المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة عبد الحميد محمد Headshot

التجنيد الإجباري.. نعم أم لا؟

تم النشر: تم التحديث:

أهلاً بكم ومرحباً في جيش اللقطة ذي الصورة البراقة، نحن نمارس اللاشيء من كلمات جنود بالجيش المصري.

تطاير الجدل بعد رؤية فيلم العساكر، وبغض النظر عن جهة عرضه، والهدف منه، وبغض النظر عن سطحية هذا الفيلم، إلا أنه حدث إجماع شبه كامل على أن هناك ممارسة وحشية مع المجندين، بداية لم لا نفهم ما هي فكرة ومفهوم التجنيد الإجباري؟

أولاً: مفهوم التجنيد الإجباري، هو فرض الدولة الخدمة العسكرية الإلزامية على مواطنيها، لتحقيق تعبئة عسكرية شاملة، لتعويض أي نقص في أعداد المقاتلين وقت الحرب، إذ يلجأ الجيش إلى استدعاء المجندين عند الحاجة.

ثانياً: فكرة التجنيد الإجباري قديمة بقدم الحضارات الإنسانية، بهدف حماية جماعات من هجوم ما خارجي، ونجد انتشار التجنيد الإجباري في روما، ولكنه اقتصر على النبلاء، فقد كان العبيد وأبناء الطبقات الدنيا محرومين من هذه الخدمة الإلزامية حتى لا يخرجوا عن سيطرة النبلاء.

ثالثاً: في العصر الحديث كلما زادت وتيرة الحروب زاد حضور التجنيد الإجباري، ولكن في الفترات الأخرى الهادئة كانت فكرة التجنيد الاختياري واردة، وفي الفترات الأخيرة ومع زيادة التقنية العسكرية والتكنولوجيا قلَّت الحاجة للجنود في الجيوش المتقدمة، وظهر مفهوم آخر هو الخدمة المدنية، وهو عبارة عن عمل تطوعي يقوم به الطلبة أثناء وبعد الدراسة، وهناك الخدمة العسكرية الإرادية، بمعنى أن يقوم الطالب بالتدريب العسكري، وعليه أن يرى بعد انتهاء التدريب سيكمل أم لا.

من خلال هذه النظرة الموجزة نتوصل إلى أن فكرة التجنيد تعرضت لتغيرات واسعة بتغير ظروف المجتمع والنظرة المجتمعية والاقتصادية والعسكرية.

دول قررت إلغاء التجنيد الإجباري

بتتبع عدد الدول التي قررت التخلي عن فكرة التجنيد الإجباري نجد أنه وصل إلى 98 دولة، وهذا العدد مرشح للزيادة، فمنها من رأت أنه من حق كل فرد أن يختار مسار حياته الخاصة دون إجبار، ودول رأت أنها غير معرضة لقلق خارجي ما، ودول رأت الاهتمام بحياة اقتصادية واجتماعية وسياسية أفضل من الانشغال بالعسكرية، ودول رأت أن التجنيد مكلف والأَولى به البحث العلمي.

في النهاية بالمقارنة نجد أن عدد الدول التي أقرت التجنيد 32 والدول التي قررت الإلغاء 98.

مصر والتجنيد العسكري

لن نخوض في سرد الحياة العسكرية في مصر، ولكن دعونا نلقي أسئلة مهمة: هل مصر معرَّضة للخطر أم لا؟ هل يستلزم ذلك تطبيق التجنيد الإجباري؟ ما طبيعة العقيدة العسكرية في مصر؟ وهل تغيَّرت؟

جميعاً لا نختلف على وجود خطر يستلزمه الاستعداد يوماً ما للخطر الصهيوني المجاور لنا غصباً، ولكن هل لا بد من تجنيد إجباري؟ حقيقة قد تكون الإجابة "نعم" أو "لا".

لا يهم الكم ولكن يهم الكيف

أعطني عدداً قليلاً من الجنود لأدربهم جيداً، وبهم أستطيع أن أحارب، أم تعطني كل رجالك ولا أستطيع تدريبهم لقلة الإمكانيات أو لتغير رؤيتي عن مفهوم الدفاع والحماية، وبهم أتعرض لهزيمة نكراء.

كانت العقيدة العسكرية منذ القدم وحتى اتفاقية كامب ديفيد عقيدة قتال، ترى عدوها واضح المعالم مرابطاً على الحدود الشرقية، فهل تغيرت العقيدة العسكرية؟

كل الشواهد المرئية تؤكد أن العقيدة الراسخة تغيرت تماماً، فأصبحنا نرى الجنود بدلاً من الخدمة الإلزامية المحددة، نراهم يخدمون في مصانع الجبن والمعكرونة بدلاً من تدريبهم على المهام الأساسية وبالسخرة، أي أنهم الأعمدة الأساسية لتشغيل هذه المشاريع الكبيرة الضخمة، تأمل وابحث جيداً سيدي وسيدتي.. إنه الجندي المصري فقط لا غير، فماذا سيكون الحال حين يؤدي خدمته إذا اتسمت بالجدية؟

أسأل السؤال الآخر الأهم: هل مفهوم التجنيد الإجباري يلزمه ذلك؟
هل التجنيد الإجباري حماية وطن أم بناء مصانع مكرونة وجبنة مبشورة؟ رجاء أعطني دولة متقدمة ما تستخدم هذا المنهج في ثقافة التجنيد وسأصمت للأبد.

قسوة أم إذلال؟

هل يوجد فرق بينهما، أم المعنى واحد، دعونا نضع مفهوماً محدداً.
القسوة: محاولة وضع شخص ما في ظروف قاسية؛ ليكتسب قوة لمواجهة الصعاب.
الإذلال: محاولة تعريض الشخص لصورة من صور الإهانة بغرض التحقير من شأنه، أو محاولة الضغط لإضعاف همَّته والتقليل من شأنه.

تعالوا نتفرج على ما يحدث مع المجندين هل هو قسوة أم إذلال؟ بمثال بسيط حين تعود أفراد كتيبة عسكرية بكل فئاتهم من لواء وحتى أصغر عسكري على نظام غذائي معين واحد، ويتشاركون في الظروف والصعاب على قدم المساواة، هنا نرى مفهوم القسوة؛ لكي يستطيعوا مواجهة أشد وأصعب مواقف.
ولكن حين تحدث تفرقة على حسب كل فئة، وليس هذا فقط، بل تحقير العسكري بفعل ما لا يطيق، بل يتعدى ذلك لإهانته شخصياً وتعمد التحقير من شخصيته، فهذا لا علاقة له من قريب أو بعيد بفكرة القسوة العسكرية لتربية شخصية قوية قادرة على المواجهة.

بحكم التجنيد الإجباري فنجد كل بيت مصري لديه قصص وروايات ومآسٍ دون أي مبالغة عن صور الإهانة التي يتعرض لها الإنسان المصري.

نأتي لصلب الموضوع التجنيد الإجباري نعم أم لا؟

لو فكرنا قليلاً بهذه الطريقة المهينة، وعدم استفادة الجنود من فترة التجنيد سوى المهانة والتحقير، فما الداعي للتجنيد الإجباري؟ أم أنه مهم لتشغيل المصانع والفنادق بعمالة رخيصة، ويا للعجب فهي مجانية.
إذاً لنجعل التجنيد اختياريا لَمَ لا؟

ولكن ماذا لو تغيرت المعاملة، وتغيرت العقيدة لتدريبات حقيقية، وعودة مفهوم حماة الوطن بجد، والرضا بمعنى القسوة الضرورية دون تحقير النفس البشرية، فكروا معي ماذا سيحدث؟ سنجد كل أسرة تشجع أبناءها على هذا التجنيد لخدمة الوطن، لو نفهم معنى كلمة وطن وحمايته لما لجأنا أبداً لهذه الطريقة المريضة في التعامل مع جنودنا.

وما زال السؤال المعلق التجنيد إجباري أم لا؟ في الحقيقة الخطر يجبرنا، وسوء العقيدة يبعدنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.