المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر محمد  Headshot

الحقيقة المطلقة فرض محال

تم النشر: تم التحديث:

قلت: مللنا من تكرار سؤال الحقيقة المجرد، الذي فور طرحه تثور معه تساؤلات أخرى من قبيل "أي حقيقة؟ وبالنسبة لمن؟"، وعلينا أن نعيد طرح السؤال من جديد ليكون: ما هو مصدر الحقيقة؟ مَن الذي يصنعها؟ أو بعبارة أخرى مَن الذي يضفي على الحقيقة هذه الصفة؟ إن استطعنا الإجابة على هذه التساؤلات ستغدو الحقيقة أكثر بساطة وأعمق وضوحاً.

دعني أقدّم أولاً بأن هناك حقائق كونية راسخة الثبوت لا يمكن تبديلها أو تحويلها إلا بأمر مكونها وخالقها، وهذه تعتبر من الحقائق المطلقة التي لا يمكن لوعينا أن يصطدم معها أو حتى يتنكر لها، في حين أن هناك حقائق هي نتيجة لنشاط وتفاعلات بشرية هي بلا شك نسبية وتتفاوت بتفاوت مستويات إدراك ووعي البشر.

وحين الحديث عن الحقائق النسبية فهي بالطبع حقائق ديناميكية متغيرة باستمرار في حقل الوعي البشر تجري عليها الخبرات والتجارب والمشاعر والقيم البشرية فتصنع منها ما تصنعه من حقائق.

ولهذا فإنه لا توجد حقائق مطلقة من صنع البشر، وكل ما هو حقيقة في نظرهم هو من صنيع وعيهم، وهو في عداد النسبية، والحاصل أن الحقيقة التي يفرزها وعي أحدنا ما هي إلا نتيجة لمجموعة من المعطيات الظرفية التي توفر عليها هذا الوعي وتفاعل معها، وبالتالي فإن الحقيقة هي حقيقة في إطار مرجعها "الوعي"، وهي كما أسلفنا ديناميكية متغيرة بحسب أطرنا التصورية عن أنفسنا وعن العالم الخارجي، وهي ليست أكثر من مقاربة لما نعتقده حقيقة.

وحين توافر معطيات جديدة، فإن هناك حقائق جديدة تطفو على السطح، ويبدو لنا ما كان حقيقة في وعينا بمثابة لقطة في فيلم أو مشهد في فصل مسرحي لم ينتهِ بعد، حين ندرك أن الحقيقة ما هي إلا حقائق في حقل الوعي البشري، وتتجلى لكل فرد منا بحسب أطرنا الإدراكية، والواقع أن الخارطة ليست الحدود.

ولكن الحقيقة قد تكون مطابقة للواقع، أجل قد تكون وهذا لا يعني أنك غير مشارك في صناعة الواقع، أو على الأقل في صناعة واقعك الذي تعيشه، أياً كانت الحقيقة أو مجموعة الحقائق التي تعتقدها فهي انعكاس لواقعك، أو إن شئت فقُل إن واقعك هو انعكاس لما تحمله من حقائق في ذلك الصندوق المعتم داخل رأسك، إنك بشكل أو بآخر مساهم في صناعة واقع أصبح حقيقة ولك الخيار الآن، وفي كل آن أن تغيره وأن تسمح باحتمال ما تنويه.

لنفرض أننا قمنا بدعوة ثلاثة أشخاص هم الحقيقة والواقع والخيال، ترى مَن أكثر مَن يؤثر في الآخر: الحقيقة، الواقع، أم الخيال؟
الحق أن كلاً منهم يتأثر ويؤثر بالآخر، ولكن لا عجب وربما تصدم إن قلت لك إن الخيال هو السيد وأصالة له التأثير، وهو من يصنع الواقع أو له القدرة على توجيه الواقع، كما يقول الروسي فاديم زيلاند، ومن ثم يفرض هذا الواقع نفسه ليصبح فيم بعد حقيقة، إن عبارة أنشتاين التي خلَّدها الزمن "الخيال أكثر أهمية من المعرفة"، هي بصدد ما نتحدث عنه، وهي ملخص لحياة رجل أحدث تحولاً كبيراً في مسيرة العلم في القرن العشرين، وهي عبارة تصف الرجل الذي عكف على تأمل المعادلات الرياضية وحلها ذهنياً دون اللجوء إلى التجارب العلمية واستخلاص النتائج والصياغات الرياضية كالمعتاد، فبالخيال تستطيع صناعة واقع افتراضي يمهد لواقع تتجلى نتائجه مادياً في حياتك، ولكن هل الخيال وحده كافٍ؟ حتماً الإجابة لا، وإنما بالخيال تستطيع أن ترسم الواقع الافتراضي المرغوب الذي تطمحه، وتطمح إلى أن تكونه كرؤية واضحة تتطلب أن تعيشها كما لو أنها تحققت، وهذا يمكن تحقيقه على مستوى الأفكار والمشاعر فقط، بينما هناك مستوى ثالث يتكامل مع المستويين السابقين، وهو مستوى الفعل، وهو اتخاذ خطوات عملية من أجل تجليها في الواقع، وبدون الفعل يتحول الخيال إلى مجرد أحلام، وهذا موضوع فيه تفصيل سأتناوله لاحقاً في تدوينة منفردة.

بالعودة إلى الحقيقة التي هي في الحقيقة غير متعينة بلغة فيزياء الكم، بل هي حقائق نسبية متعددة في حقل الوعي البشري، أقول إن من رحمة الله على عباده أن خلقهم بشراً متناسخين متناسلين منفية عنهم صفة الكمال، وأنه في عمق إنسانيتنا يكمن البحث عن الحقيقة التي لن نصيب منها إلا بقدر ما أتاحه لنا وعينا وإدراكنا وقوة اتصالنا بالمصدر، وهو بلا شك قدر الفنجان من المحيط، ويستحيل أن نحيط بالحقيقة من كل وجوهها إلا إذا استحلنا إلى آلهة أو طوينا المسافة الإدراكية بين علمنا وعلم الله، وحينها سنصيب الحقيقة المطلقة، وهذا فرض مُحال في عالم البشر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.