المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر محمد  Headshot

هوية الحب

تم النشر: تم التحديث:

للحُب معانٍ وصور وتمظهرات مختلفة، وقد يتحدث أحدنا عن الحب كمفردة لها معنى يختلف من شخص لآخر، بحسب شكل وطبيعة العلاقة أو حتى بحسب طبيعة أطرنا التفكيرية والزاوية التي من خلالها ننظر، وقد لعب الموروث التربوي والقيمي المجتمعي دوراً كبيراً في صياغة المفهوم معناً وممارسة، فضلاً عن دوري الإعلام والفن كأداتين فاعلتين ومؤثرتين في تشكيل هويته!

وليسمح لي السادة المحامون بأن ألعب دورهم في الدفاع عن الحُب أمام من حرَّفوه وطمسوا معناه وجعلوا فيه موضع الشبهة الاتهام، ولنضرب أمثلة سريعة قد تنسحب على الغالبية، فالمراهقون "ومنهم من تجاوز الأربعين"، يتعاملون مع الحُب على أنه متعة مادية شهوانية، ولا تعدو كونها علاقة جسدية بين اثنين، رومانسية لكن من النوع الذي نمت في معبد الغرائز، والزاعمون للتدين فبمجرد سماعهم للحب تنطلق ألسنتهم فوراً في إصدار الأحكام، ويتبادر إلى أذهانهم مفاهيم من قبيل حرام وشبهة ولا يجوز، كأن الحب حرام وشبهة ولا يجوز، أما العنصريون الذين يصنفون الناس على أساس الهوية الفكرية، والتنظيم، والجماعة، والحزب، والهيئة والشكل، فالحب ينحصر وفق تصنيفهم وبناء على معاييرهم الضيقة وعلى قاعدة "هل هو من جماعتنا؟!"، كما لا أستثني من الأمثلة ذاك النوع من الوسط الفني والغنائي الذي يصوّر الحب بطريقة درامية "جراح وعذاب وانتقام وآهات وندم"!

كما أن الحب المشروط أمثلته كثيرة في التربية والتعليم والإرشاد والعلاقات وفي الزواج وغيرها، فنموذج الأبوين اللذين يربيان الأبناء على حبهما من خلال فعل كل ما يريدانه هو نموذج للحب المشروط، ومثله نموذج العلاقات القائم على "إذا تحبني أفعل ما أريد"، كما أن التربية الدينية أفرزت علاقة يحكمها الخوف والهلع بين الله وعباده، وأصبحت فعالنا دوافعها الخوف من الله أكثر من حبنا له، وأنا أقول وأؤكد على هذا من خلال احتكاكي وتجربتي مع المتدينين من كل الأديان تقريباً، تربية روحية جوفاء تُعزى فيها الأفعال إلى مؤثرات الترغيب والترهيب لا إلى دوافع الحب من حيث هو، وحين تسأل الطفل لماذا تمتنع عن فعل هذا التصرف؟ أو لماذا ترغب في فعل ذاك التصرف حينها ستسمع انعكاس تلك التربية الدينية على أجوبتهم "لا أريد فعل كذا؛ لأنني لا أريد أن أدخل النار/ لا أريد أن أُغضب عيسى Jesus عليه السلام/ المبجّل بوذا قال لنا افعل هذا وامتنع عن فعل ذلك"، محرومون من نعمة أن يكونوا هم كما هم، وأن يسمحوا لغيرهم أن يكونوا أنفسهم، وكم نحن بحاجة لأن نكون أكثر شفافيةً وتصالحاً مع أنفسنا بعيداً عن أي تقنيع Masking ديني أو تربوي! ومن هنا يتورط الحب مع كل ما سبق من أمثلة في مسألتين: الاختزال الجنسي بالمعنى المادي للكلمة، والمشروطية التي تتغيّا شيئاً مقابل الحُب، فضلاً عن العنصرية في النظر إلى مفهوم الحب، وهذا إنما ينم عن عدم نضج ووعي كافٍ للحب كقيمة، وبسبب سوء الفهم وسوء الممارسة، وجدت نفسي مدفوعاً لأن أكتب عن الحب موضحاً معانيه ومسائله وبعض صفاته علَّنا نساهم في إعادة رسم صورته الفطرية السليمة، تلك الصورة التي شوّهتها غالبية الأفلام الهوليوودية والبوليودية الهندية والسينما المصرية ومسلسلات الدراما الكويتية والبطولات التركية والرومانسية الكورية وغيرها، وكله وللأسف يُمارس باسم الحب!

والمتأمل في بنية وكينونة الحُب يرى أن الحُب هو أصل وفطرة وفيه كل الخير والجمال، فالحُب طاقة إنسانية عالية، وهي على مقياس الوعي لـDavid Hawkins تصل إلى وعي 500 ويمتد هذا الوعي ليؤثر على عدد 750 ألف شخص من السلبيين! وعلى مستوى المشاعر فهي إيجابية مرتفعة وقد قامت الكاتبة والمحاضرة العالمية Esther Hicks بتصنيف الحب رقم واحد من أصل 22 في نظام تصنيف المشاعر الخاص بها، ومن حيث الترددات فهي ذبذبات المعجزة 528 هيرتز! والحب من ناحية عملية يأتي بعدة معانٍ عميقة تنسجم مع بعضها، فتمظهرات الحب تتجلى في عدة معانٍ منها: عطاء لا منع، اهتمام لا إهمال، مساعدة لا إيذاء، قبول الآخر كما هو لا محاولة تغييره، إيجابية لا دراما مفتعلة، مسالمة لا معاداة، تسامح وحلم وأناة لا تعصب وانتقام، الحب تفاهم واستيعاب لا جدال، أمان لا خوف، طمأنينة لا قلق، تسليم لا تحكُّم، تحرير لا استعباد، خيار لا إجبار، رحمة لا استبداد وفظاظة وغلظة، الحب لين وكرم أخلاق لا استعراض عضلات و"بذاءة لسان"، وأخيراً الحب تقدير لا "بَلَادَة" إخلاص لا خيانة!

هذه بعض معاني الحب غير المشروط المجرد من كل مادية ولُوثة فهم وممارسة، تلكم المعاني من خلالها يستطيع المربون، والآباء والأمهات، والمرشدون، والتربويون، والمتزوجون والمقبلون على الزواج، وصنّاع السلام ونشطاء المجتمع المدني، يستطيعون ممارستها في حياتهم ونشرها وتعزيزها في نفوس الآخرين.

صفات الحب:

• يقبل الكل على قاعدة الإنسانية، ولا قيمة لأي تصنيف أمام سعة قبوله.

• مسالم لا يشارك في عنف ولا يؤجج فتنة، فهو يتعاطى مع الأحداث بتهوينها لا تهوليها، وأينما وجد في بيئة صراع فهو يخمّد كل طاقة سلب ولا يُسعّر حرباً أو يجلب دماراً أو تهلكة لذاته ومحيطه.

• متسامح يصفح يعفو يغفر، وهذا دليل وجوده في اللحظة وعيشه الحاضر، لا الماضي ولا المستقبل.

• يعمل لخدمة الإنسانية، ودائم التركيز على الأمور الإيجابية التي تخدم البشرية.

• هيِّن ليِّن سهل رحيم رقيق رفيق بالناس.

• حُر فهو يعشق الحرية ويعشق أن يمنحها للآخرين، وليس تملُّكياً أو كنترولياً تحكمياً.

• واضح في مطلبه، صريح في تعبيراته من دون أذى، شفاف مع نفسه.

• واعٍ يعرف الفرق بين الشخص وسلوكه، فمادة الحوار والنقاش لديه هي الأفكار والآراء وليس الأشخاص.

• لا يتوقع أي شيء من أي أحد، ولا يساوم على معروف.

مسائل توضيحية في الحب:

• الحب مسألة فطرية وذاتية تلقائية نابعة من الداخل، ومن يبحث عنه في الخارج كمن يركض وراء السراب، وهذه دعوة لأن نحب أنفسنا أولاً، وإلا ففاقد الشيء لن يعطيه!

• الحب طاقة شفاء وقانون كوني يصنع المعجزات.

• الحب فعل وليس اسماً، والحب سلوك عملي وليس مجرد مشاعر فقط.

• الحب ليس التعلق، فالحب هو حب من حيث هو، بينما التعلق هو ارتباط وتحكم.

• الحب لا يأتي إلا عن إرادة واختيار، وكل محاولة إجبار أو تحكم فيمن نحب فهي خارجة عن المعنى.

• الحب بين اثنين في طبيعتها ليست علاقة ثنائية بين كيانين مستقلين، وإنما هي علاقة تكامل واندماج تنصهر فيها الفروقات، وينخفض فيها مستوى الإيجو، وهي مع الآخرين علاقة جمعية يستوى فيها ما تحبه لنفسك مع ما تحبه وتتمناه للآخرين، فالهوية مشتركة وقائمة على أساس وأصل واحد هو الإنسانية.

• الحب جوهر وكينونة ولا علاقة له بالشكل والمظهر، وكل حب سببه الرئيسي منطق الصورة فهو إعجاب أو شهوة.

• عندما نقع في حب شخص ما، هذا في عمقه يعني أن هناك صفات وسمات ونزعات موجودة لدينا ونرغب في تعزيزها والاستزادة منها من خلال من نحب، أو لأننا نبحث عن هذه الصفات والموجودة فعلاً فيمن نحب.

• عكس الحب الكره في أبسط المعاني المباشرة والسطحية، وفي أعمقها عكسه الخوف، وكل من لا يعرف الحب بمعانيه الحقيقية يعيش حالة من الخوف تجاه من يزعم أنه يحب.

• حديث "يحشر المرء مع من أحب" حديث عظيم يستخدمه كل محب إنساني للدلالة على عظمة الله وعطائه وكرمه وجوده، وللتبشير ونشر الألفة والتآخي بين الناس، ويستخدمه الجهلة المتعصبون في موضع تكريه وتخويف وتحذير وتهديد ووعيد وتنفير الناس من بعضهم البعض، ولا أعلم إلى متى سنظل نبيع الكراهية والأحقاد للناس! رغم أن المعلم والنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا الحديث إلا في موضع رحمة ورفق وإنسانية وهو نبي الرحمة والإنسانية.

• قوله تعالى: "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" وهو إقرار واضح وصريح من رب العزة بحب النبي لعمه أبي طالب في الوقت الذي لم يكن فيه مسلماً ومات على شركه.

• قوله تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً" والأسير لم يكن مسلماً.

• قوله تعالى: "هَا أَنْتُمْ أولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ"، وهنا أيضاً إقرار من الله بأن أولئك المؤمنين يحبون أولئك الكفار الذين أصلاً لا يحبونهم ولا يؤمنون بالكتاب كله مثلهم.

بعد هذا التطواف في معنى الحب، وجب عليَّ التنبيه إلى مسألة تجنباً للمثالية، واشتباكاً أكثر مع الواقعية وهي أننا بشر لسنا ملائكة معصومين من الخطيئة، هذا يُمهّد إلى قدر قليل من الدراما التي قد تكون عامل توازن في الحب والحياة، تماماً كملح الطعام حين يضاف بقدره المعقول! وهنا نرى جمال المشكلات والتحديات حين تعترض حياة المحبين، جمالها في كونها فرصة لطهي الوعي ونضجه، حين تكشف لنا عن مساحة ضعفنا وجهلنا بأنفسنا وبمن نحب، حينها تكون المشكلات مادة وعي لمزيد من التفاهم والحوار وتقبل الآخر، وهذا هو ما يُسمى مِلح الحياة!

في الختام آثرت أن أوضح المفهوم في إطار فلسفي لا يتعارض مع أي منظور، بل وينسجم مع الإنسان كفطرة، ومع الكون كقانون، وأن الحب أصل وقيمة إنسانية وجدانية ومجتمعية أساسية باتت مفقودة، والناس بحاجة لفهمها وممارستها، وأن ما تعجز عنه حكومات ودول مجتمعة تفعله معجزة الحب، وستسقط كل مزاعم الإيجو (Ego) الفردية والجماعية في محاولة تشويه الحب صورة وممارسة ومحاولة وأده بين الناس، وأخشى ما أخشاه أن تكون هناك سياسة عالمية ممنهجة تعمل ضد الحب بالمعنى والممارسة التي تحدثنا عنها، وإلا فلن يكون هناك مزيد حروب ودمار وقرابين بشرية تُذبح وتُقدم من أجل قوى الشر كل يوم! ولذلك أقول بأن كل منهج وفكر فيه ما فيه من العصبية والعنف ونصب الأعداء للآخرين ولا يحمل في روح دعواه ثقافة الحب فهو منهج يتعارض مع أصل الدين وروحه، ويصطدم برسالة الإنسانية، بل ويسير في الاتجاه المضاد لقوانين الكون!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.