ضاع الحلم

أذكر أنني استقبلت خبر عدم قبولي بمعدة فارغة ورأس مصدّع، لقد كان شهر رمضان الكريم. بكيت كثيرا، فكّرت في أني خذلت والديّ وأن اثنتا عشرة سنة من الدّراسة لم تأت في آخر المطاف بنتيجة رغم كلّ الجهود التّي بذلتها. لم تكن النهاية، إذ إن الجامعة قد استقبلتني بتواضع، و رغم أني كنت أكرهها لكثرة الحديث المنفر الذي جاء بذكرها، إلا أن الحلول كانت تقريبا منعدمة. قررّت الخروج من حدادي والاستعداد للعام الجامعي الجديد بروح ملؤها الشجاعة، العزيمة والإرادة، إلا أن هذه الإيجابية ما لبثت أن تركتني وحيدة مجددّا أجابه الاكتئاب من جديد.

استسلمت، فكرّت كثيرا أن أترك الدّراسة لكنّ غياب البديل جعلني أعزف عن الفكرة وأستمر رغم اليأس، أدخل المدرج بذاكرة مثقوبة لأخرج منه غير مستوعبة شيئا سوى كثرة الأحاديث التي تتصاعد من جوانب المقاعد، أدخل غبية وأخرج منه أكثر غباء، كان الأمر أشبه بدخولي إلى دوامة وما كنت يوما بسبّاحة ماهرة. كان سؤال والدي عن أحوالي وإذا ما كنت أواجه صعوبات أم لا يشعرني بالوخز في ضميري الذي كان يحتضر، كم كان من المؤلم أن أرى في عينيهما هذا الكمّ من الحب والأمل فلا أعطيهم في المقابل سوى الخمول والاستسلام ورفض الواقع والخضوع له في آن بدلا من محاولات تغييره. كنت أشعر وكأني أكبر من سنّي وكأني أدخل غمار حرب لست بأهل لها. إني منهزمة لا محالة. لا أدري لماذا أعدمت وجودي بكل هذا الكمّ من السلبية والشّجْو رغم أنه كان بإمكاني أن أتحرك وأتمرّد فأصل. لا أدري لماذا آثرْت الطريق السهل عن الطريق الصّحيح.

كانت السنتان اللتان أعقبتا البكالوريا أسوأ فترة في حياتي، كنت فارغة، لا أحاول تجديد وجودي بأي شيء، لا شيء يميّزني ولا شيء يحفّزني.. أمي كانت تتألم لرؤيتي بهذا الشكل، أعدم طاقتي وحيويّتي بالحزن والضياع . كان بأمري كلّه رثْية ولم أجد يوما قراءة خرائط النجاح للخروج من بوتقة الضياع رغم كثرتها. وكأني رضيت بهكذا واقع، واستسلمت لفكرة أن حلمي الأوّل ضاع فلا شيء يرقى إليه. ما حاجتي إلى متمنيات أخرى؟

والحقيقة أني كنت أحب كثيرا لعب دور الضّحية، الضعيفة وكأني أطلب من الكون أن يكون رحيما بي وبوهني، متشائمة دائما، كنت أسأل الله كثيرا أن يرحمني من هذا الضياع وكنت أعوذ به من الكسل والخمول ، لكنّي اكتفيت بالدّعاء دون عمل فتدهورت حالتي أكثر.

الغريب أني كنت أستوفي جميع الموّاد، أنجح رغم ضآلة المعدّل الذي أرفضه بشدّة على قلّة المجهود الذي كنت أبذله. رافضة للواقع دون أن أعمل على تغييره للأفضل. تطلب الأمر سنتين... سنتان وأنا بين الاستسلام وثورة الضمير الدراسي، الكلّ حولي كان يشجعني ويحاول إزالة ملامح الشجن من على وجهي، وأنا أتساءل ماذا يريد الله بكلّ هذا مثلا؟ إلى متى هذا الهروب ؟ إلى متى هذا الانكسار والإحباط؟ أما آن وقت التمرّد والثورة؟ أما آن لي أن أنتفض وأجد حلاّ؟

في عامي الثالث بالجامعة كنت قد ألِفت عالم القراءة والكتابة فوجدت فيه كلّ الأُنس، جعلتني الروايات قوية والورقة والقلم أشدّ عزما ، يكفي أن أبث مشاكلي عبر الحبر حتى يخففها عني، قد كانت رحيمة شكوتي. بفضل هذا العالم تغيرت كثيرا، رأيت كم من الفرص تخلق الحياة يوميّا دون نراها، رأيت كم من المشاكل التي يعاني منها الآخرون إلاّ أنهم صامدون في وجهها، ينتفضون ولا يرضون أبدا بالخضوع حلاّ، رأيت أن أجمل الأشياء هي التي لم نرها بعد وأجمل القصص هي التي لم نعشها بعد وأجمل الأمور هي التي لازلنا نجهلها..

أنا وجدت الحلّ في القراءة والكتابة لتجعلا مني فتاة مختلفة، آخذ عزمي من أبطال الروايات ومن أبطال الحياة التي كنت لا أبصرها في غياهب الانهزام، ومن نصيحة فتاة عشرينية أخبرتني ذات بوْحٍ أن الدّنيا تؤخذ غلابا، وأنّ لا أحد سيقاتل من أجلي. عليّ أن أنزل ساحة المعركة ولا أنتظر ولا آمل غير النجاح، غير الفوز والوصول.

اليوم، أنا أفضل حالا رغم انتكاساتي، إلا أني أجد القوّة لأبدأ من جديد. أَملي أن أمضي بخطى واثقة نحو النجاح وأن لا أضيع في الاستسلام مجددا، وأن أجد دائما عزائي في الكتب والكتابة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.