المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

أمريكا وروسيا على المائدة السورية

تم النشر: تم التحديث:

هل من ساذج ما زال يصدق أن أحداً من الفصائل المتناحرة والمتقاتلة في سوريا يحمل السلاح ويقاتل من أجل تراب سوريا وحرية سوريا؟ أم ما زال هناك مصدق بأن "بوتين" الذي استدعى بارجاته القتالية وترساناته العسكرية، من مئات آلاف الكيلومترات إلى سوريا قد فعل هذا حباً وكرامة لعيون حليفه المخلص الرئيس "بشار الأسد"؟ أو أن "راعية السلام العالمي" أميركا ومن خلفها "أخواتها" لا تزال تحشد المقاتلين وتستحضر المرتزقة من كل فج عميق وبكل الأثمان، وتشرف على تدريبهم وتسليحهم وتجهيزهم والزج بهم في المعركة السورية للدفاع عن الشعب السوري المستضعف، وعن حقه الشرعي في اختيار الرئيس الأصلح لبلاده؟ وأن عشرات المليارات التي أنفقتها إيران "وستنفقها" في سوريا، هي لأجل الأعمال الخيرية وصدقات جارية والإصلاحات التحتية التي لا مقصد منها إلا وجه الله عز وجل، بهدف احتسابها في ميزان حسناتها يوم القيامة؟ أو أن التسهيلات التي أوجدتها تركيا لتسهيل وتيسير مرور مقاتلي المعارضة إلى سوريا ذهاباً وإياباً، ليلاً ونهاراً، عبر أراضيها هو إحدى ضرورات حسن الجوار وواجب من واجبات الجار القوي تجاه جاره المنكوب؟ بالتأكيد لم يعد هناك ولو "مخبول مصاب بالهطل" يظن هذا ولو من قبيل حسن الظن، وإن كان بينه وبين نفسه، فـ"ألف باء» سياسة معلوم لديه أنه مذ أول يوم شمرت فيه تلك دولة أو غيرها عن ساعدها لتضع "خيطاً في مغزل" داخل سوريا، إلا وكانت تعلم "مسبقاً" أن ما ستغنمه منها هو أعظم من هذا بكثير فـ"مصائب قوم عند قوم فوائد"، وفوائد "روسيا العظمى" و"أميركا" في سوريا لا تعد ولا تحصى، بل وتتجاوزها إلى حد إثبات وجود وفرض سيطرة في المنطقة، ولذا كانت رحى الحرب الطاحنة في سوريا برداً وسلاماً عليهما، بينما يتلظى في لهيبها الشعب السوري الأعزل، ذلك لأن الغنيمة وهي سوريا "دسمة جداً" إلى درجة يصعب معها التفريط أو التنازل عن أي جزء منها أو منفعة، ولذا لا ضير من خوض معركة دامية طاحنة على أرضها من أجل نهب خيراتها، تحت اسم وشعار "عاشت سوريا حرة أبية"، وهي الموءودة التي لا عزاء لها ولا نصيب في الحرية أو الحياة.
لا أعلم إن كان طريفاً أم محزناً ما نسمعه من بعض التصريحات بين الحين والآخر، على لسان المعارضين للنظام تارة، أو المؤيدين له تارة أخرى، بأن كلاً منهما مستمر في خوض المعركة إلى نهايتها، فإما الشهادة وإما نصر مؤزر من عنده عز وجل، وأن كلاً منهما على ثقة بأن عدوه إلى زوال، وأنه في انتظار عودة العيش الرغد والهنيء بعد استقرار الأوضاع في سوريا كما وعده حليفه الذي زج به في هذه المعركة، والحقيقة أني أتساءل في كل مرة يترامى إلى أذني مثل هذا الحديث، أكاذبون هم أم أغبياء؟ أسذج هم أم متحاذقون؟ عن أي نصر يتحدثون وأي مغنم يغنمون؟ وهم لا يملكون في حربهم هذه لا ناقة ولا جملاً، وما هم إلا جنود في لعبة شطرنج يصولون ويجولون في ساحة المعركة حتى وقت مسمى ثم يعود كل منهم من حيث أتى خاوي الجيب صفر اليدين، وأن قتاله مرهون إلى زمن جلوس القوى العظمى (أميركا وروسيا) على مائدة سوريا لتقسيم وتوزيع جميع مناطق النفوذ بينهما (جغرافياً - سياسياً) بالورقة والقلم، وبالتأكيد "وليس على ما نظن" بأن هذه القسمة لن تتم بناء على مصالح السوريين، ولن يكون على رأس أولوياتها توزيع مناطق الثروات بين السوريين بالتساوي حسب حاجاتهم المعيشية من حيث المأكل والمشرب والمسكن، إنما ستكون القسمة على ضوء مساعي واشنطن إلى بناء قاعدة عسكرية كبيرة جنوب عين العرب، حيث حليفتها "الأكراد"، وبناء على رغبة ومصالح روسيا واحتفاظها بقاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس، التي تعد آخر قاعدة بحرية وآخر أسطول عسكري لها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وحماية لوجودها العسكري في حميم والشعيرات وغيرها، وعليه سيكون نهر الفرات هو الحد الجغرافي والسياسي الفاصل بينهما، ذلك أن الولايات المتحدة تركّز اهتمامها منذ تدخلها العسكري في سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، على المناطق الواقعة شرق النهر، وهي المناطق التي تضم أكثر ثروات سورية الطبيعية، مجتنبةً بذلك الدخول في الصراع الدائر غربه بين النظام والمعارضة، ولأنها تدرك جيداً بأنه لا سبيل للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (حيث المصالح الأميركية الكبرى)، إلا بحرمانه من عمقه السوري، فسقوط الموصل تم التخطيط له وتنفيذه انطلاقاً من الأراضي السورية، وبعد أن تسنّى لتنظيم الدولة السيطرة على الرقة، ووصل شرق سوريا بغرب العراق. أما روسيا التي زجت بنفسها في المعركة السورية بعد تدخل أميركا بعام تقريباً، والتي لا ينفك لعابها يسيل منذ خمس سنوات من أجل الاستحواذ على كل حبة تراب سورية، فتضع جل اهتمامها وتركيزها على المناطق الواقعة غرب النهر، في ما يسميه بعضهم "سوريا المفيدة" كما أطلق عليها أيام الانتداب الفرنسي، إلا أن "سوريا المفيدة" لا تستطيع العيش من دون شرقها، فالشرق يحتاج إلى سوقٍ لبيع النفط والغاز والقمح، كما يحتاج منفذاً على العالم، وهو يعتمد، فوق ذلك، على مساعدة غرب البلاد في أوقات الجفاف أو انهيار أسعار النفط، ولذا لا تزال الحرب قائمة بينهما، فخارطة سوريا الجديدة لم تكتمل بعد، ولا تزال تحتاج إلى "خطوط" أخرى إضافية تزيدها انقساماً وتجزئة. أما عن إيران وتركيا؛ فمن المؤكد أنه سيتم استرضاء كل منهما بشيء ما سيتم الاتفاق عليه حتى لا تؤول اتفاقية القسمة تلك إلى مأزق جديد يعيق حركتها، فالدور المهم والفعال الذي لعبته كل منهما في سوريا لا يستهان به ولا يمكن أن يكون بلا ثمن، ولن يبقى للسوريين في سوريا حينئذ شيء يتقاسمونه، سوى حسراتهم التي لن يسمعها غيرهم.

إن تقسيم سوريا إلى أرباع أو أخماس هو أمر حتمي الوقوع إن عاجلاً أم آجلاً، ليس لاستحالة خروج "الأكلة" منها بلا مغنم يغتنمونه، ولا لأنه هدف رئيسي لإسرائيل تحديداً وبعض الدول الأخرى، ولكن لأن السوريين أنفسهم لم يعودوا قادرين على العيش معاً على أرض واحدة وتحت لواء واحد، وهذا تحديداً ما صرح به سفير الائتلاف السوري المعارض في فرنسا والمتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات "منذر ماخوس" السبت (30/7/2016) في برنامج "حديث الثورة" الذي ناقش مستقبل سوريا على ضوء تصريحات مدير CIA "جون برينان" الذي يؤكد استحالة عودة سوريا موحدة كما كانت، بناء على قرائن واقعية حقيقية دعته لقول هذا، وبناء على منصبه الاستخباراتي المهم الذي يجعله قادراً على البوح بمثل هذه المعطيات والمعلومات الأكيدة عن حتمية تقسيم سوريا، عوضاً عن أن الفرق شاسع هذه المرة بين تصريح "برينان" وبين ما صرح به "جون كيري" في فبراير/شباط الماضي عن تقسيم سوريا، هو أن الثاني قدم تقييماتٍ أو توقعاتٍ للتقسيم "وإن كانت حتمية"، بينما قدم "برينان" تقريراً شبه نهائي يفصّل فيه حال التقسيم ووجوبه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.