المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر محمد  Headshot

الوازع الديني في قفص الاتهام!

تم النشر: تم التحديث:

هل هذه غزة التي عرفنا؟ سؤال ربما يحمل في جوانبه الكثير من الحزن والألم والعتاب والغضب المُحتقن الذي يعتري كل غيور على مصلحة الوطن، وأحدثكم هنا صراحةً عن قطاع غزة، عن شطر وطنٍ مستنزف يحتضر، عن قطاع غزة المختطَف، أحدثكم عن رهائنه الذين أخشى أنهم فقدوا الأمل في كل شيء، فقدوا الأمل في التغيير، وفقدوا الأمل في الحياة، بل ربما فقدوا الثقة بأنفسهم كصانع قرار ومُراقب إن قرر مبدئياً أن يحيا فلا بد أن يستجيب له القدر، وهذا متحقق ولا بد منه في حال أدرك أهل غزة بأنهم سبب مُساهِم ورئيسي في كل ما يعيشونه من معاناة مُزرية، إن أدركوا ذلك فسيعلو صوت المسؤولية النابع من داخلهم تجاه واقعهم، وسيدفعهم هذا للمبادرة ولخلق واقع أفضل لهم وأكرم للعيش، وهذا مرهونٌ بهم وحدهم، وهم بلا شك الأقدر على ذلك ولديهم الكثير ليفعلوه، فالاستمرار بالشكوى والتذمر ما هو إلا شكل من أشكال الإسقاط (Projection) والتخلي بالكامل عن المسؤولية الفردية!

وهنا يتساءلون لماذا ارتفعت معدلات الجريمة في الآونة الأخيرة في قطاع غزة؟ وقد شهدت الأشهر الأخيرة جرائم تنوعت ما بين اعتداء وسطو وقتل وسرقة وحالات انتحار، والعجيب أنه حين تتابع تعليقات المسؤولين في غزة تعقيباً على تلك الجرائم تشعر بأن القوم يهيمون في وادٍ آخر، تلمس مدى انفصالهم عن الواقع الذي يحياه أهل القطاع، وهذا ما كشفت عنه تعليقاتهم ومناصروهم من أن كل هذه الجرائم في نظرهم ما هي إلا نتيجة لنقص الوازع الديني وغيابه، وهذا يوضّح مدى السطحية والاختزالية التي وصلت بهم حد الاستخفاف بالعقول!

يا سيدي.. ولنفرض هذا ونعقبه بسؤال لماذا؟ وأتمنى أن يتسع الصدر لتساؤلات قد تُغربِل ما يدّعونه، لماذا لا يُوجَّه لأولئك مَن هم في موقع السلطة ويديرون شأن العباد في قطاع غزة ما يعتقده هم وأنصارهم في الوازع الديني من أن الفشل الذريع في إدارة قطاع غزة، هو الوازع الديني نفسه؟ هل يقبلون بهذا؟ أعلم أن هذا يزعجهم، ولكن لماذا هذا اللعب المبطن على وتر الدين في ظل كل أزمة؟ أم أن مَن يديرون قطاع غزة لديهم من الوازع الديني ما يجعلهم في مَصاف المعصومية! إن سلّمنا بهذا فما هو مفهوم الوازع الديني لديهم؟ أو بالحري سؤال الوازع الديني الذي يتمثّلونه ويعتقدون به وليس عند غيرهم في ظل كل ما يحدث؟ إن كان كذلك فلماذا إذاً لم يُسعفهم وازعهم الديني من النجاح في إدارة قطاع غزة بكفاءة وفاعلية؟ ولماذا يتنكّر هذا الوازع الديني لحقوق وحريات الناس ويقبل علانيةً بكل الأوضاع الإنسانية المتردية وكل الظروف الحياتية المتدنية لأهلنا في القطاع؟ إن كان لديكم نوع من وازع ديني تدّعونه ولا نعرفه فأمطروا علينا قدراً منه لعلنا نتخلى بالمرة عن أدنى حقوقنا في العيش بحرية وكرامة، لعلنا نتخلى عن ما تبقى لنا من آمال وأحلام، لعلنا نقبل بكل هذا العَبَث باسم الوازع الديني الذي فقد معناه وقدسيّته في ظل مغامراتكم السياسية!

إن هذه الطريقة الساذجة في تشخيص الواقع ودَمْغ الناس على هذا النحو، بحيث يُزج فيها الدين في كل كبيرة وصغيرة، سيدفع بالناس والشباب خاصةً لمساءلة أفهامكم من هذا الدين، سيدفعهم لمحاكمة تلك النسخة الدينية التي تدينون بها، والتي من الواضح أن وسائلها قد انبتَّت عن مقاصدها، ويبدو أنكم خلطتم فيها بين قُدسيّة الغايات ومشروعية الوسائل تبريراً لمصالحكم السياسية والحزبية على طريقة ميكافيللي.

أذكر هنا أنني حين حضرت ندوات علمية محترمة تناقش أسباب انتشار الإلحاد كظاهرة في الوطن العربي كان المشاركون فيها قد خلصوا إلى جملة أسباب يتصدرها السبب النفسي، بمعنى أن الإلحاد هنا عبارة عن صيحة غضب واعتراض "مكبوت" على الأوضاع المعيشية الاقتصادية، فضلاً عن التحالف البغيض بين السياسي والديني اللذين من الواضح أنهما تحالفا لتبرير واستدامة تلك الأوضاع.

وحين نقارن هذا بوضع غزة فالأمور تكاد تكون متشابهة، نعم هناك إلحاد خفي غير مُعلن يُعبّر عن نفسه عبر سلوك الجريمة، أجل هذا هو الواقع الذي يتجاهله المسؤولون، والذي هو نتيجة للأسباب التي ذكرت، والتي هي أسباب واقعية يعيشها السواد الأعظم في غزة وتمس حاجاتهم وحقوقهم بشكل مباشر.

الأجدر بمَن هم في موقع السلطة أن يتواضعوا، وأن يُسارعوا لحل هذه الأزمات المتراكمة، وأن يواجهوا الأسباب المباشرة بشكل مباشر وبحس المسؤولية الوطنية، وهذه فرصتهم ربما الأخيرة بعد اتخاذ السلطة في رام الله العديد من الإجراءات الإنذارية تجاه غزة.

ثم إنهم لم ينفكوا يُخدّرُون وعينا بالحديث عن الابتلاء وعن الصبر ليل نهار، وعن حصار النبي عليه -الصلاة والسلام- وجوعه وعطشه وربطه لحجرين على بطنه، ثم ماذا؟ ثم تنظر لتقارن بين حالهم وحال غالبية الشعب وحينها سترى شرخاً كبيراً في المصداقية، أجل سترى الفجوة بين شعاراتهم وبين حقيقة واقعهم، بين حقيقة ما يعيشونه ويتنعّمون به وبين معيشة أهلنا في غزة، ولن آتي على ذكر الأمثلة التي يعرفها سكان القطاع، إنما هي رسالة مفادها أن السلطة الدينية هناك ما زالت ترقّع ثوبهم السياسي، والذي لم يعد ساتراً لعورتهم أمام كل من آمن بهم وصوّت من أجل انتخابهم.

حينما يقارنون أنفسهم بالنبي الذي لم يُرسل إلا رحمةً للعالمين، أليس حَرياً بنا أن نُسائل رحمتهم؟ أليس من واجبنا أن نُسائل حِكمَتهم وقد غابت وغابت أمام العديد من الفرص السياسية حين كان مُرسي وقتها في سدّة الحكم! بل ومن حقنا أن نُسائل رؤيتهم من رؤية النبي المعلم وهو في أشد حصاره في الخندق (مؤمناً) (متوكلاً) يعِدُ قومه بمفاتيح الشام وكسرى واليمن؟ أين رؤيتكم من هذا وأنتم تتشدقون بحصار النبي؟ ما هي خطتكم؟ إلى أين تسيرون بغزة ورهائنها أكثر من ذلك؟ أم ما زلتم تراهنون على وعود من هنا وهناك!

بالعودة إلى شمّاعة الوازع الديني الذي دفعني أن أكتب ما يَخُطّه قلمي الآن، سأختم هنا بتعقيب الإمام العلامة الفخر الدين الرازي على دعاء سيدنا إبراهيم -عليه السلام- في قوله سبحانه وتعالى: "ربَّنَا إِني أَسْكَنتُ مِن ذُريّتِي بوادٍ غَيرِ ذي زَرْعٍ عِندَ بيتِكَ المُحرَّمِ رَبَّنَا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفئِدةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ وَارزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ".

يقول العلامة: وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإن إبراهيم -عليه السلام- بيّن أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات.

انتهى كلام الإمام، وهذه دعوة صريحة للسلطة الحاكمة بالتعاطي مع أزمات غزة وحل مشكلات الناس بما يحفظ لهم كرامتهم ويصون حقوقهم، وبما يضمن قُوت يومهم، وحليب أطفالهم، ودواء مرضاهم، ومأوى لسترهم، وبما يوفر لهم الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه صالحة، وثبات للأسعار، وانخفاض للضرائب وحرية في الحركة والتنقل، والحد من الاستغلال بكل أشكاله، وإلا فبكل حب نقولها: كفاكم انتهازية وارحلوا بسلام، واتركوا مناصبكم لمن هم أكفأ منكم وأقدر على القيام بواجباته تجاه المواطن المكلوم في غزة، وحينها صدقوني ستدركون مقصد الآية الكريمة، ولن يعود الوازع الديني في قفص الاتهام بعد اليوم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.