المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

هل كان وهماً.. أم للمعروف جنود لا يعلمها إلا الله؟

تم النشر: تم التحديث:

اليوم يوم عطلة والساعات ساعات الصباح، قررتُ أن أصطحب أطفالي لتناول الإفطار في أحد المطاعم الجميلة التي تقع بالقرب من منزلي، فتحضرنا جميعاً وذهبنا مشياً على الأقدام، وقع اختيارنا على واحد من سلسلة مطاعم طويلة، قررنا أن نجلس خارجاً فالطقس كان جميلاً جداً، كان هناك سيدة تجلس على طاولة قريبة شيئاً ما من الطاولة التي نجلس عليها، كانت تنظر إليَّ على استحياء، أرادت الحديث مراراً وتكراراً لكن شيئاً كان يمنعها، نظرت إليها جيداً بعيون محدقة إن كنت أعرفها؟

لم تحدثني ملامحها عن سابق معرفة بيننا، وبالرغم من أنني أحسست برغبتها في الحديث معي لكني قررت تجاهلها، تاركة لها لحظة البدء به إذا ما قررت ذلك، حولت اتجاه نظري عنها إلى شيء سواها، لكنها ظلت تراقبني بعين وعين أخرى تدعي غير ذلك، وبعد ساعة تقريباً، جاء نادل المطعم بقصاصة ورق قدمها إليّ بيد وأشار بالأخرى إلى السيدة، فعلمت أنها أرسلتها إليّ، نظرت فيها وإذا مكتوب عليها "لو كنت مكانك لما تجاهلتك"، فنظرت إليها فإذا بها تتجاهلني وكأنها أيقنت أني سأبادر بالحديث إليها، عزمت على ذلك للوهلة الأولى لكني تراجعت عما عزمت عليه، فلو أرادت الحديث لبدأته، فقلبت قصاصة الورق وكتبت لها "لو كنت مكانك لكنت أجرأ على الحديث منك"، وناديت ذات النادل، وطلبت منه إعادتها إليها، وما أن قرأت عبارتي حتى وقفت وجمعت كل ما كان على طاولتها، حقيبتها، وكوب العصير، وطبق الطعام، ثم اتجهت إليّ، فاستقبلتها بابتسامة تخفي وراءها شيئاً من الحذر، ثم ألقت السلام فأجبتها بما هو أفضل من سلامها، فاستأذنتني بالجلوس وأذنت لها.

بدأت حديثها معي بأن عرفتني بنفسها فرحبت بها وعرفتها بنفسي ورحبت هي الأخرى، دار بيننا حديث عن أشياء كثيرة، لكني بقيت أنتظر سماع شيء آخر منها، لكني عبثاً انتظرت، فلا هي بدأت ولا أنا سألتها، بقي الحديث بيننا عاديًّا لا يميزه شيء من الأهمية، حتى قررت أن أبادر أنا بالسؤال، فسألتها عن سبب رغبتها بالحديث معي، ومراقبتها إياي طوال جلوسها، ففهمت وكأني أستعجل ذهابها عني، فقالت لي "لقد قدمتي يوماً معروفاً لشخص لا سابق معرفة بينكما، فقط لأنكِ لمستي حاجته للمساعدة، ثم ذهب كل منكما حيث ذهب، وأنا اليوم جئت أرد لك ذلك المعروف"، فاستقبلت حديثها بشيء من الفكاهة، وقلت لها "لن أسألك عن أي معروف تتحدثين لكني سوف أسأل عن مغزى حديثك، فإلى ماذا يرمي قولك هذا؟".

فأجابتني "إن مغزى حديثي قد أبلغتك إياه ولم أوارِه، وهو أني جئت اليوم أرد لك معروفا نسيتي مكانه وزمانه وصاحبه"، نظرت إليها إن كانت جادة في حديثها أم أن شيئاً قد أصاب عقلها؟! فسألتها باستنكار: "وهل أنتِ من قدمت لها المعروف؟ حتى ترديه إلي؟!" فنفت ذلك عنها، فسألتها مرة أخرى: "وكيف سوف تردين إليَّ معروفي؟"، فأجابت أنني عندما قدمت ذلك المعروف لم أخبر به أحداً، فكيف أطلب منها أن تحدثني عن معروفها إلي؟

كان حديثها غامضاً لا لون له ولا رائحة، فلم أصب منه واقعاً ولا خيالاً، فقلت لها "دونك وهذا الحديث، فإن كان لديك غيره فتحدثي، وإن كان هذا كل حديثك إلي، فاعلمي أنه لم يلقَ عندي قبولاً ولا تصديقاً، فابحثي عن غيري تروق له مثل هذه الخزعبلات"، فابتسمت في وجهي، ثم سلَّمت ومضت إلى أمرها..

جلستُ قليلاً بعد ذهابها، ثم نظرت إلى الطاولة وإذا بكوب عصيرها وطبق الطعام الذي أكلته ما زالا موجودَين على طاولتي، فأيقنت أنها تجيد النصب بكثير من الطرق، فقد جلست معي على طاولتي ثم غادرت ولم تدفع الثمن، ضحكت بصوت مرتفع كيف أتقنت فعلها بمهارة! لكني تقبلت الأمر بروح طيبة ولم يهمني أمر ما فعلت، فلو حدثتني صراحة في ذلك لدفعت لها ثمن ما طلبت بطيب خاطر ورضا.

بعد فترة من الوقت قررنا مغادرة المطعم، فطلبت من النادل إحضار الفاتورة عن ما طلبته وأطفالي، ولما طلبته السيدة قبل رحيلها، وما أن ذهب حتى فتحت حقيبتي لأدفع المال، وإذ لا مال معي، فتشتُ جيداً في حقيبتي حتى أني قلبت كل ما فيها على الطاولة لأفتشها جيداً، لكني لم أجد محفظة النقود قط، فإما أن أكون قد نسيتها في البيت! وإما أن تكون قد سقطت في الطريق! أو أنها سُرقت من حقيبتي!

فكرت بسرعة في حل مناسب لما أنا فيه الآن، فالنادل على وشك الوصول، فقررت أن أطلب مقابلة مدير المطعم وأخبره بما حدث معي، وأقترح عليه أن يرسل معي أحداً إلى البيت فهو قريب جدًّا لأدفع له ثمن الفاتورة، أو أسمع منه حلَّا أفضل من هذا، حضر النادل إليّ فهممت أخبره بما أضمرت في صدري، وقبل أن أبدأ بالحديث إليه، أخبرني هو أن ثمن الفاتورة قد دفع مسبقاً، فسألته كيف هذا؟ ومن هو الذي دفع المال؟ فأجابني بأن السيدة التي كانت معي هي التي دفعت ثمن ما طلبتَه هي وما طلبتُه أنا قبل أن تغادر، فتحت فاهي وأنا لا أعلم إن كان صادقاً في حديثه إليّ أم كان يمزح!

لكنه أكد لي قوله وأصر عليه، غادرنا المطعم مشياً على الأقدام، وفي كل خطوة من خطواتي سؤال لا أجد له إجابة، هل صدقت السيدة بما حدثتني به أم كان ما قالته لي خزعبلات وأوهاماً؟

هل ما حدثتني عنه بأنه معروفها هو ثمن الفاتورة التي دفعتها لي اليوم أم كانت تقصد شيئا آخر؟ وهل كانت تعلم أنه لا مال معي فبادرت بفعل ما فعلت؟ هل ما حدث معي هو محض صدفة أم ترتيب قدر لا صدفة فيه؟ وصلت بيتي وقد أوشك رأسي أن ينفجر بكثرة التفكير، جلست على المقعد أفكر وأفكر وأفكر، ثم وقعت عيني على شيء ما من بعيد، إنها محفظة نقودي، لقد نسيتها على الطاولة قبل خروجي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.