المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

المخطوطات الإسلامية- من لفائف الحلوى إلى أكبر دار لنشر التراث

تم النشر: تم التحديث:

في حياتنا كثيرمن الإنجازات التي خلقت من صدفة، والإبداعات التي نشأت من فكرة، والاكتشافات التي اكتُشِفتْ من صدفة.

لقد كان موقفا شق غوره، وحفر قعره، ووصل غايته بسبب صدفة لا تخطر على بال ولا خاطر، حدثت جراء موقف لا علاقة له بذلك الأمر الجلل، فما كان جراء ردة الفعل تلك إلا أن حرّكت ركود ماء طال الدهر عليه، فـسطعت شمسه بانبثاق فكرة قـلّبها العقل على نار تفكير هادئة، وما أن اختمرت، ونضجت، حتى انتهى الأمر بعمل ذو قيمة ومكانة.

ومن بين هذه المواقف التي لا تُعدّ طريفة ولا جميلة؛ والتي وُلِدَ من رحمها أمر عم خيره على أمة بأسرها في أرجاء الأرض وأصقاعها؛ وأنقذ جانبا كبيرًا من تراث الأمة الإسلامية من الضياع و التلف، هو ما حدث يوما مع الشيخ الجليل "الملا عبد القيوم" -رحمه الله- أحدُ علماء الهند وأساطين الشرعية في "حيدر آباد الدكن"، في أواخر القرن التاسع عشر ميلادي.

بدأ ذلك الموقف بزيارة تلاميذ ورفاق الشيخ "عبد القيوم" في داره، ولما أراد أن يحسن ضيافة من حل في بيته ضيفًا، أرسل ولده ليشتري بعض الحلوى تحديدا من السوق، والتي يحبها ويرغب في إطعام ضيوفه منها، فلما فعل ولده ما أمره وعاد بالحلوى -ملفوفة- ووضعها أمام والده، فما أن هَمَّ الشيخ بفتحها لأكلها، حتى كانت المفاجأة عظيمة جدًا! كانت الحلوى ملفوفة، ولكن ملفوفة بماذا؟

كانت الحلوى ملفوفة بمخطوطةٍ، وأي مخطوطة؟ إنها مخطوطة إسلامية نادرةٍ تُعدّ كنزاً من كنوز تراثنا الإسلامي! فوضع الشيخ الجليل يداه على رأسه حسرةً وتحسرًا، إلى ما آل إليه حال تراثنا الإسلامي العربية من مهانة وضياع، فمثل هكذا مخطوطة بحمل هكذا قيمة لا تكون إلَّا بأهم وأشهر المتاحف والمكتبات العربية والعالمية، وليس لفائف حلوى وأزمة ورقات!

ولأن الصدمة كانت أكبر بكثير من أن يقف شيخ جليل بقدر الشيخ "عبد القيوم" أمامها صامتًا قانعاً، قدحت في ذهنه وخاطره فكرة إنشاء دار أو مكتبة تحفظ للأمتين الإسلامية والعربية تراثها من الضياع، و الإهمال، و الامتهان.

لكن هذه الصدمة المُمضّة قدحت في ذهنه فكرة إنشاء دار تعمل على جمع هذه المخطوطات، و حفظها، و تحقيقها، ثم نشرها لإنقاذها من هذا المصير المؤلم.

اتّجه الشيخ "عبد القيوم" إلى الإمارة الآصفية في "حيدر آباد الدكن"، حتى تحدث إلى المسئولين عن التعليم والمعارف هناك، بما فكر فيه وعزم أمره عليه، ولم يتوانى الشيخ من أن يشهد أمثالهم على ما وقع بين يديه من كنز تاريخي ثقافي، كانت لفلفات للحلوى والهادي كان أدى وأعظم، فما كان منهم إذ شاهدوا ما شاهدوه إلا أن استجابوا ورحبوا بفكرته ترحيبًا، فشُكّلت لجنة مكونة من علماء أجلاّء، لدراسة هذا الأمر والبت فيه، حيث لقيت هذه اللجنة دعماً مادياً من الحاكم آنذاك و هو "نظام الملك آصفجاه" الذي تبناها، وأصدر مرسوماً في عام 1308 هـ، بإنشاء دائرة المعارف النظامية نسبة إليه، التي تحولت بعد ذلك إلى دائرة المعارف العثمانية، في عام 1965 م -ولا علاقة لها بالدولة العثمانية- نسبة إلى الحاكم "النظام مير عثمان" الذي كان يدعمها سنويا بعشرات الألوف من الجنيهات.

استمرت دار المعارف العثمانية طيلة عهدها، بالتنقيب عن المخطوطات والمؤلفات العربية والإسلامية، وتنقيحها وطباعتها ونشرها في أرجاء العالم الإسلامي، واقتفاء المخطوطات النادرة سواء كانت نسخا أصلية، أو صورًا مصغرة من المكتبات العالمية في الدول الأوربية والعربية -فهي تحظى بدعم مادي ومعنوية عظيمين من جهات عديدة وكثيرة، إيمانا وثقة بدورها الإيجابي والرائد والمهم في هذه القضية السامية الجلية- حيث كانت تطبعها بعد أن تقوم بتصحيحها وكتابة هوامشها، وبذلك ساهمت في المحافظة على تراث علمي ضخم، وإحياء نفائس التراث الإسلامي لسنين طويلة، فلم تقف دار "المعارف العثمانية" على حفظ التراث الإسلامي في الهند فقط، بل توسع نطاق عملها المبارك هذا إلى جمع المخطوطات من جميع مكتبات العالم.

ومن أهم ما نشرته الدار وحافظ عليه على سبيل الذكر لا الحصر "المستدرك على الصحيحين" للحاكم النيسابوري، "سنن البيهقي" للبيهقي، "التاريخ الكبير" للبخاري، "مسند أبي عوانة الإسفراييني"، "مسند الطيالسي"، " الصارم المسلول على شاتم الرسول" لشيخ الإسلام ابن تيمية، " تذكرة الحفاظ" للعلامة الذهبي، هذا فضلا عن كتب اللغة والأدب والتاريخ، مثل "الفائق في غريب الحديث والأثر" للزمخشري، "الجمهرة" لابن دريد، وكتباً كثيرة تصعب على العد والحصر في 460 مجلداً من أمهات الكتب.

حازت دار المعارف العثمانية شرف احتواء العديد من جهابذة العلم، والحقيقة أن الشرف ذاته قد حظي به هؤلاء العلماء لانضمامهم لمثل هكذا صرح ثقافي علمي عريق، ومن اؤلئك العلماء أصحاب القدر والقامة، العلامة "عبد الرحمن المعلّمي اليماني" - رحمه الله -؛ حيث عمل فيها محققاً وناشراً للكثير من كتب السلف.

لقد كانت "دائرة المعارف العثمانية" بحق مفخرة وعز حاز عليه أهل الهند بكل جدارة وصدارة، إنها الدار التي قال عنها العلامة "محمد رشيد رضا": "العالم الإسلامي يحمد للهند فضلها في طباعة الأعمال الأساسية في الموضوعات الإسلامية خاصة في السيرة و الحديث". وقال عنها أيضا "محمد الأرزنجاني الدمشقي" :"إن دائرة المعارف العثمانية قد أسدت إلى العلم و أهله أيادي بيضاء، و لقد أخرجت كنوزًا ثمينة جديرة بأن تكون من أزهى جواهر المعرفة في جيد الدهر،تلك العقود و الجواهر الخالدة التي كانت العقول النيرة تائقة لسبر غورها والإستطلاع عليها من كل الأمم". أما العلامة "عبد الحي الحسني" فقد وصف الدار قائلا:" إنها نشرت كتبًا قيمةً في الحديث و أسماء الرجال و التاريخ واللغة و وعلوم الحكمة و الرياضة كان يتسامع بها الفضلاء و يحن إليها العلماء، ولم تر ضوء الشمس، فكانت مأثرة علمية تذكر، وتشكر".

تلك الأقوال كانت فيض من غيض مما قيل عن الدار وعن دورها المهم في حفظ تراث عتيق عريق لأمة عظيمة مجيدة، أقوال تلهج جميعها بالثناء والعرفان لها ولصاحبها ومؤسسيها، وهكذا قدر عز وجل أن ينهمر الغيث الذي يحيي الأرض ومن عليها بقطرة واحدة، وأن تنقطع أميال وأميال من العلم والمعرفة بخطوة واحدة، وأن تنشأ أكبر وأهم دار نشر للثقافة والتاريخ الإسلامي بلفائف الحلوى، فالكل كل الشكر لتلك الحلوى التي تذوق طعمها ملايين المسلمين في كل أرض وزمان، والشكر كل الشكر للولد الذي أحضر تلك الحلوى لوالده طاعة ومحبة، والشكر كل الشكر للضيوف الكرام في البيت الكريم بضيافة الشيخ الكريم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.