المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر محمد  Headshot

رمَضان والثَّورات وفِقْهُ التَّغييْر!

تم النشر: تم التحديث:

حديثي عما تبقى من هذا الشهر الفضيل ليس بحديث الوعْظِ والقصَصِ والشِّعر، إنما أتحدث عن "دوام الحال من المحال" عن فرصة إلهية من فرص التغيير الحقيقي، فرصة جاءت تحمل في طياتها نفحات من الرحمة والكرم الإلهي، ولا أعلم فرصة أفضل منها لنا كمسلمين، فهو شهر يتميز بطبيعته التغييرية، صوم وإقلاع، إمساك وتعفف وتجرد، كفارة واستحياء، وهو أيضا صلة رحم وتقرب إلى الله وتطهير للنفس وتزكيتها، طبيعة تفرض على الغالبية مستوى من الروحانية التعبدية، وهذه الطبيعة بدورها تعكس أجواءً جيدة للتغيير، فهنيئاً لمن ينوي التغيير في شهر التغيير، وأدَرك بأن تغيير الذات هو مؤشر البوصلة الثابت!.

ولنبدأ بالحديث عن الثورات، التي أعتبرها موجة عنف و"بِنْدول طاقي" يتغذى على الضحايا من الناس، هذا البندول يحتاج في البداية فقط إلى قوة يسيرة تؤثر عليه، تقدحه وتُحدِث فيه طاقة حركة، ومن ثم يبدأ البندول تلقائياً وبمعزل عن أي مؤثر خارجي بالتغذي على كل طاقة تتفاعل معه، وتستمر هذه الطاقة وتتعاظم بفضل ضحاياها من الناس أصحاب الوعي المنخفض، وهم غالبهم من الحشود والأتباع الذين تخلوا عن رسالتهم ومسئوليتهم في الحياة، ويعيشون كنوايا ومادة لمخططات غيرهم من البشر!

إن الثورات في البداية وبحسن نية قامت بدافع رفض الظلم والديكتاتورية، شعاراتها: العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة والعيش الكريم وغيرها من شعارات القيم الإنسانية، ثورات تحمل روح الإصلاح والتغيير، والنية فيها كذلك طيبة، إلا أنني لست متعاطفاً معها أبدا، خاصة تلك التي اتخذت من الدين ستارا لها وأشعلت فتيل الطائفية! وباستقراء بانورامي سريع للثورات عامة وثورات ما يسمى بالربيع العربي خاصة، تجد أنها ثورات جاءت بنتائج عكسية على خلاف الأهداف والقيم التي نادت من أجلها، ويمكن مشاهدة ذلك بوضوح من خلال سلوك حكومات ما بعد الثورات وهي الأسوأ على الإطلاق، نتائج سلبية وضعت المجتمع في حالة عدم استقرار، تَمَثَّل ذلك في غياب الأمن ونشر حالة من الفوضى فضلاً عن تَردِّي الحالة الاقتصادية!.

إن الثورات غير الواعية هي ثورات عنيفة تصبح فيها الغاية تبرر الوسيلة، ثورات يتم فيها مطالبة بمحاكمات وملاحقات وقصاص وحملة من الاعتقالات والسجن والتعذيب والقمع وربما الاغتيالات، وهذا يحدث باسم الثورة وحمايتها! علماً بأنها نفس الأساليب التي كانت تُمارس قبل الثورة التي من أجلها انتفض الثائرون، والحقيقة أن تماهي الضحية مع الجلاد، وانسجام المضطهَد مع مضطهِده هو مبدئياً ما يفسر الفشل في التغيير، ولهذا فإن شعارات الثورة بدون وجود حالة من الوعي لدى الناس هي بمثابة طحن في الهواء، أو بلغة الغزازوة "ضراط على البلاط"، قناع يتهاوى ويسقط عند التَّمكين والاختِبار وتجربة الحُكْم!

إن ثورة الخوارج على عثمان بن عفان انتهت بمقتله رضوان الله عليه، والثورة الشعبية التي قامت لإسقاط تشاوشيسكو ونظامه عام 1989 جاءت بوضع أسوأ مما كان! بل إن الثورة الفرنسية التي يتبجَّح البعض بها ويستشهد، لم تُفرز إلا ديكتاتوراً دموياً عنيفاً! ومثلها مثل ثورات العرب في العقدين السادس والسابع بدءاً بالثورة على الملك فاروق وانتهاء بالثورة الليبية على الملك السنوسي التي كانت نتيجتها نظام مركب من جمهورية عسكرية وراثية!

ومن هنا أؤكد سلمية الثورة إن كانت هي الخيار، فالفساد لا يمكن محاربته بالمثل، ودفع الظلم ورفع المظالم عن الشعوب لا تكون بالقتل والانتقام وتصفية الحسابات، ولا حتى بإحداث فوضى عارمة في الشارع، ومن يتوسل تلك الأساليب والممارسات في التغيير على الطريقة الميكافيلية فلسوف يُزال بها ويشرب من نفس الكأس آجلاً أم عاجلاً، وغزة خير مثال، فهل يتعظ حزب التغيير والاصلاح التي أفرزته حركة حماس بعد تجربة تسع سنوات عجاف من الحكم؟!

إن درس التاريخ يعلمنا أن الثورات الواعية إن أرادت أن تنجح وتحقق أهدافها، فعليها تبَنِّي وبكل صدق وشفافية أهدافاً مُعلنة واضحة تقوم على التنمية والتطوير وإحداث تغييرات حقيقية تخدم المجتمع، أهدافاً في التعليم والصحة وبناء قدرات الفرد وتمكين المرأة واحترام الحريات وحقوق الناس وتزويد المواطن بكافة الخدمات لتسهيل حياته، ثورات تحمل شعارات المحبة والوحدة ووسائل للتعبير سلمية، حتى إذا ما مُكِّن لها، عملت فيما تريد تحقيقه انسجاماً مع شعاراتها، وتركيزاً على البناء لا الهدم وتقديماً لمبادرات العفو والصفح على القاعدة المُحمدية "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وأن يكون لها الشجاعة والجرأة في التخلص من العُقدة الماضوية، وإلا فإنها سوف تستحِيل مرة أخرى إلى محاكم تفتيش كما هو حاصل اليوم، والنتائج عاقبتها التخلف في كل المجالات!

وبالحديث عن التغيير كقانون كوني ثابت، وسنة مستمرة تسري في كل الأشياء بمن فيها نحن البشر، علينا أن نُدرِك أن التغيير بدايته الصحيحة ومحله في الداخل (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) هذه الآية الكريمة التي نرددها دون إدراكها، هي تأكيد على أن كل ما يحدث من حولنا ما هو إلا انعكاس لوعينا أفراداً وجماعات، وأن حق التغيير يكون في الذات لا في تغيير الآخرين، وأن تغيير أوضاع الفرد مرهون بتغييره لنفسه، وأن المراهنة على إحداث تغييرات في الخارج (ثورات، انقلابات، مؤامرات، مسيرات، حركات تمرد، أحزاب وجماعات، سياسات، أشخاص... الخ) هي مُقامرة مجنونة، ونسْف للمسؤولية الفردية، وإسْقَاط مستمر!

ورسالتي موجهة للذين يُراهنون وما زالوا على التغيير بالثورات وما شابهها دون تغيير أنفسهم أولاً، أقول لهم ما قاله الإمام أحمد: "كما تكونوا يُولَّى عليكم" فنظام الحكم مرآة ينعكس عليها الوعي الجمعي للشعوب، شِئنا أم أبينا هذا هو الذي يحدث، وهذا يتطلب منا أن نفهم أقصر الطرق المؤديةَ للتغيير الفعَّال، الذي لا يكون إلا بالعِلم والمَعرِفة والوَعْي، وأكرر بالعلم والمعرفة والوعي، وحينئذٍ تكون الشعوب هي من يَصنع حُكامها، وليس العكس كما هو حاصل منذ عقود.

أما عن كل أشكال الحِراك الشعبي فهي من حق المواطن إن كانت سِلْميَّة، وتعبر عن مطالب وأهداف واضحة وشعبية تنطلق من الشعب وليس من أجندات تعبث في الشباب والوطن، وأن تكون خالية من شعارات الضِّد، وبعيدة عن استخدام الألفاظ المستفزة والمؤجِّجَة للفِتن، حراك يتغيّى الوطن ومن أجل المواطن، حراك يكون أهم مقوماته الوحدة والالتفاف حول قضايا واضحة وكلمة واحدة وقيادة شعبية مُعلنة تتحرك بشكل مُوحد تجاه هدفها، أما غير ذلك فمجرد حُشود (كُلو ع السِّكينْ وبِنعَلِّم يا بَطِيخْ) غير واعية، بالإضافة إلى أن أغلب من يقودونها حتماً سيكونون من المُراهقين فِكرياً وإعلامياً الذين سيغامرون بأنفسهم وغيرهم!

إن نتائج الثورات في العالم العربي أثبتت أن الذات "مَا بِأَنفُسِهِمْ " هو مبدأ التغيير، ولذلك تجد الواعين في ظل الأزمات والثورات ينسحبون، يعتزلون الخوض في الأحداث، يركزون على ذواتهم وعلى ما يريدون، ينتهزونها فرصة للمعرفة والتطوير، يركزون على الإيجاب ونشر السلام والمحبة، ينشغلون بأمور تخدم المجتمع، وينأون بجانبهم عن كل ما من شأنه أن يثير الفِتن، بل ويدركون أن أغلب من يرفع شعارات الإصلاح إن لم يكن يتمتع بوعي فهو في العمق بحاجة إلى إصلاح وتغيير ما بداخله أولاً، فالمرآة مهما غيَرنا فيها وأضفنا لن نرى إلا انعكاسنا كما هو، أمّا إن غيّرنا ما بأنفسنا أولاً فسنرى انعكاسنا الجديد عليها وهذه هي علاقتنا مع العالم الخارجي "وفيك انطوى العالم الأكبر" وتذكَّر بأن داخلك/ ذاتك/ نفسك هي معيار التغيير الحقيقي، وهذا هو فِقهُ التغيير الإلهي (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.