المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

أجِع كلبك يأكلك!

تم النشر: تم التحديث:

يروى أن أول مَن قال "جوّع كلبك يتبعك" أو " أجِع كلبك يتبعك"، هو ملك ظالم من ملوك حمير، كان يسلب شعبه مالَهم، ويغصبهم ممتلكاتهم، حتى أصبحوا فقراء لا مال لهم ولا جاه، وفي يوم اجتمع الفقراء على باب قصره يستجدون منه ولو الشيء القليل، فسمعت زوجته أصواتهم، فقالت له: "ارحم هؤلاء مما يلاقون من فقر وجوع فإني أخاف عليك أن ينقلبوا سباعاً، وقد كانوا لنا أتباعاً"، فرد عليها الحاكم الظالم: "أنا أعلم بشعبي من غيري، جوّع كلبك يتبعك"، وبقي بعدها زمناً، حتى غزا بهم فغنموا فلم يقسم فيهم شيئاً كعادته، وعندما خرجوا من عنده لقوا أخاه وهو أمير عليهم أيضاً، فقال بعضهم له: "ألا ترى ما نحن فيه من ضيق حياة وفقر، وإن الصبر قد نفد، وإنا لكارهون أن تخرج الإمارة عنك، فإما أن تكون لنا أمير، وإما أن تتركنا نولي منا أميراً"، فوثب إلى أخيه فقتله، فمرَّ عليه عامر بن مجذوم، وهو مقتول، وقد سمع بقوله: "جوِّع كلبك يتبعك"، فقال له "جوِّع كلبَك يأكلك".

إن التجويع والفقر والجهل والمرض والتخلف ما هي إلا فن من "فنون السياسة" التي كثيراً ما يُجيد استعمالَها الحاكمُ الظالم والمستبد للسيطرة على شعبه، تماماً كما يستعملها المستعمر مع شعوب أخرى لذات الغرض، إيماناً منه وتصديقاً بالمثل القائل "جوّع كلبك يتبعك"، فكلما اشتد الجوع بالكلب لهث وراء سيده وأطاعه لا لشيء إلا ليطعمه.

تحت هذا المبدأ المعتقد الزائف، تعمد الطغاة والفاسدون والمستعمرون واللصوص التعامل مع شعوبهم، فعمدوا إلى تجويعهم حد الكفاف، وتجهيلهم حد التخلف، إلى أن طأطأوا رؤوسهم وانكسرت ظهورهم، سعياً وراء لقمة العيش التي باتت أقصى أمانيهم وغاية مبتغاهم الذي يريدون.

لقد وُلدنا جميعاً وترعرعنا على مبدأ "شدّوا الحزام" أو "اربطوا الحزام"، حتى ظننا "وفي الظن إثم"، أن الحزام فرد من أفراد العائلة لا بل وأهم فرد فيها، وعلى الرغم من طاعتنا وربطنا للحزام على بطوننا وبطون أبنائنا وأبناء أبنائنا حتى اهترأ الحزام وانقطع من عزم شده وربطه، إلا أن الأزمة الاقتصادية لم تحل ولم تنتهِ! فوصلنا إلى قناعة بأننا حتماً سنموت وبطوننا مشدودة به، ولكن، ليس هناك من مشكلة، فقد اعتدنا عليه وأصبح بيننا وبينه "عِشرة عمر" و"خبز وملح"، وعلى أمل أن تتغير الأحوال أنشدنا "اشتدت أزمة تنفرج" و"الصبر آخره الفرج"، لكن الأزمة لم تنفرج بل اشتدت وأصبحت الأوضاع أكثر سوءاً، فبدأت وسائل الإعلام "بوق سادتنا" تعيد وتكرر على رؤوسنا ليل نهار، أن الغذاء العالمي من القمح والسكر والأرز وغيرها في تناقص حاد، وعلى وشك الانتهاء، وعلى الشعب التضامن والتكاتف لاجتياز الأزمة والنهوض بالبلاد، فلم يجد الشعب من بُد سوى أن أكل "هوى" ثلاث وجبات يومياً بدلاً من أكل الخبز واللحم، لكن الدولة استكثرت عليه الثلاث وجبات على اعتبار أن وجبة العشاء تؤدي إلى السمنة، فقرر الشعب عن "طيب خاطر" أن ينام على "معدة فاضية"، خوفاً من أن ينفد الهواء، وخوفاً من السمنة!

وجاء الماء بعد الغذاء، والحق يقال إن الدولة مشكورة في توصيل "الماء الملوث" إلى كل بيت وزقاق، فعلى ذمة البحوث "لا ذمة الدولة" أن المياه التي تصل إلى البيوت هي مياه غير صالحة للاستعمال الآدمي، ولا يصح الاستحمام بها، فكيف بشربها؟! ولأن موارد الدولة ضعيفة وميزانيتها لا تسمح بتحلية المياه واستصلاحها، كما صرح أصحاب المقامات الرفيعة في الدولة، وأصحاب المقامات لا يكذبون أبداً، لم يكن أمام الشعب "حمَّال المآسي" سوى أمر من اثنين؛ إما أن يشرب من تلك المياه "بالهناء والشفاء"، ولا أظنه سيشفى أبداً من الأمراض التي ستصيبه حتماً من مياه الصرف الصحي، وإما أن يستغني من استطاع ويشتري الماء بماله، ومن استطاع في بلادنا أقل بكثير ممن لا يستطيع، ولكن، لا ضير في هذا، فالشعب الفقير ليس سوى كلاب، ولا بد من التعامل معهم على مبدأ "عطّش كلبك يتبعك".

ليس من منكر بأن الشعب هو الوحيد الذي يدفع فاتورة الحياة الصعبة إذلالاً وفقراً، بينما يتمتع الولاة برغدها وترفها، ولولا هذه المعادلة الظالمة لما انقسم الناس في مستوى معيشتهم إلى مستويين متباعدين بعد الأرض عن سمائها؛ لأن المستبد يأبى على الدوام أن يقاسم الرزق أو يشاركه مع غيره، وإن كان كثيراً، فهل من أحد سمع بملك أو رئيس يشكو غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وقلة الراتب؟ قلة الراتب! فهل يتقاضون رواتب؟ بالتأكيد يتقاضون رواتب، ويعانون كباقي الشعب "المسخم" من نفاده قبل نهاية الشهر، ولولا العمل الإضافي "الأوفر تايم" الذي يقومون به ليل نهار لخدمة الشعب، والذي يصعب جداً تقديره، لكانت أحوالهم المادية ليست على ما يرام!

أم هل هناك من سمع بأن أحداً من حكامنا "أطال الله أعمارهم" يدفع فاتورة الكهرباء أو الماء؟ أو أن الكهرباء انقطعت ولو "سهواً" عن قصورهم العامرة؟! قطع الله ألسنتنا بما نقول من زور وبهتان، فهذا الأمر ضرب من خيال، لا لشيء، سوى أن حكامنا "الحمد لله" يدفعون فواتيرهم أولاً بأول، ولهذا يستحيل أن تنقطع الكهرباء، وإن كانت قصورهم تستهلك الكهرباء بقدر ما تستهلك مدينة بأكملها!

أم هل يعاني علية قومنا مثل بسطائه من سوء التعليم والصحة والخدمات؟ ربما.. لا أجزم بالإجابة، لكنني أجزم بأنه لو تنازل أي منهم وذهب إلى أحد المستشفيات الحكومية لزيارتها وليس للعلاج "لا سمح الله" فسيخرج منها وهو على يقين بأنها أعدت للبقر وليس للبشر، وأظنها مقارنة خاطئة إذا ما شاهدنا كيف يربي الهولنديون أبقارهم!

أما عن أزمة البنزين والوقود وغلاء أسعارها، فلا أظن أنها لم تطَل القادة "المساكين"، لا سيما أن موكب الحراسة لأي منهم ليس بشيء يذكر على الإطلاق، بضع عشرات من السيارات فقط بأقل تقدير، وطائراتهم الرئاسية الفارهة التي تدور حول الكرة الأرضية بعدد دوران الأرض حول نفسها "رايحة جاية.. رايحة جاية"، لا لأمر سوى لخدمة الشعب والوطن، ولا بد أن جل تلك النفقات هي من دخلهم الخاص، فكم يبلغ دخلهم يا ترى؟ اللهم لا حسد ولا ضغينة، فالشعب على علم تام بأن الدنيا مقامات، والكلاب لا مقام لها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.