المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

الاقتصاد المصري يتعافى بـ"الفكة" وأزمة الكهرباء تحل بـ"اللمبة"!

تم النشر: تم التحديث:

"أنا عايز في صندوق تحيا مصر على الأقل 100 مليار جنيه؛ لأن البلد محتاجة"، بهذه الكلمات القوية والثابتة، وبهذه اللهجة الحاسمة والعازمة على التغيير، استهل الرئيس "السيسي" عهده الرئاسي الجديد، مشدداً على أغنياء مصر في الداخل والخارج على ضرورة التبرع للصندوق، قائلاً لهم صراحة: "هتدفعوا يعني هتدفعوا"، مما دفع فقراء مصر ومساكينها للاستبشار خيراً، لا بل والتهليل فرحاً وغبطة، برئيس قوي كهذا لا يبالي بكراهية الأغنياء له ولا باستعدائهم، في مقابل تأمين لقمة عيش كريمة لفقراء بلاده، في الوقت الذي عانوا فيه الأمرَّين من تزلف السلطة لأصحاب الأموال ورجال الأعمال، والذي تسبب في تفاقم حجم الفساد في جميع مؤسسات الدولة.

"ذاب الثلج وبان المرج"، وسرعان ما أصبح السيسي مطالباً بتنفيذ "معسول خطاباته" على مرارة أرض الواقع المصري، وعندما فشل في ذلك فشلاً ذريعاً ووقف عاجزاً إزاء هذا التحدي الكبير "وحتى لا يبدو أن سوء سياسته في إدارة البلاد هي حجر العثرة الأكبر في هذا الفشل البين"، طاف الأرض شرقاً وغرباً وشقَّها طولاً وعرضاً، بحثاً عن مساعدات مالية إضافية يقدمها له متبرعون جدد، وعندما يئس -أو كما يقال "غلب حماره"- لم يجد له من بُد سوى أن يفتش في جيوب أصحاب "الملاليم" من شعبه ويقاسمهم قوت يومهم، بعد أن خيَّب أصحاب "المليارات" آماله.

وبدلاً من أن يحل هو مشكلاتهم، طلب منهم مساعدته في حل مشكلاتهم ومشكلات مصر الاقتصادية بأكملها، ولذا أصبحوا أبطال خطاباته الطويلة والمملة على الدوام، مذكراً إياهم ليل نهار بضرورة الوقوف بجانب مصر، وإن كانوا عاطلين عن العمل أو لم يجدوا طعاماً يأكلونه، متناسياً أنهم الأحوج إلى أن تقف مصر إلى جانبهم، وليس العكس، وأن في مصر مَن هم أولى بالوقوف إلى جانبها من الأغنياء ورجال الأعمال، وحتى تكون خطاباته أكثر مصداقية وأشد تأثيراً في نفوسهم لم يجد أدنى حرج أن يقول لهم أمام العالم: "والله العظيم، لو ينفع أتباع لأتباع علشان نعمل للناس ما يليق بيهم"، ولكن -للأسف- لم يجد له مشترياً، وبالتالي لم يقدم للبسطاء أي أمر يليق بهم، وبقي حال كل منهما على ما هو عليه.

نجح "السيسي" في استقطاب عدد كبير لا بل وكبير جداً، من المتابعين لخطاباته بـ"شغف" من داخل مصر وخارجها، ليس لأن خطاباته تقف على ذلك القدر الكبير من الأهمية.. أبداً، بل لأن الجميع أصبح على يقين بأن ثمة أمراً جديداً "مسلياً" سيجلبه "السيسي" لهم في كل خطاب من خطاباته "العصماء".

ومن أكثر الاقتراحات السيسية ظرفاً هو "صبَّح على مصر بجنيه"، وبعملية حسابية بسيطة قام بها على الهواء مباشرة -فهو على ما يبدو يهوى إجراء العمليات الحسابية رغم فشله المتكرر في الوصول إلى الإجابة الصحيحة- أوضح للشعب أن ناتج هذه "الفكرة البسيطة" سيكون له أثر كبير في دعم اقتصاد مصر المتهاوي؛ ليتبين فيما بعد أن التصبيح على مصر لم يكن بجنيه بل بخمسة جنيهات.

وحول أزمة الشباب والبطالة كان لـ"السيسي" تصريح لا يقل سذاجة عن سابقيه، حين صرح قائلاً في خطاب له: "انتهينا من تجهيز خمسمائة عربية خضار للشباب، لبدء تشغيلها وللحد من البطالة والشباب ينزلوا يشتغلوا وياكلوا عيش"، وكأن هذا العدد القليل والقليل جداً كفيل بحل أزمة البطالة في مصر والمقدرة بملايين العاطلين عن العمل.

وعن أزمة انقطاع الكهرباء التي تعاني منها جميع محافظات مصر، والتي تسببت في وقف المترو عن الحركة، لم يجد السيسي مقترحاً أفضل من الدعوة إلى استخدام "اللمبة" الموفرة للطاقة، كما أسلف سابقاً، عندما كان مرشحاً للرئاسة، ورغم سخافة المقترح وسذاجته، فإن إعلامه المبجل صوَّر اقتراحه هذا على أنه "طفرة فكرية" لا مثيل لها في حل أزمة انقطاع الكهرباء، وعلى الرغم من تطبيق اقتراح السيسي، فإن الأزمة لا تزال تضرب أطناب البلاد طولاً وعرضاً.

وعن أزمة البنزين وارتفاع أسعار الوقود، صرح "السيسي" قائلاً: "لو حضرتك راكب عربية هتدفع تقريباً أربعة جنيه في العشرين كيلو دول، ومصر هتدفع تمانية جنيه في العشرين كليو دول، يعني أنا لو اتمشيت لو كنت أقدر، أو لقيت وسيلة زي كده، هدّي مصر 16 جنيه؟ أيوه طب لما يكون معايا 3 آلاف بيعملوا كده، يبقى في اليوم بكام؟ أنا قلت على مشوار واحد مش كل المشاوير، أيوه مش هتتبني بلدنا غير كده".

هكذا جاء حديث الرئيس لأصحاب السيارات، وبدلاً من أن يفرض ضرائب تصاعدية على أصحاب السيارات الفارهة، اختار الطريق الأسهل بفرض ضريبة القيمة المضافة، بدلاً من ضريبة المبيعات، رغم أن القيمة المضافة لها تأثير مباشر على المواطنين على اختلاف مستويات دخولهم؛ لأنها ضريبة على استهلاك السلع والخدمات، ولا يتحمل عبأها سوى المستهلك في النهاية.

أما عن آخر "صيحات السيسي"، على وزن آخر "صيحات الموضة"، هو مطالبته لرؤساء البنوك المصرية بتحصيل باقي المعاملات اليومية فئة الخمسين قرشاً والجنيه، قائلاً: "يعني ما ينفعش ناخد الفكة اللي في المعاملات ونحطها في حساب لمصر!"، وبعملية حسابية جديدة كما عودنا دائماً، قال: "أصل انت بتتكلم في عشرين أو تلاتين مليون إنسان لما ناخد منهم الفكة دي هتعمل فرق"، وبكل أدب ولطف اختتم طلبه هذا قائلاً: "لو سمحتوا أنا عايز الفلوس دي".

ما زال السيسي مُصراً على "إتحاف" شعبه بحلول جديدة غريبة ومبتكرة، رغم كل النقد اللاذع الذي يتعرض إليه في أعقاب كل خطاب، والجميع يتساءل في السر والعلن: "من أين يأتي السيسي بهذه المقترحات الفتاكة؟ وهل هي من بنات أفكاره؟ أم أن هناك مَن ينعم عليه بمثل هذه الحلول التي لا مثيل لها؟ وبالطبع لا أحد يجزم بالإجابة! فعلى ما يبدو أنه سر حربي من أسرار القائد العسكري "الفذ" التي لا يمكن الاطلاع عليها.

سواء أكانت تلك الاقتراحات "الفذة" أفكاراً شخصية نابعة من الوجدان والعقل السيساوي، أو مأخوذة من مصدر آخر هو "مشكور" على كل الأحوال، فلا بد أن يعلم "السيسي" أن مصر ليست "دكاناً على ناصية الشارع" حتى لا ينفك يحدثنا عن الدور الجبار الذي تلعبه الفكة والجنيه في تحسين أوضاعها المعيشية، كما على "السيسي" أن يعلم أيضاً أن اقتصاد بلاده الذي تشير التقارير الدولية إلى تراجعه خلال السنوات الأخيرة بمعدلات عالية جداً، لا يمكن تقليصه في "العمليات الحسابية" التي يعتقد أنها كافية لإقناعنا بأن الأمور ستجري على أفضل حال إن قام الشعب الفقير بتطبيقها كما أمر وأراد.

غير أن الاقتصاد المصري الذي أصبح على شفا الإفلاس، كما صرحت الـ"إيكونوميست"، المجلة الاقتصادية الأشهر عالمياً، في ملف خاص لها تحت عنوان "خراب مصر على يد السيسي"، لا يمكن أن يتعافى بجمع "الملاليم" من جيوب الفقراء، بل بالبحث عن المليارات التي تم إهدارها في مشاريع وهمية أو شبه وهمية، وبضخ أموال المساعدات الخليجية السخية التي قدمت له في السوق المصرية لتشغيلها وليس لاحتكارها؛ إذ لا يعرف حتى الآن فيم أنفقت؟ وإلى أين ذهبت؟ واستغلال أموال التبرعات بتحسين الوضع المعيشي للفقراء، بدلاً من إهدار قرابة الستة ملايين جنيه في تجديد مقر صندوق "تحيا مصر"، علَّ وعسى وربما ويا ليت، يستطيع بهذا إنقاذ ما تبقى من مصر، إن كان قد تبقى منها شيء؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.