المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامي إيلاهي Headshot

قانون المصالحة أم المصالح ؟ طوق نجاة الرئيس و الفاسدين...

تم النشر: تم التحديث:

حالة الغثيان هو التوصيف الوحيد الدقيق لما يصيبك حين تتأمل كيفية تعامل رئاسة الجمهورية و الرباعي الحاكم مع الوضع التونسي، أزمة سياسية خانقة تكاد تعصف بما تبقى من مقومات الدولة و "هيبتها" , و أزمة إقتصادية مالية سلمت فيها مقاليد السيادة الوطنية لصندوق النقد الدولي, و انسداد للأفق الاجتماعي قد يعصف بالاستقرار الهش للبلاد و يدخلها دوامة لا أحد قادر على التكهن بمخرجاتها, هذا كله و شبحا الفساد و الإرهاب يهددان البلاد و يتربصان بها في وضع اقليمي غير مستقر.

التصورالوحيد للحل لهكذا وضع و الذي تمخض عن رئاسة الجمهورية ممثلة في شخص الرئيس الباجي قايد السبسي تمثل في مبادرتين, الأولى تشريعية بطرح قانون المصالحة الاقتصادية و المالية المسمى من طرف معارضيه بقانون تبييض الفساد للمحافظة على دعم لوبيات الفساد التي بدأ صبرها ينفذ على ما يبدو. و الثانية بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في تجاوز واضح للصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية من جهة و في تخبط واضح لمحاولة رسكلة الفشل المستمر منذ تولي الرباعي الحاكم لزمام الحكم اثر الانتخابات الفارطة' و التملص منه و تحميل مسؤوليته لرئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد.

لا يمكن اخراج مبادرتي السبسي من السياق العام و المنطق الذي حكم الحملة الانتخابية لحزبه نداء تونس بشقوقه, ذلك انها انبنت كاملة على تشويه الخصم الرئيسي المنصف المرزوقي وفبركة الإشاعات حوله و استغلال المنابر الإعلامية لذلك و على موارد مالية ضخمة حاول مدير الحملة تهريب ما بقي منها على ما يبدو إلى احدى الجنات الضريبية في فضيحة ما يعرف بـ"بنما بايبرز". هذا دون إغفال الوعود الكاذبة بحل مشاكل البطالة و الاقتصاد و الأمن وغيرها من مشاكل يعانيها التونسيون.

بهذا المدخل و بفهم المنطق الذي يحكم تصرفات و مواقف السبسي و حزبه يمكن فقط الانطلاق في القراءة النقدية لمبادرته التشريعية هذه. وهو منطق تحكمه قاعدتان أساسيتان: القاعدة الأولى هي المصلحة الشخصية ثم الحزبية فوق كل اعتبار حتى على حساب الوطن و المواطن و أما القاعدة الثانية فهي أن لا شيء يقف في طريق تحقيق القاعدة الأولى حتى و إن كان الدستور.

بداية ماهو قانون المصالحة الاقتصادية و المالية ؟

هو مشروع قانون أساسي عدد 2015/49 يتعلق بإجراءات خاصة بالمصالحة في المجال الإقتصادي و المالي تم إيداعه من طرف رئاسة الجمهورية بتاريخ 16 يوليو/تموز 2015 لتتم مناقشته بلجنة التشريع العام. يتكون مشروع القانون من 12 فصلا يوضح الفصل الأول منه الغاية منه حسب صاحب المبادرة إذ "يندرج هذا القانون في إطار تدعيم منظومة العدالة الانتقالية وتهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة. ويهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيا وطي صفحة الماضي تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية السامية للعدالة الانتقالية."

في بقية الفصول يتعرض هذا القانون إلى العفو عن الموظفين العموميين و أشباههم في الأفعال التي تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام ما لم تكن متعلقة بالرشوة و بالاستيلاء على الأموال العمومية, و إلى فتح الباب للصلح مع الحاصلين على منافع من أفعال تتعلق بالفساد المالي أو الاعتداء على المال العام عبر تقديم مطالب في الغرض للجنة حدد هذا القانون مكوناتها و مهامها. كما تم منح امكانية العفو عن مخالفات الصرف المرتكبة قبل دخول هذا القانون حيز التنفيذ و قد تم تفصيل الحالات و الإجراءات للتمتع بالعفو و الصلح.

يعطي الدستور في فصله 62 لرئيس الجمهورية الحق في المبادرة التشريعية و يأتي مشروع هذا القانون في إطار ممارسة هذا الحق, لكن المشكل في هذه المبادرة التشريعية أنها جاءت في مضمونها متناقضة مع الدستور باعتبار مخالفتها لما ورد بالفصل 148 منه النقطة التاسعة و التي جاء فيها ما يلي : " تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن"

قانون المصالحة الاقتصادية و المالية إذا يخلق بهذا المعنى مسارا موازيا لمسار العدالة الانتقالية الذي حددها الدستور و نظمها بالقانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر/كانون الأول 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها و الذي أوكل لهيئة الحقيقة و الكرامة الإشراف على مسارها بمختلف مراحلها من جهة, ويلخص من جهة أخرى مسار العدالة الانتقالية في المصالحة فقط, فلا نجد في نص مشروع هذا القانون لا بصريح النص أو بالإشارة كشف الحقيقة و المساءلة و جبر الضرر و رد الإعتبار و لا حتى إشارة للضحايا الذين هم بالأساس المعنيون بقانون العدالة الانتقالية.

نص مبادرة السبسي التشريعية يركزفقط و بالأساس على المصالحة و العفو و هو في هذا يخالف ما ورد في الفصل العاشر من الدستور من أن الدولة تعمل على منع الفساد, ذلك أن العفو عن المورطين في الفساد من موظفين و أشباه موظفين و الضالعين في مخالفات الصرف و المنتفعين بالفساد المالي و المعتدين على المال العمومي دون محاسبتهم و ابقاء الموظفين الفاسدين في وظائفهم هو تشجيع تكريس لثقافة الإفلات من العقاب و تشجيع على الفساد لعدم توفير آليات وسائل " الغربلة " و اصلاح المؤسسات العمومية لمنع الإعادة و التكرار.

يحيل الفصل الثالث و الثاني عشر من مشروع قانون المصالحة الإقتصادية و المالية إلى خرق آخر لمبادئ أساسية في الدستور و هي الفصل بين السلط و ضمان المحاكمة العادلة إذ يشير إلى تكوين "لجنة مصالحة تحدث برئاسة الحكومة" تنقل إليها مهام هيئة الحقيقة و الكرامة المتعلقة بالمجالين الاقتصادي و المالي في تعارض مع الفصل 110 من الدستور من ناحية وفي غياب لضمانات الاستقلالية و الرقابة على هذه اللجنة و أعضائها هو ما ينسف تماما مسار العدالة الانتقالية.

الانتقادات و الإشارات إلى لادستورية مبادرة السبسي هذه عديدة و التقت حولها أحزاب و قوى المجتمع المدني, وقد عبرت عن معارضتها لهذه المبادرة التي اعتبرتها تبييضا للفساد و تكريسا لسياسة وعقلية الافلات من العقاب عبر معارضتها داخل البرلمان و في ندوات صحفية و عبر إصدار بيانات و من خلال تحركات شعبية احتجاجية رفعت فيها شعارات "#مانيش_مسامح" و "#مايتعداش". كما اصدرت لجنة البندقية تقريرا بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2015 بينت فيه مؤاخذاتها على هذه المبادرة التشرعية و بينت فيه عدم دستوريتها. هذا و قد أشار تقرير المقرّر الأممي الخاصّ لتعزيز الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر وضمان عدم التكرار "بابلو دو غريف" عن المخاوف والصعوبات المتعلّقة بمشروع هذا القانون و التي تؤيد ما ذهب إليه معارضو مبادرة السبسي التشريعية.

لماذا يعيد السبسي طرح مشروع قانون المصالحة الإقتصادية و هو يعلم بلا دستوريته و مدى معارضته من الأحزاب و المجتمع المدني ؟

يبدو أن الوضع الداخلي للحزب الحاكم و التوازنات داخله و الصراعات التي تحكم العلاقات بين أعضائه الذين لم يتوانوا عن نشر غسيلهم على مسامع التونسين و التونسيات عبر وسائل الإعلام المرئية و السمعية كلما سنحت لهم الفرصة لتصل حد تبادل الاتهامات بالفساد و المحسوبية و انقسام حزب السبسي, و تحول كتلته البرلمانية إلى الكتلة الثانية في البرلمان أضعفت السلطة التي كانت للسبسي على المحيطين به للحد من التناحر بينهم حول تحصيل مغانم من الدولة سواء من خلال التعيينات أو الصفقات المشبوهة بالمحابات و الفساد و هو ما خلق صراعات للوبيات المصالح لم يجد السبسي من حل لإرضائها وإدارتها و السيطرة عليها و تأكيد أنه لايزال يملك سلطة القرار سوى إعادة تقديم قانون المصالحة الإقتصادية و محاولة المصادقة عليه بشتى الطرق. هذا دون أن ننسى أن السبسي مطالب برد الجميل للمنتفعين بقانون المصالحة و حمايتهم بإعتبار أنهم هم من مول حملته الإنتخابية و هم من سيساندون ابنه حافظ قايد السبسي في معاركه داخل نداء تونس.

اختار السبسي بهذه المبادرة التشريعية الأولى و الوحيدة له إذا أن لا يكون الرئيس الذي "يسهر على احترام الدستور" بل ذاك الذي يسعى لخرقه كما اختار أن يكون رئيسا لمجموعة محدودة من التونسيين استفادت من الفساد و المحسوبية ومن قربها من دائرة النفوذ في عهد المخلوع على حساب بقية الفئات الشعبية التي كانت و لا تزال ضحايا الاستبداد و المحسوبية و الرشوة و الفساد المالي و الاقتصادي. المفارقة هنا أن الضحايا اختاروا السبسي في الانتخابات الرئاسية رئيسا لهم في حين اختار هو أن لا يكون رئيسهم بل رئيسا لمن سرق قوتهم و حظهم في الحياة الكريمة. السبسي اختار في النهاية طوق نجاته و نجاة الفاسدين من حوله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.