المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامي العريان Headshot

شاهد عيان على الانقلاب: كيف انتصر الشعب التركي على القوة العسكرية؟

تم النشر: تم التحديث:

الجمعة، 15 يوليو/تموز 2016، الساعة 10:37 مساءً
كان أسبوعاً حافلاً على غير العادة منذ أن غادرت زوجتي إلى الولايات المتحدة لزيارة ابنتينا وأحفادنا، كنت منهكاً بالفعل من الأحداث على مدار اليوم، وكنت أستعد للنوم في وقت مبكر على غير المعتاد قبل أن يرن جرس الهاتف.

كان صديقاً تركياً لم يعهد الاتصال بي في مثال هذه الساعة المتأخرة، كان يتحدث بسرعة، لذلك طلبت منه أن يهدأ، وأن يلتقط أنفاسه ويتحدث بصوت مرتفع لكي أفهمه.

أوضح لي أن لديه معلومات موثوقة أن ثمة انقلاباً عسكرياً يجري في تركيا من قِبل فصائل من داخل الجيش تدين بالولاء لحركة غولن، في إشارة إلى فتح الله غولن المفكر الإسلامي المثير للجدل، الذي يعيش في منفاه الاختياري بولاية بنسلفانيا الأميركية. أخبرني صديقي أن الجسرين الرئيسيين على البوسفور بين الجانبين الأوروبي والآسيوي لإسطنبول قد احتُلا بالفعل وأُغِلقا على يد قوات الجيش، وأن مدبري الانقلاب يقومون بعمليات عسكرية في محاولة لتأمين المواقع الاستراتيجية في أنقرة وإسطنبول.

أنهى صديقي المكالمة مع طلب منه بأن أتوخى الحذر، إذ إنه في مثل تلك الظروف قد يصبح الأجانب أهدافاً سهلة.
قمت بتشغيل التلفاز فوراً وبدأت أتصفح الأخبار عبر الإنترنت، إلا أنه لم تكن هناك أية أخبار حول وجود انقلاب في أي شبكة أو مصدر إخباري. وتجنباً للخطر، اتصلت بأصدقائي من الأجانب لتحذيرهم حول ذلك التطور المقلق للأحداث، وعلى الرغم من أني حاولت عدة مرات، لم أتمكن من الوصول لابنتي الصغرى التي تعمل كصحفية في شبكة تلفزيونية إخبارية في إسطنبول.

الساعة 10:58 مساءً
اتصل بي صديقي مرة أخرى ليعطيني تقريراً قاتماً حول التطورات العسكرية الرئيسية التي تحدث بهدف السيطرة على المؤسسات الأساسية للدولة، بما فيها مبنى قيادة الأركان، والبرلمان، والقصر الرئاسي، وغيرها من المناطق الاستراتيجية في أنقرة وإسطنبول.
أكد صديقي مجدداً أنه على الرغم من أن مدبري الانقلاب يفترض أنهم ضباط مؤيدون لغولن، فإن القيادات الأكبر في الجيش ليست متورطة، وأنه جرى اعتقال رئيس الأركان بعد السيطرة على مبنى رئاسة الأركان من جانب الانقلابيين.

في غضون دقائق قليلة، بدأت الأخبار حول الانقلاب في الظهور، إذ زعمت تقارير أولية أن الجيش قد أطاح بالحكومة بالفعل، وأنه من يسيطر على الوضع، وأن مسؤولي الحكومة يفرون من البلاد.

المفاجئ بالنسبة لي كان أن التقارير الأولية على الإنترنت أتت من صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وأنه تلفزيونياً، كان مكتب شبكة سكاي نيوز في الشرق الأوسط الواقع في الإمارات، هو من بدأ بتقديم تقارير تفصيلية.

بعد ذلك بوقت قصير، قدمت المنصات الإعلامية الكبرى عالمياً محاولة الانقلاب على أنها قد نجحت، منصات مثل شبكة سي إن إن وبلومبيرغ بدأت تجري لقاءات على الهواء مباشرة مع محليين مهدوا لفكرة أن التحرك العسكري جاء رداً على الاستبداد المزعوم للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. إحدى أول التغريدات حول الانقلاب جاءت من جانب دانيال بايبس، المنظر الأميركي سيئ السمعة المنتمي لتيار المحافظين الجدد، الذي أشاد بالانقلاب بشكل صريح بينما كان يهاجم الرئيس التركي والحكومة.
التغريدة "أردوغان استولى على الحكم وأدار بديكتاتورية. يستحق أن يطيح به انقلاب عسكري.. آمل أن ينجح".

الساعة 11:17 مساءً
تمكنت أخيراً من التواصل مع ابنتي التي أخبرتني أن الجنود قد سيطروا على المحطة التلفزيونية التي تعمل بها، وأن العاملين بها أُجبروا على المغادرة، بينما صودرت أغلب الهواتف النقالة منهم. بعد عدة دقائق، اتصل بي صديقي مجدداً ليعبر عن قلقه البالغ حول سلامة أردوغان، الذي كان يقضي إجازته في مارماريس على بحر إيجة.

في هذا الوقت، كانت التقارير الإخبارية التي تقدمها وسائل الإعلام العالمية والإقليمية، بقيادة القنوات التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، تقدم الانقلاب على أنه أمر واقع، وأن الجيش بسط سيطرته الكاملة على البلاد، وأشاعوا كذباً أن الرئيس التركي قد فر من البلاد، وأنه يبحث عن بلد آخر يمنحه حق اللجوء.
في ذلك الوقت، صرح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم في بيان بأن هناك محاولة انقلاب يقودها ضباط متمردون، وتعهد بإلحاق الهزيمة بهم.

على الرغم من ذلك، كان العديد من المراقبين والداعمين للانقلاب، وخاصة في وسائل الإعلام الغربية، بالإضافة إلى المنظمات الإسرائيلية والمعادية للعرب، يحللون ذلك التصريح كدليل على ضعف الحكومة، ليؤكدوا من جديد توقعهم بالانتصار الوشيك للانقلاب. في الوقت نفسه، كان محللون آخرون، وخاصة ممن دعموا انقلاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من قبل، يشمتون لأن نظام أردوغان يلفظ أنفاسه الأخيرة.

11:32 مساءاً، 11:50 مساء، 12:03 مساء، 12:28 مساءً
تلقيت خمس مكالمات أخرى على التوالي من صديقي التركي؛ في المكالمة الأولى أبدى ارتياحه بعدما تأكد من أن الأخبار حول أسر الرئيس خاطئة. أخبرته بارتياح أنه طالما كان الرئيس حراً فلن ينجح ذلك الانقلاب.

في مكالمته التالية أخبرني أن أردوغان سيظهر في وقت قريب على التلفاز في خطاب للأمة، والذي دعا فيه الرئيس المواطنين للنزول للشوارع والميادين العامة والمطارات والدفاع عن ديمقراطيتهم قبل أن تُختطف. أخبرني أيضاً أن أردوغان قد يطير إلى مطار إسطنبول.
في النهاية، أخبرني صديقي أنه سيخرج للتظاهر على جسر البوسفور، الذي كان مغلقاً وخاضعاً لسيطرة وحدات الجيش في ذلك الوقت، حتى ولو كلف ذلك حياته. تلك الدعوة التي وجهها أردوغان للشعب في خمس دقائق، والتي كانت عبر جهاز آيفون في مقابلة مع مذيعة أخبار تلفزيونية، كانت بمثابة الشرارة التي أطلقت قوة الشعب التركي لهزيمة الانقلاب.

السبت، 16 يوليو، الساعة 12:31 صباحاً
اتصلت بصديق تركي آخر يعيش بالقرب مني وأخبرته أنني أرغب في التوجه للمطار، وأخبرني أنه أيضاً سيذهب إلى هنا. وبينما كنت أستعد للمغادرة، نظرت من شباك غرفة المعيشة لأرى مئات السيارات تتحرك استجابة للدعوة لمواجهة الانقلاب، وفي غضون دقائق، كانت السيارات تملأ الشوارع بالفعل.

الساعة 12:56 صباحاً
وصل صديقي وبينما كنا نتحرك بالسيارة سمعنا الأذان يخرج من الكثير من المساجد، وعلى النقيض مما ذكرته عدة تقارير لاحقة، لم تدعُ المساجد الناس للخروج والتظاهر. سمعنا صوت الأذان نفسه من العديد من المساجد في طريقنا للمطار، كان الأمر ببساطة هو تذكير للناس بأن ثمة حدثاً خطيراً يحدث حالياً، وكان بمثابة تنبيه لهم في حالة عدم علمهم أو إن كانوا نائمين.

كان المطار على بعد 11 كيلومتراً، ولكن الشوارع والطرق كانت إما مغلقة أو يصعب الحركة فيها بسبب وجود آلاف السيارات في الشوارع. وبما أن صديقي يعرف المدينة جيداً، تحرك بالسيارة عبر شوارع جانبية وأزقة حتى صرنا على بعد ثلاثة كيلومترات فقط، أوقفنا السيارة في أحد الشوارع الجانبية وانضممنا للحشود.

الساعة 1:48 صباحاً
تحرك الآلاف صوب مطار أتاتورك الدولي عبر طرق مختلفة، وكان من بينهم الرجال والنساء والأطفال والشباب، ومن بينهم المتدينون والعلمانيون، كلهم حملوا فقط الأعلام التركية، لا صور، لا لافتات أو شعارات حزبية، كان من الممكن استشعار غضبهم، وعاطفتهم، وشجاعتهم، وثقتهم، وعزمهم. في منتصف الطريق، رأينا أشخاصاً يحيطون بدبابة عسكرية، بينما كان آخرون يتسلقونها ويحاولون فتح بابها للقبض على الجنود المحاصرين بداخلها.

رأينا أيضاً عدداً من السيارات التي صدمتها وحطمتها الدبابة بوضوح، كنا نأمل ألا يصاب أحدهم، مع اقترابنا من المطار، كانت هناك إشارات ضوئية كبيرة على الطريق تقول "عودوا إلى ثكناتكم"، و"نحن سنحمي ديمقراطيتنا".

الساعة 2:25 صباحاً
وصلنا أخيراً إلى مدخل المطار حيث تجمع عشرات الآلاف ووقفوا في تصميم قوي متعهدين بألا يغادروا حتى ينهزم الانقلاب، بينما كنا نتابع الأخبار عبر هواتفنا وقيام صديقي بترجمة الأخبار لي، كان المتظاهرون مندهشين وسعداء بوجود فلسطيني وسط التظاهرة ضد الانقلاب العسكري.
تحرك العديد من الشباب بأعلام تركية ضخمة فوق رؤوسهم، بينما حمل آخرون الأعلام العثمانية بينما أشعلوا الألعاب النارية.

الساعة 3:44 صباحاً
فجأة، أصيبت الجماهير بالذهول من جراء صوت هائل، والذي عُرف أنه صوت مقاتلتين من طراز إف-16 تخترقان حاجز الصوت في محاولة لتخويف الحشد، انهارت امرأة بجانبي بشكل هيستيري، ليتجمع القريبون منها، وطلبوا زجاجة ماء، ولحسن الحظ كانت بحوزتي، ليضعوا الماء على وجه الشابة في محاولة لتهدئتها.

في نصف الساعة التالية، حلقت المقاتلتان فوقنا في محاولة يائسة لتفريق الحشد، إلا أنها لم تردع الجموع. وفي كل مرة كانت الطائرات تحلق فوقنا، كانت الحشود تصيح قائلة "الله أكبر!"، مع أن المتظاهرين لم يمثلوا خليطاً متجانساً من حيث نمط حياتهم أو خلفيتهم السياسية. كان هناك العديد من العلمانيين الأتراك بين الحشود ممن كانوا ينتقدون أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية)، إلا أنهم احتقروا فكرة عودة تركيا إلى المعاناة من الانقلابات العسكرية.
بعد ذلك بوقت قصير، وصل الرئيس إلى المطار، وتحدث من داخله مباشرة للتلفزيون، إذ أكد للشعب أن الانقلاب ينهار ويُهزَم بالفعل.

الساعة 4:40 صباحاً
عقب صلاة الفجر، تلقينا عدة تقارير تؤكد أن قوات الانقلاب تستسلم للشرطة، وأن قوات الأمن ووحدات الجيش التابعة للحكومة عادت لفرض سيطرتها. ومع شروق الشمس، شعر الناس بالراحة بعدما انتهى الجزء الأسوأ بالفعل.

الساعة 5:32 صباحاً
في طريقنا للعودة، كان من المذهل أن نشهد انضباط الشعب التركي، على الرغم من حالة الغضب المسيطرة والحالة العاطفية في ذلك الوقت، لم يكن هناك جدال أو مشاجرات، كما لا يمكن أن ترى أي قمامة متناثرة. في الحقيقة، أثناء عودتنا، كانت هناك ست شاحنات قمامة في الانتظار، في حين أن شاحنة البلدية كانت توزع الماء، والقهوة، والشاي، والحساء.

الساعة 6:19 صباحاً
في طريقنا للسيارة، مررنا مجدداً بالدبابة التي رأيناها قبل ذلك وقد أحاط بها الحشود. في ذلك الوقت، كانت هناك شاحنة بناء عملاقة تقف خلف الدبابة، بينما تقف شاحنة تابعة للشرطة أمامها، شعر الحشد بالغضب الشديد تجاه الانقلابيين وكانوا يحاولون إخراج الجنود من الدبابة، كانوا يحملون البلطات، والعصي، والحجارة.

حاول البعض الاستعانة ببعض الأدوات لفتح الدبابة من الأعلى، في حين هشم البعض زجاج نافذة الدبابة السميك. كان هناك سيارتا إطفاء وعدد من سيارات الشرطة في نطاق قريب، ناشد عدد من ضباط الشرطة الحشود مسامحة الجنود، مخبرين إياهم أنهم تعرضوا للتضليل من قِبل قادتهم الذين أقنعوهم أنهم في مهمة تدريبية، رأى رجال الشرطة أن هؤلاء الجنود الشباب تنتظرهم أمهاتهم في منازلهم، إلا أن الجموع لم تتزحزح حتى إنهم حاولوا إسقاط شاحنة تابعة للشرطة كانت تنتظر إخراج الجنود.

الساعة 6:51 صباحاً
فجأة، هللت الحشود مع نجاح البعض في فتح فتحة صغيرة بالباب العلوي للدبابة، وفي غضون دقائق، أشعل المتجمهرون الخشب، والقماش، والزجاجات البلاستيكية، وعلب الكرتون، وقاموا بإلقائها داخل الدبابة لكي يخرج الجنود بتأثير الدخان.

استخدمت الشرطة خراطيم المياه على الفور لتفريق الحشود إلا أن ذلك لم يحقق النجاح المنتظر. ظهرت طائرة مروحية وبدأت تحلق حول الحشد، وهنا اصطف رجال الشرطة وأطلقوا النار في الهواء في محاولة لتشتيت الانتباه عن عملية إنقاذ الجنود من الدبابة.

في غضون دقائق، أخرجت الشرطة الجنود واحداً تلو الآخر وسط صيحات الحشود اللاعنة لهم، كما قاموا بركلهم وضربهم على الرغم من تأمين الشرطة لهم. في إحدى اللحظات تمكن الحشد من انتزاع أحد الجنود إلا أنه أُنقذ قبل أن يتمكنوا من مهاجمته، كان مشهداً مذهلاً أن تشاهد الشرطة تتعامل باحترافية شديدة، وبانضباط وضبط للنفس. الجنود الثمانية، الذين نعتهم الحشود بالخونة، أُنقِذوا دون أن يتعرض أي مواطن لإساءة أو اعتقال.

الساعة 7:22 صباحاً
وبينما واصلنا طريقنا للعودة، رأينا أكثر من عشر سيارات حطمتها الدبابات في منطقة وطن جاديسي -أحد الطرق الرئيسية بإسطنبول- الذي شهد إطلاق نار طوال الليلة بين جنود الانقلاب وبين الشرطة حتى تم إخضاع المتمردين واقتيادهم للسجن. وصلت إلى المنزل بعد ذلك بنصف ساعة، كنت منهكاً لكني أشعر بارتياح شديد.

الساعة 7:37 مساءً
في وقت لاحق من هذا المساء، مر علي صديقي مجدداً وتوجهنا إلى وطن جاديسي حيث تجمع الناس أمام مبنى البلدية للاحتفال بانتصارهم على محاولة اختطاف حريتهم وديمقراطيتهم.

السعادة، الارتياح، والأجواء الاحتفالية انتشرت حولنا بينما كان الآلاف يتظاهرون ويرقصون ويغنون، لم يكن هناك سياسيون، أو خطباء، لم يكن هناك أية صور أو شعارات حزبية. حمل الناس من مختلف الخلفيات والاتجاهات العلم التركي فقط، وغنوا الأغاني الوطنية، كان مشهداً رائعاً لسلطة الشعب وإرادته، أعطى شعوراً حقيقياً بالانتصار والإنجاز.

انقلاب مخطط له جيداً ولكنه فاشل

وحيث إنه فشل فشلاً ذريعاً، فقد أصبح من المألوف انتقاد الانقلاب ووصف مدبريه بالهواة المتلعثمين، وبينما شعروا بالمفاجأة، لم يدن عدد من المسؤولين السابقين في وكالة الاستخبارات الأميركية مثل جيمس وولسي، وجون مكلوفلين، وروبرت بير، محاولة الانقلاب بحق حليف لا غنى عنه في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، مشيرين إلى سوء التخطيط له.

ولكن، في حقيقة الأمر، لا يمكن القول بأن الانقلاب غير مخطط له جيداً، لقد كان كذلك، وكان من الممكن أن يحدث آثاراً أكثر تدميراً. كان العقل المدبر للانقلاب هو الجنرال آكين أوزتورك، القائد السابق لسلاح الجو التركي، الذي أقيل من منصبه العام الماضي. خدم أوزتورك لعامين أيضاً ضمن الملحق العسكري التركي في إسرائيل في تسعينات القرن الماضي.

يضاف إلى ذلك ضلوع عدد من الجنرالات والضباط البارزين، ومن ضمنهم قادة الجيش الثاني والثالث والرابع، وقائد قاعدة إنجرليك الجوية (التي تحتوي على عشرات القنابل النووية التابعة للناتو)، والذي طلب اللجوء السياسي للولايات المتحدة قبل أن تقابل السفارة الأميركية طلبه بالرفض، ويضاف إليهم عدد من الجنرالات من القيادات المحلية للقوات الخاصة.

كان الجزء الأهم في مخططهم هو شل سلسلة القيادة العسكرية التركية في وقت واحد من خلال القبض على كبار الجنرالات في الجيش التركي، ورئيس المخابرات، بالإضافة إلى الرئيس.

نجح مدبرو الانقلاب في احتجاز خلوصي آكار، رئيس أركان الجيش، في مبنى قيادة الأركان بعدما سيطرت عليه قوات الانقلاب الخاصة في بداية الليلة. اختُطِف قادة الجيش، والقوات الخاصة (الدرك)، والبحرية، واحتجزوا كرهائن أيضاً. أُلقِي القبض على قائد سلاح الجو أيضاً مع ضباط كبار آخرين، أثناء حضور زفاف ابنته.

كان الرئيس أردوغان يقضي إجازته في منتجع مارماريس على بحر إيجة، وكان من المفترض أن يشارك في لقاء خيري لكرة القدم يوم الأحد يضم نجوماً كباراً مثل نجوم برشلونة ليونيل ميسي ولويس سواريز ونيمار، ويقودهم أسطورة الكرة الأرجنتينية دييجو مارادونا.

تمكن أردوغان من تفادي الاعتقال على يد جنود الانقلاب بفارق دقائق قليلة بعدما تلقى تحذيراً من هاكان فيدان، رئيس المخابرات التركية، من انقلاب وشيك. كانت هذه نقطة تحول رئيسية في المواجهة بين مدبري الانقلاب وبين الحكومة التركية والشعب.

بعد ذلك بوقت قصير، أعلن يلدرم للعالم عن وجود محاولة انقلاب وتعهد بالقضاء عليها. عينت الحكومة على الفور قائد الجيش الأول في إسطنبول، أوميت دوندار، كقائم بأعمال رئيس الأركان بعدما تواصل مع الرئيس ومع محافظ إسطنبول وتعهد بمواجهة ضباط الانقلاب.

في ذلك الوقت، أسقطت قوات الانقلاب عدة قنابل على مبنى البرلمان (الذي اجتمع فيه أكثر من 100 من النواب المنتخبين)، كما هاجموا مقرات المخابرات، والقنوات التلفزيونية التي ظهر عليها أردوغان وغيره من مسؤولي الحكومة، بالإضافة لذلك، هاجم عدد من قادة الجيش الانقلابيين عدداً من المباني الأخرى، ومن بينها مقرات حزب العدالة والتنمية في أنقرة وإسطنبول.

الجدير بالذكر أن أردوغان عندما ألقى خطابه للأمة، حث المواطنين على مواجهة استيلاء الجيش على الحكم، إلا أنه لم يطلب من عناصر الجيش نفسها أن تتدخل، إذ لم يكن من الواضح حتى ذلك الحين إلى أي مدى تغلغل الانقلاب داخل الجيش.

وعلى الرغم من أن دوندار تمكن من استعادة السيطرة على العديد من وحدات الجيش، كان لقوات الشرطة والقوات التابعة للمخابرات الفضل في إجبار الانقلابيين على الاستسلام وهزيمة الانقلاب في نهاية المطاف. وفي أقل من 6 ساعات، كان أغلب جنود الانقلاب إما قد قتلوا أو أسروا أو هربوا.

وطبقاً لوزير الداخلية، بلغت الخسائر في صفوف المدنيين 161 قتيلاً، وأصيب 1400 آخرون، في حين قتل 104 من جنود الانقلاب، أغلبهم في أنقرة وإسطنبول. أُعِيدت قنوات التلفزيون التابعة للدولة، كما حُررت القيادات العسكرية المحتجزة على يد القنوات الخاصة والاستخبارات، بينما هرب ثمانية من أبرز المدبرين للانقلاب في مروحية متجهين صوب اليونان، إذ تسعى الحكومة التركية للقبض عليهم.

في اليوم التالي لمحاولة الانقلاب، كان واضحاً أن المؤامرة كانت كبيرة وعميقة، وتتضمن أكثر من 40 جنرالاً وعشرات العقداء وغيرهم من كبار الضباط. اتُهِم أعضاء من السلطة القضائية أيضاً بالتورط في محاولة الانقلاب، إذ تم القبض على 2800 من رجال الجيش، و2745 من رجال القضاء وأعضاء النيابة، بالإضافة لمئات المسؤولين الآخرين.

تشير الرواية الرسمية للحكومة إلى أن مدبري الانقلاب يدينون بالولاء لجماعة غولن، إلا أن الاعتقالات التي طالت الآلاف من المتآمرين تشير إلى تورط أعمق داخل الجيش والبيروقراطية التركية. نتيجة لذلك، وبحسب مسؤولين بارزين في الحكومة، منحت هزيمة الانقلاب فرصة نادرة للحكومة لإعادة هيكلة وبناء الجيش والقضاء، والتي وقفت طوال سنوات كعوائق تحول دون إنشاء مؤسسات ديمقراطية بالكامل.

جماعة غولن والانقلاب

وعلى الرغم من أن الوضع يبدو وكأن هناك العديد من الأطراف المتورطة في الأمر، فإن الشعب التركي والحكومة على قناعة بأن المجموعة الأساسية من مدبري الانقلاب هي من الموالين لجماعة غولن.

حركة غولن هي بمثابة جمعية سرية متجذرة تسيطر على موارد ومؤسسات كبرى، من بينها مدارس، وجمعيات خيرية، وشركات، ومؤسسات فكر، وصحف، وقنوات، وبنوك، وغيرها من المؤسسات.

ترفض الجماعة الانخراط بشكل مباشر في السياسة، إلا أن منتقديها يشيرون إلى أنها تطلب من أكثر أتباعها ولاءً التسلل إلى أهم مؤسسات المجتمع، وخاصة إلى الجيش، والشرطة، والقضاء. قائد الجماعة هو فتح الله غولن، وهو داعية ومفكر إسلامي يقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية منذ عام 1999. تملك جماعته قرابة 160 مدرسة في الولايات المتحدة، ومئات المدارس حول العالم.

كان الكثير من المراقبين متشككين في الاتهامات التي تثار حول الحركة، إذ إن أغلب نشاطها ينحصر في مشاريع تعليمية وخيرية، إلا أن العديد منهم في الولايات المتحدة وغيرها شعروا بالحيرة من العلاقة الوثيقة بين العديد من داعمي الجماعة في الولايات المتحدة مع منظمات بارزة موالية لإسرائيل.

أحد هؤلاء المؤيدي للجماعة هو عبد الله عنتبلي، إمام الجالية المسلمة بجامعة ديوك الأميركية، ومهندس برنامج يحمل اسم مبادرة القيادة المسلمة، والتي تهدف لإرسال الشباب القيادي المسلم الأميركي الواعد في رحلات مجانية إلى إسرائيل في محاولة لزيادة تعاطفهم مع الرواية الإسرائيلية. يصف عنتبلي نفسه بـ"المتعافي من معاداة السامية".

وفي أعقاب المجزرة الإسرائيلية بحق 10 مواطنين أتراك على متن سفينة مافي مرمرة، وجه غولن اللوم للضحايا في مقابلة أجراها، وبرأ مرتكبي المجزرة. عبر السنين، كونت جماعة غولن علاقات قوية مع عدد من الشخصيات العامة البارزة الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة ومن بينهم سياسيون.

كانت جماعة غولن في وقت ما حليفاً تكتيكياً لأردوغان وحزب العدالة والتنمية خلال العقد الذي قضوه في السلطة، والذي شغل أردوغان فيه منصب رئيس الوزراء. ووفقاً لمصادر مطلعة، تزايد العداء بينهم بمرور الوقت، وفي 2013 طالبوا أردوغان بتعيين مرشحهم لقيادة جهاز المخابرات الوطني. وعندما رفض أردوغان، بدأت الجماعة حرباً غير معلنة لتقويض حكمه. كشفت تلك الحرب المفتوحة إلى أي مدى تغلغل أتباع الجماع في جهاز الشرطة، والجيش، والقضاء، والإعلام.

وفي مخطط كشفته الحكومة التركية مؤخراً، وُجِد أن 6000 مسئول حكومي من بينهم الرئيس وأقرب مساعديه، تعرضوا للتصنت والمراقبة من قِبل جماعة غولن بحسب مزاعم الحكومة. بعد ذلك قرر أردوغان مواجهة الجماعة والتي يطلق عليها اسم "الكيان الموازي".

أخبرني الكثير من الأصدقاء الأتراك ممن لا ينتمون للحكومة أو للحزب الحاكم عن مدى تغلغل جماعة غولن في المجتمع. وبينما تعلم الكثيرون في مدارسها ويعرفها عن قرب، يصر هؤلاء على أن جماعة غولن تتبنى مبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة، وأنه لا خطوط حمراء لديهم عندما يتعلق الأمر بتحقيق أهدافهم. في الساعات الأولى للانقلاب، كان العديد من أعضاء الجماعة يشمتون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعندما دعا أردوغان الشعب للنزول للشوارع، طالب العديد منهم الناس بالبقاء في منازلهم والامتناع عن المشاركة.

بخلاف ذلك، تعتقد الأغلبية العظمى من المواطنين الأتراك أن الانقلاب دُبر من قِبل ضباط موالين لجماعة غولن، وأنهم كانوا على وشك أن يطردوا من الجيش. وفي أعقاب محاولة الانقلاب، تعهدت الحكومة بتقديم كل الأدلة ضد المخططين للانقلاب وانتماءاتهم علناً.

ردود الفعل الدولية: من الإدانة إلى التردد إلى الموافقة الضمنية

من المؤكّد أن هذا الانقلاب العسكري كان له داعمون دوليون. على الرغم من أن هؤلاء الداعمين غير معروفين حتى الآن، فإن التحقيقات المرتقبة من قِبل الحكومة قد تكشف عن ذلك. لكن ردود الفعل الدولية اختلفت من دولة لدولة، فالدول التي تعتبر أردوغان عدواً لدوداً -كالحكومتين السورية والمصرية- أظهرت شماتتها عندما علمت بمحاولة الانقلاب.

أما قطر التي تعتبر شريكاً استراتيجياً لتركيا في المنطقة، فكانت أول من يدين محاولة الانقلاب بعد وقت قصير من ظهور أردوغان على شاشة التليفزيون، أما السعودية فامتنعت عن إصدار أية تصريحات حتى اليوم التالي عندما تأكّد فشل الانقلاب.

وقد اتخذت الإمارات موقفاً غير واضح كحال الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية، إذ دعت إلى التزام الهدوء وتجنّب العنف دون إدانة الانقلاب العسكري، بينما التزمت إسرائيل الصمت لفترة طويلة بلغت 15 ساعة قبل أن تعلن استنكارها للانقلاب، بعد أن كان فشل الانقلاب قد تأكَّد.

أما إيران فقد أدانت الانقلاب بشكل صريح، وأعلنت أنه لا مجال للانقلابات في عالمنا اليوم. وقد قامت مصر بصفتها أحد أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتعطيل صدور بيان عن المجلس يدين الانقلاب ويؤكد أن الحكومة التركية منتخبة ديمقراطياً، أما جامعة الدول العربية فقد غابت عن المشهد تماماً
تحدّث وزير الخارجية الأميركية جون كيري في مؤتمر صحفي كارثي عُقِد في موسكو، دون أن يندد بالانقلاب أو حتى ينتقده. وفي وقت لاحق، أصدر البيت الأبيض بياناً باسم الرئيس باراك أوباما يدين الانقلاب ويدعم الحكومة التركية.

اتخذت الدول الأوروبية موقفاً مشابهاً لموقف الولايات المتحدة، فلم يعلنوا موقفاً واضحاً حتى تأكّدهم من فشل الانقلاب، كان موقف روسيا متردداً فلم تدين الانقلاب حتى يوم الأحد، عندما كانت الحكومة التركية قد سيطرت على الأمور تماماً، أما الصين فقد التزمت الصمت حتى انتهاء الانقلاب.

لكن نفاق الدول الغربية بلغ حد الإذهال، فبعد مرور يوم على فشل الانقلاب أظهر مسؤولو الغرب عن قلقهم بشأن مصير الانقلابيين أكثر من قلقهم على ضحايا الانقلاب الذين كانوا لم يدفنوا بعد. وفي يوم الاثنين، وجّه وزير الخارجية الأميركي ووزراء خارجية أوروبيون تحذيراً شديد اللهجة للحكومة التركية يرفض حملة القمع التي شنّتها، ويرفض إعادة العمل بقانون الإعدام، وعندما طلبت الحكومة التركية من الولايات المتحدة تسليم غولن، طلبت الولايات المتحدة بعض المستندات والأدلة قبل أن تنظر في طلب الحكومة التركية.

بدا ازدواج المعايير لدى الحكومة الأميركية واضحاً تماماً، عندما اتهمت الحكومة الأميركية أسامة بن لادن بتدبير هجمات 11 سبتمبر/أيلول، طلبت من حركة طالبات تسليمه، عندما طلبت حكومة طالبان في أفغانستان من الحكومة الأميركية تقديم أدلة، تجاهلتها الحكومة الأميركية، وقامت بغزو أفغانستان والإطاحة بطالبان.

في أعقاب محاولة الانقلاب الدموية، يدين مسؤولو الغرب حركة الاعتقالات الواسعة التي تنفذها الحكومة التركية ضد مدبري الانقلاب، لكن الولايات المتحدة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر قامت بحملة اعتقالات جماعية، راح ضحيتها العديد من العرب والمسلمين الأبرياء.

من أهم نتائج الانقلاب بالنسبة للأتراك هي قدرتهم الآن على التفريق بين الأصدقاء الحقيقيين والمزيفين، ومعرفة من يتمنون السوء للشعب التركي ويتعاطفون مع مدبّري الانقلاب.

لا قوة فوق قوة الشعب

هناك العديد من الأسباب المهمة وراء إحباط محاولة الانقلاب، بالرغم من أن محاولة الانقلاب كانت مخطط لها جيداً، فإنها لم تضم كبار ضباط الجيش كما حدث في انقلابات سابقة. ظل العديد من كبار المسؤولين العسكريين موالين للحكومة مثل هاكان فيدان رئيس جهاز المخابرات وأوميت دوندار القائم بأعمال رئيس هيئة أركان الجيش. كانت يقظتهم وإخلاصهم خلال الساعات الحرجة للانقلاب سبباً في إحباطه.

علاوة على ذلك، كانت وسائل الإعلام التركية والطبقة السياسية على درجة كبيرة من المسؤولية، إذ شهدت وسائل الإعلام الخاصة إجماعاً على معارضة الانقلاب، حتى المعارضين منهم لأردوغان ولحزب العدالة والتنمية. اتخذت وسائل الإعلام موقفاً حازماً ضد الانقلاب، ومن خلالها استطاع الرئيس ورئيس الوزراء التحدّث إلى الشعب.

أظهرت الأحزاب السياسية الأربعة في البرلمان التركي -التي قلما تتفق على أي شيء- وحدتهم وأعلنوا موقفهم برفض الانقلاب ودعم الديمقراطية. ثبت نواب البرلمان على موقفهم رغم قصف البرلمان من قِبل طائرات حربية تابعة للانقلابيين.

بالإضافة إلى ذلك، كان دور أردوغان القيادي حاسماً في إحباط محاولة الانقلاب، فقد بدا حازماً وثابتاً في خطابه الذي ألقاه إلى الشعب التركي ليناشدهم النزول إلى الشوارع والدفاع عن ديمقراطيتهم. بالرغم من أن الكثيرين يرون أردوغان كشخصية استقطابية، فإنه لا أحد ينكر الكاريزما والشعبية والصفات القيادية التي يتمتع بها. ارتكب مدبّرو الانقلاب وداعموهم الدوليون خطأً فادحاً عندما استهانوا بأردوغان وبقدرته القيادية.

لكن الفضل يعود في النهاية إلى الشعب التركي، الذين لم يلبثوا دقائق حتى نزلوا إلى الشوارع وحملوا أعلام بلادهم وأظهروا عزيمة قوية لهزم الانقلاب، بمختلف الأعمار والأجناس والطبقات الاجتماعية والأعراق والأيديولوجيات والأديان.

تعهّد ملايين المتظاهرين بعدم مغادرة الشوارع حتى ولو استغرق الأمر أياماً أو أسابيع، حتى يستعيدوا ديمقراطيتهم وحرية بلادهم من الانقلاب العسكري. في الواقع، قد يكون هذا الانقلاب العسكري هو الأقصر في التاريخ، إذ أنهى الشعب التركي الانقلاب وأعلنوا انتصارهم بعد ست ساعات فقط.

الأحد، 17 يوليو 2016، الساعة 2:03 مساءً
تجمَّع الآلاف في مسجد الفاتح التاريخي للصلاة على سبعة من ضحايا الانقلاب الدموي، من بينهم واحد صديق للرئيس بشكل شخصي.
كان أردوغان والرئيس السابق عبد الله غول ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو في مقدمة المشيعين لضحايا الانقلاب، الذين وصفهم أردوغان بـ"شهداء الديمقراطية"، وقال في نهاية حديثه "لا قوة فوق قوة الشعب".

--------------------------

الدكتور سامي العريان هو أكاديمي ومفكر فلسطيني، عاش لأربعة عقود في الولايات المتحدة قبل أن ينتقل إلى تركيا عام 2015. بسبب نشاطه الطويل في القضية الفلسطينية ودفاعه عن حقوق الإنسان والحقوق المدنية، احتُجز كمسجون سياسي في الولايات المتحدة وقضى أكثر من عشر سنوات في السجن أو تحت الإقامة الجبرية حتى أسقطت التهم الموجهة إليه عام 2014.


هذه التدوينة نشرت على موقع ميدل إيست آي للإطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.