المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سناء مبارك Headshot

عن معاركنا الجانبية

تم النشر: تم التحديث:

كانت صديقتي تستقبل كل تلك الاستفزازات بابتسامة عريضة، قبل سنوات كنتُ في زيارتها بعد أن تزوجتْ وذهبتْ للعيش في بيت عائلة زوجها، هناك حيث أُفردَ لها طابقٌ مستقل، لكنها في الواقع كانت تتشاركه مع حماتها التي لم تفارقنا طوال الوقت وظلتْ تناكدها أمامي كل الجلسة، لم أكد أصدق عيني وأنا أرى كل ذلك الاستسلام من صديقة عمري صاحبة الشخصية اللامعة، الصاخبة والمميزة.

كانت تعرفني وتحفظ خرائط وجهي، تشاركنا من قبل كل المآزق الممكنة، أظنها قد رأتْ على ملامحي ذلك الكدر الذي يغطيها كلما رأيتُ أحدهم عاجزاً عن المواجهة.. لمّا ودعتني بجانب الباب عانقتني طويلاً وقالت لي: "لا تقلقي سناء، أنا سعيدة وأمام هذه السعادة يبقى كل ما رأيتِه معركة جانبية لا وقت لي ولا رغبة في خوضها".

طوال الطريق قلّبتُ هذه الجملة في رأسي على كل الجهات، وكلّما أردتُ أن أواجه حقيقتها شعرتُ بضآلة انفعالاتي، لقد فتحتْ لي باباً نحو قبو لم أكن قد اكتشفته، سرداب في الرأس يمكن لأحدنا أن يضع فيه متعلقات هذه "المعارك الجانبية" ويغلق عليها الباب.

بعد ذلك قررّت أني سأحظى بهذه المساحة التي أكدّس فيها المخلّفات من نوع "المعارك التي لا وقت لي ولا رغبة في خوضها"، كانت هذه المساحة صغيرة في البداية، كنت أجد صعوبة في فرز معاركي الهامشية، كنت أشعر أن كل حروبي التي أخوضها أساسية وشرعية، كل مشاعري السلبية مبررّة، كل استيائي ذو حجة، كل مآخذي طبيعية، كل تحفظاتي معذورة، كل مخاوفي حقيقية، حتى إني كنت شعرت بهوان التخلي عن هذه المعارك؛ إذ لا يمكن لأحدنا أن يقر هكذا وبسهولة أن كل تلك الأوقات التي قضاها في التدبير لأمور تشغله بأقصى درجة لم تكن إلاّ منازلته اليائسة مع الريح.

لي صديق أحبه كثيراً ونحن أصدقاء مقرّبون، يعيش في غمرة حالة من الغموض فرضها على نفسه بنفسه، لا يخبر أحداً عن أي شيء، لا مكانه عندما يغيب، ولا عن عمله، ولا علاقاته، ولا بما يفكر أو يشعر، حتى أبسط الأسئلة يتعمد ألاّ يجيب عليها إلا مراوغاً، فارضاً على نفسه هالة "الشخص الغامض" ويتمسك بها بإصرار عجيب، معتقداً أنها "إكسير الجاذبية".. يصارع لأجل حيازة حقه هذا في كل الجهات، في كل مرة يقرر فيها أنه سيخوض حرباً ضد فضول الآخرين تجاه حياته تكون هذه معركته المقدسة التي يحشد لأجلها كل الجهد، ويجني فيها تكهنات البشر من حوله وشكوكهم، ثم ينهار نفسياً.


أراقبه من بعيد وأفهم تماماً ما الذي يشعره في مغبّة هذه المنازلة المرهقة، أستدعي في سرِّي كل مرة شخصية الفارس النبيل دون كيخوتي دي لامانتشا في رواية الروايات "دون كيخوتي"، كانت شخصية الدون؛ كما كتبها الإسباني ميغيل دي سيربانتيس، مولعة بقراءة كتب الفروسية والشهامة حتى اختلط عليه الواقع بالخيال، فقرر أنه ليس هو وإنما ذلك الفارس من زمن قديم، وجعل يسري بين الناس لابساً درعه وخوذته ممتطياً حصانه، معلناً حربه على قوى الشر والظلام مدافعاً عن الضعفاء، ولأجل هذه الغاية الرفيعة خاض منازلة ذات مرة مع طواحين الهواء، معتقداً أنها شياطين بأدرع هائلة، فما كان من هذه الشياطين المتخيلة إلا أن دارت به ورمته على الأرض مرضوضاً غائباً عن وعيه..

ومن ينسى كيف هاجم لوحده جيشاً جراراً علا غباره متيقناً أن هذه معركته الأثيلة التي سيخلدها الزمن، ولكنه في الحقيقة كان يخوض حربه ضد قطيع من الأغنام نتج عنها نفوق عدد لا بأس به من الماشية المسكينة، وخلص الأمر إلى مهاجمة دون كيخوته نفسه بأمطار من حجارة الرعاة.

والآن، ماذا لو علم أحدنا أن أسمى معاركه في الحياة ما هي إلا معركة دون كيخوتي، ربما تكون وهمية ولكنها في الغالب حقيقية، حقيقية وعبثية بالمعنى الأدق.

أسأل نفسي كل مرة كيف أقرر إن كانت معاركي في الحياة حقيقية ومصيرية أم جانبية؟ وأجد من الصعب الإجابة على هذا السؤال بشكل مطلق، ولكن ربما يمكننا اتباع الطريقة القديمة في المقايضة (المنفعة مقابل الثمن)، سيكون علينا أن نضع معاركنا ومشاغلنا واهتماماتنا كلها على هذا الميزان، ومن الملزم أن ترجح كفة المنفعة بمعناها السامي حتى يستقيم الأمر.

في رواية "ضوء بين المحيطات" التي تحوّلت لفيلم مؤخراً، تقول الأسترالية إم.إل. ستيدمان: "كي تسامح عليك أن تفعل ذلك مرة واحدة، ولكي تحقد سيتوجب عليك أن تفعل ذلك طوال الوقت، كل يوم".

هذه الجملة الغائرة في الروعة تقربنا كثيراً من المعنى السامي للمنفعة، وتتيح لنا أن نتساءل بوضوح حول ما نفعله في الحياة ومردوده النفسي والمادي والأخلاقي، وعندما ندرك ما يمكننا أن نتخلى عنه ونضعه في سرداب "المعارك الجانبية التي لا وقت ولا رغبة لنا في خوضها"، سندرك بوضوح أنه لا حاجة للمرء في خوض معركة لا تضعه في خضم الحياة الواقعية ولا تقربه من السعادة والراحة والنجاح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.