المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامي العريان Headshot

محنتي: إحدى المحاكمات السياسية الأميركية العديدة منذ 11 سبتمبر/ أيلول

تم النشر: تم التحديث:

مر من الزمن 10 سنوات منذ أن انتهت هيئة المحلفين بالمحكمة المحلية بمدينة تامبا بولاية فلوريدا من نظر قضيتي دون إصدار حكم واحد بالإدانة في نهاية المحاكمة التي استمرت 6 أشهر بالولايات المتحدة الأميركية. ورغم الانتصار القانوني، كانت المصيبة التي تحملتها أنا وعائلتي لسنوات عديدة صعبة ومرهقة. ولكن منذ 11 سبتمبر/ أيلول، لم يكن المئات من ضحايا المحاكمات السياسية الأخرى في الولايات المتحدة أكثر حظاً.

لذا، اسمحوا لي أن أتحدث بشكل مباشر وصريح جداً. لا يوجد شيء أكبر من بقاء الأميركيين العاديين على المحك كشعب حر يعيش في مجتمع مفتوح وديمقراطي. في الوقت الراهن، يقف الأميركيون الشجعان المنزعجون من تجاوزات الحكومة على جبهة الكفاح من أجل استعادة الأسس والمبادئ التي نشأت عليها هذه الأمة. ولكنهم في حاجة إلى الاتحاد والتنظيم عن طريق تشكيل ودعم المؤسسات التي تحارب قوى الجهل والتعصب والإقصاء.

إن البيئة الحالية المعادية للمهاجرين وللإسلام والتي تغذي كراهية الإسلام وكراهية الأجانب والعنصرية تهدد طبيعة المجتمعات الحرة والحكومات الديمقراطية. فمنذ 11 سبتمبر/ أيلول، تتحول أميركا ببطء ولكن بثبات إلى دولة الرقابة والأمن. وإذا لم يتم تحويل هذا الاتجاه إلى الاتجاه العكسي، فإن أي شخص وليس فقط المجتمع الإسلامي الأميركي يمكن أن يكون مهدداً ولن يكون المواطنون قادرين على أن يزعموا أنهم أحرار تماماً.

منذ أكثر من نصف قرن، وصف جورج أورويل هذه النوعية من البلاد في روايته 1984 قائلاً: في مثل هذا المجتمع، سيصبح الخوف من الحكومة هو الوضع الطبيعي الجديد. ومن ثم، سيتم غرس ثقافة الخضوع لمفردات جديدة وكلام منظم: الحرب هي السلام والعبودية هي الحرية والجهل هو القوة. وفي مثل هذه البيئة التي يسيطر فيها الخوف على المجتمع، يبدأ الناس الامتثال لكل سلوك تمليه الحكومة عليهم.

لذلك، عندما سمعت الابنة أباها ينتقد الأخ الأكبر في حلمه، أبلغت عنه السلطات وتم القبض عليه على الفور ومحاكمته وإدانته والزج به في السجن. وفي الرواية، يصف أورويل شعور الأب بالامتنان تجاه ابنته نتيجة الإبلاغ عنه قبل أن يقوم بتنفيذ محتوى حلمه، لأنه لو فعل ذلك لكان قد تم إعادة تأهيله في ذات الوقت.
ولكنها رواية خيالية لا أكثر.

جرائم التفكير

خلال محاكمتي، كان أحد الأدلة التي استخدمت ضدي عبارة عن مكالمة هاتفية بين اثنين من المتهمين حيث روى أحدهما للآخر محادثة تمت بينه وبيني في حلمه. لقد كان يذكرنا بجريمة التفكير في رواية أورويل.

وفي الواقع، فإن الكثير من أدلة الحكومة التي عرضت على هيئة المحلفين خلال محاكمتي التي دامت لستة أشهر كانت تتألف من خطب ومحاضرات ألقيتها ومقالات كتبتها ومجلات قمت بتحريرها وكتب مملوكة لي ومؤتمرات عقدتها ومسيرات شاركت فيها ومقابلات حضرتها وأخبار سمعتها ومواقع الكترونية لم أدخلها على الإطلاق.

وفي الحقيقة أشعر أنا وعائلتي بالامتنان لأن هيئة المحلفين استطاعت أن ترى التكتيكات المخادعة للحكومة ولم ترد بحكم واحد بالإدانة على أكثر من 100 تهمة تم توجيهها لجميع المتهمين.

ومع ذلك، لم يكن الجميع محظوظين هكذا. ففي الوقت الراهن، يقضي د. علي التميمي حكماً بالسجن مدى الحياة على تقديمه ما يفترض أنه فتوى دينية. ويقضي طارق مهنا حكماً بالسجن لمدة 17 عاماً على ترجمة وثيقة. ويقضي مفيد عبد القادر حكماً بالسجن لمدة 20 عاماً على غناء أغان لفلسطين. ويقضي كل من غسان العاشي وشكري أبو بكر حكماً بالسجن لمدة 65 عاماً على قيامهم بتوفير طعام وملابس للأطفال الفلسطينيين الجوعى، بينما يقضي د. رافيل ظافر حكماً بالسجن لمدة 22 عاماً على تقديمه الطعام للأطفال العراقيين.

ويقضي أحمد أبو علي حكماً بالسجن مدى الحياة بسبب اعتراف كاذب تم الحصول عليه تحت التعذيب. وحُكم على د. عافية صديقي بالسجن لمدة 86 عاماً بسبب حادث كانت هي الضحية فيه حيث تم إطلاق النار عليها وكادت تُقتل. ويقضي زياد ياغي حكماً بالسجن لمدة 32 عاما في قضية تآمر مفبركة لأنه سافر إلى الخارج بحثاً عن زوجته. ويقضي إمام ياسين عارف ومحمد حسين حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً في مؤامرة أخرى حيث تمت كتابة السيناريو وجرى التخطيط والتمويل والتنفيذ والإخراج من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.

والقصد هو ذلك، أناس أبرياء يعانون وتتعذب عائلاتهم بسبب معتقداتهم وآرائهم وجمعياتهم ودعواتهم - جميع الأنشطة المحمية طبقا للتعديل الأول.

خلال الخمس سنوات ونصف السنة التي قضيتها في السجن، كان لابد أن أقضي 41 شهراً متتالية في الحبس الانفرادي، كان معظمها قبل وأثناء المحاكمة. لم تكن ظروف الحبس تختلف عن تلك الظروف في خليج غوانتانامو، وكانت مصممة لكي تحطم الأفراد نفسيا: على سبيل المثال لا الحصر، العزلة والحراس المسيئين والقليل من الاتصال مع العائلة والأصدقاء أو عدم توفر ذلك والتعذيب النفسي والفرص المحدودة لمراجعة الأدلة الحكومية.

المعاملة أسوأ من التعامل مع المجرمين

كان جميع ضحايا المحاكمات الحكومية تقريباً يخضعون لمثل هذه المعاملة اللاإنسانية. وفي الواقع، لدى السفاحين والمغتصبين حقوق بنظام السجون أكثر من المتهمين المسلمين الأميركيين وغيرهم من النشطاء السياسيين المتهمين الذين لديهم الحق في افتراض البراءة وفقا للقانون.

وحتى بعد صدور الحكم، يتم وضع عدد كبير جداً منهم في الحبس الانفرادي أو في ما يسمى بوحدات إدارة الاتصالات، وهي سجون خاصة تهدف الى حرمان السجناء المسلمين من حقوق كثيرة ممنوحة للمجرمين الخطرين المدانين.

ومع ذلك، لا يأبه الأشخاص الأحرار بالأساليب الترهيبية، بل على العكس من ذلك، هؤلاء الناس يظهرون الشعور بالإنصاف واحترام حرية الآخرين، وأنهم على استعداد للوقوف والدفاع عن مثلهم العليا. هذا هو جوهر المجتمع الديمقراطي، حيث لا يكون لدى الناس الاستعداد للخضوع للخوف أو الترهيب أو أن يتم تخويفهم من قبل السلطة التعسفية وتكتيكاتها المستبدة.

وهنا يكون السؤال: هل يريد الأميركيون الدفاع عن حقوقهم ويظلون شعباً حراً؟ أو يرغبون في الخضوع للخوف والقمع؟ تذكروا، "كل ما يحتاجه الاستبداد لكي يحكم هو أن يلتزم أصحاب الضمائر الحية الصمت أو ألا يفعلوا أي شيء".

لحماية الحريات المدنية يجب أن نتحدث أكثر مما نصمت، وأن نتحدى السلطة الفاسدة وأن نقول الحقيقة للسلطة التي كثيرا ما تجعل الخوف يحل محل التفكير العقلاني من أجل السيطرة وإملاء ما تريده.

ولكن في كثير من الأحيان يكون الضعفاء من أفراد المجتمع مصدومين للغاية لدرجة أنهم لا يستطيعون التحدث نيابة عن أنفسهم أو الدفاع عن حقوقهم. لذلك يصبح لزاماً على أصحاب الضمائر الحية وواجبنا الجماعي ومسؤوليتنا الرسمية أن ندافع عن قضيتهم ونثقفهم ونبلغ الجماهير العامة. إنهم الركيزة الحقيقية الوحيدة للحفاظ على الحرية.

من يقول الحقيقة للسلطة؟

لا يتأتى ذلك إلا من خلال تحرير أنفسنا من الخوف وممارسة حقنا في الحديث والتعبير عن أنفسنا بشكل حر والاحتجاج والاعتراض والضغط والتعبئة والعمل. باختصار، لا يتأتى ذلك إلا من خلال أن يصبح كل منا مواطناً حراً وإنساناً ذي كرامة. إن ما يميز القادة العظام مثل المهاتما غاندي ومالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا هو استعدادهم لقول الحقيقة للسلطة ودفع ثمن ذلك إذا لزم الأمر.

خلال فترة وجودي داخل السجن كنت أتساءل عمن كان يتحدث نيابة عن أولئك الذين تم استهدافهم بشكل خاطئ من قبل الحكومة. من الذي كان يعيل أسرهم أو يقدم المشورة لزوجاتهم أو يمسح دموع أمهاتهم أو يعانق أطفالهم؟

وعندما أُطلق سراحي تحت الإقامة الجبرية في عام 2008، انتظرت لمدة عامين على أمل أن تبدأ بعض المنظمات القائمة في العمل وتحمل شعلة الدفاع عن المظلومين أو تكون منارة للحرية أو تصبح صوتاً لمن لا صوت لهم. ومع ذلك، لم يحقق الانتظار أي شيء.

وفي نهاية المطاف، وفي شهر أغسطس/ آب 2010، حيث كنت لا أزال تحت الإقامة الجبرية، دعوت أكثر من 20 من المنظمات والنشطاء لكي يتمكنوا من إنشاء المنظمة التي يمكنها إنجاز هذه المهمة التي لم تكن أي منظمة أخرى على استعداد للدفاع عنها. وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2010، تم تأسيس الائتلاف الوطني لحماية الحريات المدنية. وكان الائتلاف واحداً من عدد قليل جداً من المنظمات في أميركا التي لديها الاستعداد للتعامل مع هذه القضايا الصعبة التي تجاهلها العديد من القادة والمنظمات.

وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، قام العديد من النشطاء البارزين وذوي الضمير الحي في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية بتثقيف صناع القرار وتنوير وسائل الإعلام ورفع الوعي داخل المجتمعات والدفاع عن حقوقنا القانونية ودعم أسر الضحايا. والآن، يحتفل الائتلاف الوطني لحماية الحريات المدنية بعيده الخامس.

وبالتالي، نيابة عن جميع ضحايا الظلم، أطلب منكم خلال عطلة هذا الموسم دعم هذه القضية الهامة ودعم الائتلاف الوطني لحماية الحريات المدنية والمنظمات المماثلة. يرجى إبداء اللطف والكرم، إن لم يكن من أجل الضحايا وأسرهم التي تعاني، فليكن من اجل مستقبل أولادكم.

هذه هي دعوتنا ومهمتنا والتحدي الذي نواجهه. ولسوف يحكم التاريخ علينا على أساس استجابتنا. أرجو أن تفتحوا قلوبكم وتكونوا كراما.

ملحوظة من المحرر: تم اتهام دكتور العريان من قبل وزارة العدل الأميركية عام 2003 وتضمنت لائحة الاتهام 53 اتهام. وعقب محاكمة استغرقت 6 شهور خلال عام 2005، قامت هيئة المحلفين بتبرئته من معظم الاتهامات، بينما ظل يواجه بعض الاتهامات الأخرى، حيث بلغ تصويت المحلفين 10-2 لصالحه.

وفي عام 2006، وقع العريان على التماس اعترف من خلاله بكونه مذنباً باقتراف جريمة المساهمة في تقديم خدمات إلى حركة الجهاد الإسلامية الفلسطينية، التي تصنفها واشنطن كجماعة إرهابية.

ووفقاً لمحاميي العريان، فإنه قام بالتوقيع على الالتماس كي يحظى بحريته وينهي محنته فقط. وفي عام 2008، وجهت الحكومة الأميركية تهمتين جديدتين إلى العريان. ومع ذلك، فقد تم رفض الدعوى عام 2014 بينما كان قيد الاقامة الجبرية. وانتقل العريان للعيش في تركيا في أوائل عام 2015.



المصدر