المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

أعيش لأجدني

تم النشر: تم التحديث:

ما زلتُ أعجز عن وصف ما اعتراني من مشاعر وأحاسيس حين أكملت قراءة كتاب "أموت أنا كي أكون" لـ"أنيتا مورجان"، الذي تتحدث فيه عن رحلتها القاسية والمضنية مع "السرطان"، وما زلت أسأل نفسي إلى يومي هذا: هل سكن هذا الكتاب جوارحي - حتى حفظت سره عن ظهر قلب - أم أنا التي أسكنته؟ هل غير حقاً الكتاب شيئاً في نمط تفكيري أم أنا التي تغيرت؟ هل علمتني عباراته وكلماته أشياء كنت أجهلها أم أنا التي نضجت؟ هل استغرقني الكتاب أم أنا التي استغرقت؟ ظلت هذه الأسئلة تراود تفكيري كثيراً، حتى وصلت إلى نتيجة أقنعتني، "أنا أو هو" لا يهم، فالفارق ليس ذا أهمية، ذلك أنني وإياه كنا لبعضنا سنداً وظهيراً، فقد كان متحدثاً رائعاً لي، وكنت أنا منصتة مخلصة له، إلى الحد الذي جعلني أقرر لحظة إغلاق الكتاب، فتح نافذة جديدة في حياتي سميتها "أعيش لأجدني"، لقد قررت أن أبحث عني حتى أجدني "فعلاً"، لقد أيقنت أن بداخلي أشياء كثيرة أجهلها على الرغم من روعتها، لقد آمنت أن إرادتي وعزيمتي قادرتان على فعل ما لا يقوى عليه جسدي، فعزمت أن أخضع جسدي لإرادتي، وأبدأ بفعل كل ما كنت أظن أني لا أقدر على فعله، لقد علمت أن لا خير يرجى من بشاشة وجهي ونضارته، إن كانت نفسي قد ناهزت الثمانين من عمرها وأصيبت بالشيخوخة، لقد علمت أن عملي لا يقوم به إلا ساعدي، فقررت أن أعمل حتى الممات، لقد علمت أن نوائب الدنيا ومصائبها ليست طريقاً ليأسي وحزني، بل طريقاً لصبري واحتسابي، فقررت أن أجعل طريقي إلى الله عامراً راضياً وواثقاً.

لقد حدثني هذا الكتاب بما كنت أحدث به نفسي من قبل، لكني لم أكن أتلمسه جيداً، ولم أكن لأصل إلى نهايته وحدي حتى أوصلنيه هو، "نعم" قد نجهل أنفسنا بأنفسنا، وقد نبدو على غير حقيقتنا، ونحن نظن كل الظن بأن لا حقيقة لنا غيرها، وقد نكون مختلفين تماماً عما كنا نظن أننا عليه، أو ما كنا نفعله، أو نحدث أنفسنا وغيرنا به، أو ما كنا نكتبه عنا بأيدينا، وقد نمضي دهراً ونحن نجلب لأنفسنا ما كنا نظنه يناسبها "بينما هو أشر الأمور إليها"، وكنا ندرأ عنها ما نظن أنه لا يناسبها لنعلم فيما بعد "أنها كانت لأنفسنا حياة"، نحن من نحجم أحلامنا وآمالنا أو نقتلها في بعض الأحيان بأيدينا، إيماناً منا بضآلة قدراتنا وقلة حيلتنا، بينما الحقيقة أن في داخل كل منا قوة يجهلها أو يروق له أن يجهلها، متناسياً أن القدرات كالأحلام تماماً، لها أجنحة وباستطاعتها الطيران، إلا أننا فضلنا أن نحلق بأحلامنا فقط إلى عنان السماء، ونخبئ قدراتنا في صناديق مغلقة.

إن اختلافنا عن أنفسنا لا يقل قدراً عن اختلافنا عن غيرنا، بيد أن حاجتنا لأنفسنا أهم بكثير من حاجتنا لغيرنا، فما الضير إن جهلنا حقيقة غيرنا؟ لكن المصيبة "جل المصيبة" أن نجهل حقيقة أنفسنا، ولهذا يستميت الكثير منا لإيجاد صديق أو رفيق أو قريب أو حبيب، ليفهمه، أو ليفضي إليه، أو ليشاركه أفراحه وأتراحه، وقد يجد هذا أو لا يجد، ثم يخرج في النهاية بحكمة غريبة عجيبة "لا وجود للصداقة، ولا وجود للأخوة"، وليعيش باقي أيامه على هذا المنهج والمبدأ الضال والمضل، ليس لأنه لم يجد صديقاً صدوقاً يفهمه حقاً أو يخلص إليه، بل لأنه لم يكن يوماً صديقاً مخلصاً لنفسه ولا صادقاً معها، ولم يفهم خوالجها واحتياجاتها فكيف يفهمها غيره أو يحبها؟ هو من لم يؤمن بنفسه ولم يدفع بها إلى الأمام حتى يؤمن بها غيره ويعطيها قدرها، ولذا يشكو كل منا للآخر ضيق الأرض عليه بما رحبت، والحقيقة بأن الأرض لا حول لها ولا قوة، ومن ضاقت بنا هي أنفسنا وليست الأرض.

إن خوالج النفس وتناقضاتها أمر لا يعيبها أبداً، ولا يتطلب منا إنكارها أو مواراتها لهثاً وراء الكمال، وسعياً وراء الجمال، والسبب بسيط جداً، هو إيماننا بأن كمال النفس بنقصها، وجمالها بتناقضها، فمتى وقفنا على هذه الحقيقة "جدياً" نكون قد اقتربنا كثيراً من أنفسنا ومن ذاتنا كثيراً، لذا فنحن لا نحتاج إلى بحث عن ذاتنا، نحن نحتاج إلى فهم ذاتنا، والإيمان بها، ومحبتها، والعيش لها، حتى نكون قادرين على حب غيرنا، والإيمان به، والعيش له، ولذا يجب أن تكون ذاتنا هي "بوابتنا للعالم" وليس العكس؛ لأن "فاقد الشيء لا يعطيه، بل يسيء إليه"، تماماً كالجاهل الذي يفتي بغير علم فيسيء للعلم، في حين أن الجهل بالشيء ليس بنقيصة للشخص ولا مذمة، فكلنا جاهل مهما ارتفعت درجات علمنا ومعرفتنا، ونصف العلم "كما يقال" هي كلمة "لا أعرف"، لكن النقيصة أن نواري جهلنا بادعائنا العلم، وهذه تحديداً هي خطيئتنا تجاه أنفسنا، وهي محاولتنا كل الوقت تغطية عيوبنا بالنقيض البعيد جداً عن حقيقتها، وبالتالي نحملها أحمالاً فوق طاقتها، ونزج فيها ما لا تطيق حمله، فنجلب لأنفسنا المرض العضال والشرخ العميق الذي لا شفاء منه، ونحمل وزرنا ووزرها وقد كنا عنه في غنى عن ذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.