المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامي العريان Headshot

تركيا وأردوغان.. وحكمة النظام الرئاسي

تم النشر: تم التحديث:

في السادس عشر من أبريل/نيسان، خرج 55 مليون مواطن تركي للإدلاء بأصواتهم على استفتاء تاريخي من شأنه أن يحوِّل نظام الجمهورية التركية من نظام برلماني إلى نظام رئاسي. وقد طال انتظار هذا التغيير، إذ يؤيد الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم "حزب العدالة والتنمية"، التحول إلى هذا النظام منذ عقد من الزمان. كما أيد رئيس الوزراء السابق، وأستاذ ومعلم أردوغان، الراحل نجم الدين أربكان النظام الرئاسي منذ تسعينات القرن الماضي على أقل تقدير؛ بسبب عدم استقرار النظام البرلماني الحالي. على مدى تاريخها البالغ 93 عاماً، مرت 65 حكومة على الجمهورية التركية، بمعدل متوسط استمرارية بلغ 16 شهراً لكل منها. حتى إنه إذا استُبعدت حكومات "حزب العدالة والتنمية" التي تحكم منذ 15 عاماً، سيقل متوسط استمرارية الحكومات الأخرى عن هذا المعدل بكثير.

ومنذ أن وافق البرلمان الحالي على التعديلات الدستورية البالغة 18 تعديلاً، في يناير/كانون الثاني الماضي، ازدادت التوترات التي جلبتها المناقشات حولها، لكنها لم توفر سوى قليل من الوضوح. واستُقطبت البلاد بين حملتي الفريقين، اللذين يدعو أحدهما للتصويت بنعم "إيفيت"، بينما يدعو الآخر للتصويت بلا "هايير".

وبدلاً من التركيز على مزايا التعديلات الدستورية والنظام الرئاسي، سلطت معظم الانتقادات الضوء على المخاوف من أن النظام الرئاسي الجديد قد يكون بمثابة منفذٍ إلى الاستبداد، أو إلى ديكتاتورية أسوأ، من خلال السمات الشخصية التي يصعب مقاومتها للرئيس القوي.

ولكن كي نكون منصفين، ينبغي أن يركز أي تحليل موضوعي على مزايا التعديلات والنظام الرئاسي المقترح، بغض النظر عن شخصية الرئيس الجالس على كرسي الرئاسة. وعندما يجري هذا التحليل، يجب أن يقيِّم المرء التعديلات المقترحة كي يَزِن آلية الضوابط والتوازنات في التعديلات؛ من أجل دفع أي إمكانية للحكم الاستبدادي.

يكمن جوهر الجدال حول أي نظام رئاسي في توفير الاستقرار السياسي للحكومة التي يرأسها رئيس منتخب من الشعب مباشرة لشغل المنصب لفترة رئاسية ثابتة تبلغ خمسة أعوام. في مثل هذا النظام، لن تكون الحكومة ضعيفة أمام تهديدات سحب الثقة التي لا حاجة لها، سواء في البرلمان أو في المناورات السياسية التي تهدف إلى الحصول على تنازلات من أكبر حزب في الحكومات الائتلافية، التي شكلت السمة المميزة لمعظم التاريخ المعاصر لتركيا. ويعد السبب الرئيسي الذي يجعل أي حكومة في النظام الرئاسي قوية هو أن رئيساً منتخباً انتخاباً شعبياً هو من شكلها من وزراء يمثلون في الغالب برامجه وأيديولجيته السياسية، ما سيجعله يدير الحكم بأسلوب أكثر تناغماً وفاعلية.

وحتى إن كان عليهم أن يلتزموا بالبرامج السياسية للرئيس، قد يكون كثير من الوزراء والخبراء الحكوميين في كثير من الأحيان خبراء غير حزبيين أو تكنوقراط جرى تعيينهم بسبب مزاياهم أو مهاراتهم الإدارية أو مؤهلاتهم.

وعلى النقيض من ذلك، تميل الحكومات البرلمانية إلى كونها تمثل تنازُع الأيديولوجيات والاستراتيجيات والبرامج والتكتيكات؛ والسبب في ذلك أن الوزراء المختلفين في مثل هذه الحكومات الائتلافية ينتمون إلى أحزاب سياسية مختلفة، أو يخضعون لما هو أسوأ: وهي "الكوتا" المعتمدة على المجموعات العرقية أو الطائفية. فليس من غير الشائع لوزارة واحدة أو هيئة حكومية واحدة أن تكون العائق الرئيس أمام تطبيق برامج خاصة بوزارة أو هيئة أخرى، مما يؤدي إلى حالة من التخبط، أو الركود الاقتصادي، أو الحصار السياسي داخل البلاد.

علاوة على ذلك، عندما يضطلع أحد الوزراء بمهمة تولي إدارة وزارة محددة، خاصة الوزارات الخدمية مثل وزارة النقل أو الصحة أو الطاقة، فإنه يعين في الغالب المسؤولين الحزبيين في معظم المناصب الهامة داخل الوزارة مكافأةً لداعميه، بدلاً من أن يعين الموظفين المدنيين أو الموظفين العموميين، دون النظر إلى المصالح القومية. وفي ظل كثرة تغيير الحكومات الائتلافية، صارت هذه الممارسة متوطنة، وهو ما يحتمل أن يؤدي إلى انتشار الفساد وعدم كفاءة الحكومة. على الصعيد الآخر، يمكن للنظام الرئاسي، من خلال قبضته المحكمة على السلطة التنفيذية أن ينتج بيروقراطية قوية يتمخض عنها استقرار سياسي، وكفاءة حكومية، وتطور ونمو اقتصادي محتمل الاستدامة.
بالإضافة إلى ذلك، يعزز النظام الرئاسي، بحكم تعريفه، مبدأ الفصل بين السلطات الموجودة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية؛ لأن أعضاء البرلمان لا يمكنهم شغل مناصب تشريعية وتنفيذية في ذات الوقت. ويعزز هذا من دور البرلمان بوصفه مراقباً على السلطة التنفيذية. على الصعيد الآخر، تعتبر أضعف نقطة تشوب النظام البرلماني هي تشوش الرؤية أمام الفصل بين السلطات، حيث تتحكم الحكومة (التي يكون معظم وزرائها ونوابهم أعضاءً بالبرلمان) في السلطتين التنفيذية والتشريعية، مما يستحيل معه مساءلة مسؤولي الحكومة أمام ممثلي الشعب.

باختصار، لا تقتصر الميزة في النظام الرئاسي على استعادة البرلمان لوظيفة المساءلة وحسب، بل إن هذا النظام يعزز منها أيضاً؛ فالفساد والتسترات (نتيجةً لفشل الحكومة في مساءلة نفسها) قد تنكشف جميعها وتخضع للتدقيق بدرجة كبيرة.

فضلاً عن أن النظام الرئاسي لا يقوِّي من مبدأ فصل السلطات بين سلطات الحكومة المختلفة، بل إنه يؤسس أيضاً التوازن الملائم بينها. على سبيل المثال، بينما يضطلع الكونغرس في النظام الرئاسي الأميركي بمهمة صياغة القوانين وتمرير الميزانية، يمكن للرئيس أن يستخدم "الفيتو" للاعتراض على أي من مشاريع القوانين التي يصوغها الكونغرس.

لكن الكونغرس يستطيع أن يبطل "فيتو" الرئيس عن طريق التصويت على ذلك بأغلبية تصل إلى ثلثي أصوات أعضاء الكونغرس، وبذلك يمكن لكلتا السلطتين أن تردع الأخرى. يضاف إلى ذلك تفسير القوانين في نطاق المحكمة العليا، حيث يخضع كل من الكونغرس والسلطة التنفيذية إلى أوامر القضاء، بينما لا يستطيع الكونغرس ولا الرئيس أن يصرف قاضياً من خدمته. كما لا يمكن للرئيس أن يحل الكونغرس أو أن يعزل الكونغرس الرئيس بدون إجراءات تحقيق مفصلة يتبعها محاكمة في مجلس الشيوخ. باختصار، يوزع نظام "الضوابط والتوازنات" الجيد السلطة بين السلطات الحكومية الثلاث من أجل تقييد أي احتمالية لإساءة استعمالها.

ربما يكون تطبيق السياسة الخارجية هو الجانب الأكثر فاعلية في النظام الرئاسي. إذ إنه يقدم سياسة أمن قومي موحدة ومتسقة، مما يصعب استغلال القوى الخارجية للنزاعات والاختلافات المحلية، أو التنافس فيما بينها داخل الحكومة الائتلافية من أجل المزايا الحزبية. على الجانب الآخر، تميل الحكومات الائتلافية -في ظل المواقف السياسية المختلفة أمام عديد من الجبهات: مثل التدخل العسكري، والسياسة الأمنية، والتجارة، والعلاقات الخارجية- إلى كونها تناشد استجابات ضعيفة أو عاجزة، لا سيما في القضايا الأكثر إثارة للجدل.

منذ قيام جمهوريتها الخامسة في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، اعتمدت فرنسا على نظام شبه رئاسي؛ يكون فيه الرئيس مسؤولاً عن جانب كبير من السياسة الخارجية، بينما يكون رئيس الوزراء مسؤولاً عن جانب كبير من السياسة الداخلية. غير أن هذا النظام أظهر ضعفه المتأصل بسبب تعارض المنصبين القويين في أكثر من مناسبة، لا سيما عندما يمثلان أحزاباً سياسة مختلفة. كما اعتمدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على هذا النموذج عام 1979، لكنها تخلت عنه بعد عشرة أعوام عندما قادت حالة التنافس الحتمية إلى حالة من الارتباك، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والحصار السياسي، وافتقار المساءلة.

ومع ذلك، فإن المكون الأساسي للنظام الرئاسي هو وجود سلطة قضائية مستقلة وشفافية الحكومة ومؤسسات مجتمع مدني قوية وحية ووسائل إعلام فعالة ومستقلة، لا تمثل اهتمامات المواطنين فحسب -ولا سيما الفئات الأضعف بينهم- ولكن أيضاً تجعل فروع الحكومة مسؤولة أمام الشعب.

ومن ناحية أخرى، فإن قوة النظام البرلماني تتمثل في تفتيت السلطة السياسية بحيث لا يمكن لأي حزب أو فرد أن يحوز الكثير من السلطة، وخصوصاً داخل أي مجتمع قبلي أو بدائي، وتحويله إلى نظام استبدادي أو ديكتاتورية قمعية مع رقابة قليلة أو حتى معدومة. ولكن هذا الأمر المقلق الحقيقي يتم التعامل معه من خلال مؤسسات المجتمع المدني القوية والضمانات الدستورية للحريات الشخصية، والحقوق المدنية والسياسية، والقوانين الحافظة للحقوق بما في ذلك حرية التعبير والتجمع والمعتقدات، وحماية الأقليات الضعيفة والمعارضة السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إحدى الطرق للحد من أي إساءة محتملة لاستخدام سلطة الرئاسة التنفيذية تتم عن طريق توزيع هذه السلطة على المقاطعات والسلطات المحلية التي تسمح بممارستها من خلال عدة ولايات قضائية.

ولحسن الحظ، تتمتع تركيا بتاريخ طويل من وجود الحكومات المحلية القوية التي تتمتع بقدر كبير من السلطة وتقوم بإدارة حقيقية فعالة، التي تخضع لانتخابات ديمقراطية دورية حرة ونزيهة. فعلى سبيل المثال، يوجد في تركيا 81 مدينة، 30 منها من البلديات الحضرية والأخرى لديها بلديات ومقاطعات، في حين يوجد في اسطنبول 39 بلدية، تُنتخب إدارتها دورياً عن طريق دوائرها الانتخابية.

لذا، كيف ستندمج التعديلات المقترحة في الدستور مع هذا التحول؟ هل يمكن للدستور الجديد المقترح أن يسمح بدور الرجل الواحد أو بوجود دكتاتورية محتملة كما يقول النقاد؟

من الواضح وبلا شك أن بعد إمضائه خمسة عشر عاماً بصفته الشخصية المركزية في السياسة التركية، فشخصية وحضور الرئيس أردوغان مهيمنان وساحقان. لكن التقييم الصحيح يقتضي من أي شخص أن يقوم بالنظر لنص التعديلات ومدى احتمالية استخدامها لإساءة استعمال السلطة بعيداً عن الحسابات الشخصية أو السياسية أو الخوف من المجهول.

الكثير من السلطات التنفيذية المقترحة التي ستُنقل من رئيس الوزراء إلى الرئيس هي أمور طبيعية وروتينية: رئاسة الحكومة، وتعيين الوزراء، أو تولي السلطة التنفيذية (المادة 104).

ولكن الدستور الجديد يقوِّي أيضاً الفصل بين السلطات في العديد من المجالات. يجب على أي عضو في البرلمان أن يستقيل إذا عين في السلطة التنفيذية (المادة 106). يمكن للبرلمان أن يحمل أي عضو في السلطة التنفيذية المسؤولية، بما في ذلك البدء في التحقيقات الأولية (بأغلبية بسيطة)، وإطلاق التحقيقات الرسمية (بأغلبية ثلاثة أخماس العدد)، والفصل (بأغلبية الثلثين)، وهو ما يشبه إلى حد بعيد النظام الأميركي للإقالة (المادة 105).

وفي حين يمكن للرئيس إصدار أوامر تنفيذية (مثل النظام الأميركي)، يمكن للبرلمان إلغاء هذه المراسيم بأغلبية بسيطة (المادة 104).

ومع ذلك، فإن الجانب الأكثر إثارة للقلق في التعديلات الجديدة هو قدرة الرئيس على حل البرلمان (موجودة بالفعل في الدستور الحالي). ولكن حتى هذه السلطة تحمل معها مخاطرة سياسية كبيرة، لأن الدستور الجديد يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في وقت واحد (المادة 77)، لذا إذا قام الرئيس بحل البرلمان، فإنه سيُقصر مدة ولايته ويضطر إلى الترشح للانتخابات مرة أخرى، بالإضافة إلى وجوب موافقة ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان (المادة 116)، وهو مطلب أعلى بكثير من أي نسبة حققها أي حزب في أي وقت مضى في التاريخ السياسي التركي.

والأكثر من ذلك، فخلافاً للنظام الدستوري الأميركي الذي يتطلب أغلبية الثلثين لإلغاء حق النقض (فيتو)، فإن الدستور التركي المقترح يسمح للبرلمان بتجاوز حق النقض الرئاسي بأغلبية بسيطة (المادة 89).

ولكن ربما تكون الإصلاحات الأكثر بروزاً التي تمت إضافتها في التعديلات الجديدة تشمل إلغاء المحاكم العسكرية تماماً (المادة 142)، التي لها تاريخ طويل وقبيح من الاعتداءات ضد المدنيين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قدرة الرئيس على إعلان حالة الطوارئ تخضع لموافقة البرلمان، في حين يمكن للبرلمان تمديدها أو إلغاؤها أو تقصير مدتها. بينما يمكن تمديد حالات الطوارئ لمدة تصل إلى أربعة شهور في المرة الواحدة، فإن كل مرسوم رئاسي يصدر أثناء حالة الطوارئ سيظل بحاجة إلى موافقة البرلمان (المادة 119).

وفي حين يرشح الرئيس الأميركي جميع القضاة الاتحاديين وقضاة المحكمة العليا، فإن الدستور التركي الجديد يسمح للرئيس باختيار 12 من أصل 15 قاضياً للمحكمة الدستورية (المادة 146) و6 من أصل 13 عضواً في المجلس الأعلى للقضاء والنيابة (المادة 159)، بينما يعين البرلمان بقية الأعضاء.

على الرغم من أن التعديلات الدستورية المقترحة من شأنها أن تحل العديد من المشاكل السياسية المتوطنة في تركيا، لا تزال هناك مخاوف وقلق من ناقديها لاحتمالية نشوء حكم استبدادي، لكنهم يبالغون بشدة في مخاوفهم هذه. وكما أظهر الرد على انقلاب الصيف الماضي بما يناسبه، الجماهير التركية حريصة على الحفاظ على ديمقراطيتها، وتقوية مؤسساتها السياسية، وإخضاع السلطة للمساءلة، وغير مستعدين للتنازل عن سيادتهم أو مستقبلهم.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة the new turkey التركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.