المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامية أنور دنون Headshot

عندما كنت يوما محامية في محكمة الجنايات 1

تم النشر: تم التحديث:

اليوم هو موعد جلسة النطق بالحكم في قضية القتل العمد مع سبق الإصرار للمتهمة X، كان اليوم صعباً منذ بدايته، خوف، وترقب، ورهبة من منطوق الحكم، فقد كنَّا نعلم جيداً أنها الورقة الأخيرة في قضية صعبة طالت أيامها لثلاثة سنوات متواصلة، أنهى كل منا عمله في المحكمة حتى حان موعد الجلسة.

جلسنا جميعنا ثلاثة محامين، على رأسنا محامية مخضرمة صاحبة باع طويل ومشرف في قانون العقوبات، حضرت هيئة المحكمة إلى القاعة، فساد صمت وترقب من جميع الجلوس، طلبتْ مثول المتهمة X أمامها فحضرتْ مكبلة بالقيود تقودها الشرطة النسائية، بدأت المحكمة بشرح منطوق الحكم، وبعد سرد شرح مفصل، وذكر أسباب دقيقة، قالت "حكمت محكمة جنايات ...، المؤلفة من القاضي ...، والقاضي ...، والقاضي ...، في تاريخ 16-10-2012 على المتهمة X، بالبراءة من تهمة القتل العمد"..

ما إن سمع الحضور هذه الكلمات حتى وقف الجميع مصفقاً، كانت لحظة لن أنساها أبداً، نظرتُ إلى المتهمة X فإذا هي ساجدة على الأرض حمداً وشكراً لله، ثم نظرت إلى إخوتها الثلاثة في قاعة المحكمة، لقد خلع واحد منهم معطفه وبدأ يلوح به فرحاً، والثاني يصيح بأعلى صوته الله أكبر.. ألله أكبر، بينما ظل الثالث يبكي بكاء الفرح ويقول الحمد لله، كانت الفرحة تضج بكل ركن في أركان القاعة حتى هيئة المحكمة التي باركت للمتهمة X براءتها، كنتُ أنا أول المهنئين للمحامية الأستاذة، ولنفسي وشركائي المحامين، لم تكن لحظة فخر بالنفس لأي منا كهيئة دفاع! بقدر ما كانت لحظة سعادة برفع ظلم عن مظلوم ظل ينتظر الإعدام أربع سنوات، لقد تغير الحكم من الإعدام شنقاً إلى البراءة بفضل من الله.

X فتاة بسيطة جدًّا وقد يكون وصف بسيطة كثيراً عليها، إنها الأخت الوحيدة لثلاث إخوة ذكور، تقضي يومها كله بين تنظيف البيت، وإعداد الطعام، وإذا حمل يومها شيء من المغامرة فهو اليوم الذي تخرج فيه إلى السوق، أو تزور أحد جيرانها، وأكثر الجيران زيارة لها كانت الجارة العجوز صديقة أمها قبل وفاتها.

كانت X تحب العجوز كثيراً، إنها تقضي أوقاتاً طويلة معها، تشكو لها سوء معاملة وإهمال زوجات أولادها لها، وعدم اكتراث أبنائها لتلك المعاملة السيئة، كانت تحدثها عن أشياء كثيرة، كانت العجوز تقضي حياتها بين أولادها، كانت تخرج متى ضاقت بها الحال من بيت أحدهم إلى بيت الآخر، دون علم أحد، وهذا ما فعلته في أحد الأيام، لقد خرجت غاضبة من بيت ولد من أولادها دون إخبارهم، وغابت أياماً وأياماً، ولأن أمرها لا يهم فلم يكترث أيٌّ منهم بأمر خروجها، ظنًّا منهم أنها قصدت أحد أبنائها..

وفي ليلة من الليالي الحارَّة جدًّا، صعد إخوة المتهمة بصحبة أصدقاء لهم للسهر على سطح البيت، وما إن جلسوا حتى اشتم الجميع رائحة عفنة، لقد كانت خانقه جدًّا، كانت الرائحة تفوح من غرفة على السطح مخصصة للغسيل، حاولوا فتح الباب لكنه كان مغلقاً فكسر الإخوة باب الغرفة، أوشك كل منهم أن يختنق من نتانة الرائحة وشدتها، تقدم أحدهم لكومة أكياس كانت على جانب الحائط فألقوا بها بعيداً لتظهر جثة ميت في الأسفل، كان شكلها رهيب وكانت رائحتها عفنة حد الاختناق، لم تكن معالم الميت واضحة فهي ملقاة هنا منذ وقت، هرع كل من كان على السطح خوفاً وفزعاً، كأن ملك الموت بينهم، لقد طلبوا الشرطة في ساعات الليل المتأخرة، وما هو إلا وقت قصير حتى حضر رئيس مركز الشرطة برفقة البحث الجنائي، طوقوا سطح البيت ومنع الجميع من دخوله عدا البحث الجنائي الذي كان يكتب تقريره ويلتقط الصور.

نُقلت الجثة بعد إتمام جميع الإجراءات القانونية، كما احتجزت الشرطة جميع الإخوة والأصدقاء الذين كانوا بصحبتهم، لقد تم التعرف على الجثة بعد التدقيق في تفاصيلها، إنها الجارة العجوز فهم يعرفونها جيدا، حضر الجار للتعرف عليها، فأكد أنها أمه التي خرجت من بيته منذ أسبوع تقريباً، ولأنه لم يكن ابناً بارًّا بأمه يوماً لم يفتقدها وظنَّ أنها عند أحد من إخوته، تم جلب المتهمة إلى قسم الشرطة، وما إن جلست للتحقيق حتى كانت مغيبة عقليًّا، يتملكها الرعب من كل حد وصوب، لم تتجاوب مع التحقيق من شدة خوفها مما زاد الشكوك حولها، احتُجزت في قسم الشرطة لعرضها على النائب العام، وما إن حضرت بعد يومين أمام النائب العام، حتى أقرت بقتل العجوز بلا سؤال ولا استجواب.

عند سؤالها عن تفاصيل الجريمة، لم تجب إجابة موزونة فقد كانت إجاباتها مقطوعة، وشرحها غير منسجم، مما دفع بالنيابة إلى تحويلها لمحكمة الجنايات باعترافها المثبت في دفاتر التحقيق، لم تكن المتهمة حتى الآن قد شاهدت أحداً من إخوتها، فلا زال كل أفراد العائلة محتجزين تحت التحقيق، اطَّلعت محكمة الدرجة الأولى على دفاتر تحقيق النيابة، وقررت إطلاق سراح الإخوة الثلاثة بعد أن مثل كل منهم مجدداً أمام المحكمة للإدلاء بأقواله، خرج الإخوة من الحجز ولم يصدق أيٌّ منهم أن تكون أختهم هي الفاعلة فهي من السذاجة بمكان لا يخوّل لها أن تُقدم على مثل ذلك الفعل، فهي أكثر الناس حبًّا للعجوز وإشفاقاً عليها، ولكن ما قيمة تلك الحرقة التي فلقت قلوبهم، فالأخت معترفة بجرم القتل.

استدعت المحكمة ابن القتيله، وعندما سئل عن الدافع الذي دفع المتهمة لقتل أمه أجاب السرقة، لقد اتهمها بسرقة أساور الذهب التي كانت ترتديها أمه وقت خروجها من بيته، حيث أثبتت التحقيقات عدم وجود المصاغ في يد الجثة، وعن سؤال X عن هذه الجزئية تحديداً، اعترفت أن العجوز فعلاً كانت ترتدي مصاغاً ذهبيًّا وأنها قد انتزعته من أيديها، وقامت ببيعه في محل للذهب، استدعت المحكمة تاجر الذهب الذي تحدثت عنه المتهمة لسؤاله، فأكد صحة قولها بأنها فعلاً حضرت إليه وباعت أساور ذهبية مقابل مبلغ مادي معين، هكذا اكتملت أركان الجريمة أمام المحكمة، ووجهت لها تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار بهدف السرقة، فحكمت المحكمة بناء على ما توفر لديها من أدلة بالإعدام شنقاً على المتهمة X.

لم تكن القضية حتى الآن قد وصلت إلى مكتبنا، وبعد أن تحولت القضية إلى محكمة الدرجة الثانية بفترة لا بأس بها، حضر الإخوة الثلاثة لأول مرة إلى مكتب المحاماة الذي أعمل به، والعائد لأستاذة القانون الجنائي، جلس الإخوة مع المحامية الأستاذة التي حضروا إليها بعد أن وصل إلى مسامعهم مكانتها القانونية الرفيعة في الجنايات بالذات، كنت حاضرة يومها تلك الجلسة التي شرح فيها الإخوة للمحامية تعقيدات القضية وما آلت له من حكم أوليّ بالإعدام، ولأن هذا النوع من القضايا هو اختصاصها فقد قبلت القضية على الفور، حاملة على عاتقها عبأ حكم الإعدام، وكل تعقيداتها، كان أول إجراء نتخذه، هو تصوير ملف القضية من كاتب المحكمة، من الألف إلى الياء بكل ما فيها من تحقيقات الشرطة، إلى النائب العام، وجلسات المحاكمة حتى تلك اللحظة، والشيء الآخر هو مقابلة المتهمة في السجن، وقع اختيار الأستاذة على شخصي ومحامية أخرى في المكتب للعمل تحت إشرافها في هذه القضية، وقد كان هذا من دواعي غبطتي وسروري، توجهت معها إلى سجن الجويدة لمقابلة الموكلة، لم أكن حتى الآن أضع لها صورة في مخيلتي فما زالت خيوط القضية باهتة ومتشابكة، فهل هي فعلاً تلك القاتلة لأجل السرقة.. أم هي الأخت المسكينة حسب ادعاء إخوتها؟ حضرت المتهمة فإذا هي هزيلة، ضعيفة، مشتتة ذهنيًّا، وهذا ما أثقل علينا مهمة الدفاع، لم تسفر زيارتنا الأولى عن ثمار ناضجة، فقد كانت مشوشة إلى حد كبير.

كانت مهمة الدفاع صعبة بكل معنى الكلمة، لكنها لم تكن مستحيلة، فرأس هيئة الدفاع "الأستاذة" متمكنة، ومتبحرة، ومنظمة، جلسنا جميعاً على طاولة واحدة، لقد وزعت المهام بيننا، ووضعت لنا خطة زمنية لإنجاز تلك المهام، كانت المهمة محصورة باستخراج أي ثغرات قانونية همها كانت صغيرة، وقررت الأستاذة مقابلة المتهمة مرات ومرات.

كما طلبت من الإخوة مقابلتها أيضاً لتسهيل مهمتنا للدفاع عنها، وإبعاد شبح الخوف الذي عشش في وجدانها، وبعد زيارات وزيارات صرحت المتهمة لنا بأنها لم تقتل العجوز، وأن الخوف والرهبة هما السبب الوحيد وراء اعترافها بالقتل، فقد وصل إلى مسامعها من أحد أفراد الشرطة، في بداية حجزها بأن إخوتها اتُّهموا بقتل العجوز، وأنه سيتم إعدامهم لا محال إن هي لم تعترف بالقتل، فالجريمة محصورة بين أفراد العائلة فقط، ولشدة بساطتها، وسذاجتها وضعف شخصيتها، ولعظم الخوف، والرهبة، والضغط النفسي، صدر منها ما صدر، وبعد ذلك التصريح المهم طلبنا منها سرد ما حدث بالتفصيل فقالت لنا "جاءت العجوز لزيارتها كعادتها دائماً، وقد كانت على سطح البيت، فوضعت لها كرسيًّا لتجلس عليه، ودار بينها حديث كأي حديث في أي زيارة، وبعد وقت قليل سقطت العجوز على الأرض، فهرعت إليها X تحاول أيقاظها، ظنًّا منها أنه مغشيٌّ عليها لا ميتة، إلا أنها لم تستعد وعيها، فخافت X أن يرى العجوزَ أحدُ الجيران وهي ملقاة على الأرض، فقامت بجرها إلى غرفة الغسيل، ووضعها على جانب الحائط، حاولت أكثر من مرة رفعها عن الأرض كمحاولة لإيقاظها، فهي لم تعِ بعد موتها وظلت تعتقد أنه مغشي عليها، مما سبب سقوط الجثة على الأرض وإحداث كدمات عليه.

تركت X الجثة في غرفة الغسيل، ونزلت إلى البيت مفزوعة، معتقدة أنها سوف تستيقظ من غيبوبتها وتنزل وحدها، ولم تخبر أحداً بما حدث، صعدت إلى السطح في اليوم التالي وإذا الجثة كما هي، لقد أيقنت أنها قد ماتت، فزاد خوفها مما أربك تفكيرها أكثر وأدى إلى سوء تصرفها، فما كان منها إلا أن جلبت كل ما كان على السطح من أكياس رمل، وملابس مهترئة لتغطية الجثة، حتى لا يراها أحد، ثم نزلت عن السطح، ظلت X تفكر ماذا عساها تفعل وبدلاً من أن يهديها عقلها إلى تصرف صحيح! قادها إلى غباء أكثر! فقد دار في رأسها حديث العجوز لها قبل موتها عن سوء معاملة زوجات أولادها وأحفادها لها، فظنت أنهم سوف يأخذون ذهب العجوز بعد موتها، ولشدة كرهها لهم لمعاملتهم السيئة للعجوز، قررت أن تأخذ الذهب وتبيعه وتقدم ثمنه لجمعية الأيتام الموجودة في نفس المنطقة السكنية، كصدقة جارية عن روح العجوز، وفعلا فعلت.

إذاً لقد حصلنا كهيئة دفاع على معلومات جديدة كفيلة بأن تغير مسار التحقيق، لكن البحث لم يقف هنا، فقد توصلنا إلى ثغرات مهمة في أوراق القضية، سواء كان في تقرير الطب الشرعي أو تقرير الشرطة، فقد ورد في تقرير الشرطة أن المغدورة ماتت خنقاً، بينما خلا تقرير الطب الشرعي من أي آثار للخنق حول رقبها، وأيَّد ذلك الصور التي تم التقاطها للجثة، كما ورد في تقرير الشرطة أيضاً أن المغدورة تعرضت للضرب من قبل المتهمة، بينما جاء تقرير الطب الشرعي بأن الكدمات الظاهرة على الجثة قد تكون سبب من أسباب كثيرة وليس الضرب تحديداً، وهذا ما توافق مع شهادة x بأنها قامت بجر الجثة على الأرض، وسقوط الجثة منها أكثر من مرة، كل تلك الأسباب كانت كافية لترك كدمات على الجثة.

من هنا بدأت رحلة دفاع قوية طالت لعدد من السنوات، والحق يذكر أن هيئة القضاء كانت تسعى وراء الحقيقة ولا شيء سواها، مما دفع بها بعد اقتناعها بحجة البراهين المقدمة من هيئة الدفاع بإعادة التحقيق من البداية، وإعادة استجواب أفراد الشرطة، والطب الشرعي، والاستعانة بطبيب شرعي جديد تم انتدابه من قبل المحكمة بناء على طلب هيئة الدفاع، للاستئناس برأيه مقابل رأي الطبيب الشرعي الأصلي، كما تم استدعاء موظفة الجمعية الخيرية التي أكدت صحة أقوال x بأنها تبرعت بمال للجمعية في ذات اليوم الذي تم فيه بيع الذهب، مما أسقط الدافع للقتل، وهو السرقة، كما أعادت المحكمة بناء على طلب الدفاع أيضاً استجواب المتهمة x التي نقضت اعترافها بالقتل موضحة الأسباب التي دفعتها لذلك فكان معيباً، جلسات ومرافعات وتحقيقات ونقض وشهود، وتعب وكد وإصرار على إحقاق الحق، توج بتوفيق الله وعونه إلى براءة مدوية ناصعة بيضاء بياض الثلج.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.