المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر إبراهيم Headshot

إن لم تكُن سلطاناً فكُن نساجاً

تم النشر: تم التحديث:

مع دخول الربيع العربي إلى بلدان عدة مثل مصر وتونس وليبيا وسوريا والتغيير في العراق بعد 2003، وبداية تشكل المنطقة العربية من جديد على أسس تختلف عما كانت عليه سابقاً بدأ السلاطين الأتراك يفكرون ويخططون كيف يتعاملون مع هذا الربيع وما مصلحتهم ومع مَن وما هي أضراره الجانبية عليهم، كذلك فعل النسّاجون الإيرانيون من أجل رسم خارطة المصالح العليا لبلدانهم ونهج سياسة معينة لتطبيق هذه المبادئ.

اليوم وفي هذه الفترة تحديداً أفعال السلاطين هي تفسير واقعي ودقيق لمعنى السياسة، فهم يطبقون مبادئها على أرض الواقع، فلا عدو دائم ولا صديق دائم، أينما تميل مصلحة تركيا تميل بوصلة السياسة معها، روسيا بالأمس القريب كانت العدو وأميركا الصديقة لها، أما اليوم أصبح العكس، لكن ليس تماماً، فلم تصبح أميركا عدوة رغم دعمها للانقلاب العسكري في تركيا بصورة غير مباشرة، لكن طبق السلاطين سياسة مسك العصا من الوسط؛ لأن أميركا القطب الأقوى في العالم، فمن غير الممكن معاداتها مثل كوبا،

ولا الرضوخ لها كما حال أغلب الدول العربية، السلاطين يعملون على الاحتفاظ دائماً بإمكانية عودة العلاقات، فلا يوجد شيء بالسياسة مطلق، كذلك فعلوا مع العراق بالأمس القريب تهديد ووعيد، لكن اليوم اقتضت المصلحة التركية التقارب مع العراق، فتحرك رئيس الوزراء التركي إلى بغداد؛ ليؤكد التعاون واحترام السيادة وتوثيق العلاقات مع بغداد، بما يخدم الجميع، مبدأ التعاون على أساس المصالح هو أهم مبدأ في مبادئ السياسة، وخاصة السياسة الخارجية والتعامل مع الدول، خاصة القطبين الروسي والأميركي، وعلى الجانب الآخر بدأ النساجون الإيرانيون ينسجون خيوطهم بدهاء ومكر سياسي ديني يكمله جانب عسكري، فقد نسج الإيرانيون خيوطهم في السياسة والاقتصاد رغم العقوبات والتقاطعات والمضايقات نجحوا سياسياً مع الغرب وأميركا من خلال الاتفاق النووي ونجحوا عسكرياً في الإبقاء على بشار الأسد الحليف الاستراتيجي لهم، وحافظوا على حلفائهم في العراق من (داعش)،

وليس من قبيل الصدفة أن إيران تحارب حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، وتقتل المنتمين إليه عن طريق ميليشياتها، واليوم تدعمه وتحافظ عليه في سوريا، لا بالتأكيد ليس صدفة، لكن اقتضت المصلحة العليا أن تفعل ذلك كما سيطروا على لبنان من خلال حزب الله، ولهم أذرع في اليمن والكويت والبحرين، وعلى مستوى الاقتصاد نجحوا في فتح منافذ لصناعاتهم وسلعهم المختلفة في العراق وسوريا وتصدير السلاح والمنتجات العسكرية، نجاح في ظروف أقل ما توصف بأنها استثنائية ومعقدة بفضل سياسات ناجحة في التعامل مع الأزمات المتلاحقة والظروف المتغيرة.

لنعِ الدرس كعرب ونتعلم أصول السياسة وقواعدها من الأقربين جغرافياً تركيا وإيران، فلا عدو دائم ولا صديق دائم، السياسة لا علاقة لها بدين أو مذهب أو حتى جماعة، فالمصالح أولاً، فلا روسيا مسلمة شيعية عندما تحالفت معها إيران، ولا أميركا مسلمة سنية عندما تحالفت معها تركيا، لكن المصلحة في هذا الوقت في هذا الظرف اقتضت أن يكون الحليف روسيا أو أميركا، وقابلان للتغير حسب مقتضيات المصلحة.

لست في معرض انتقاد أحد ومدح الآخر، لكن انحدار السياسة والأمن والاقتصاد في العالم العربي هو ما يدفع الجميع إلى إعادة ترتيب أوراقهم، والعمل على تصحيح الأخطاء السابقة، بالإضافة إلى الاستفادة من تجارب الآخرين وتطبيقها بما يتناسب مع الظروف الواقعية الموجودة في كل بلد.

لن أقول لماذا لا نكون مثل أميركا أو روسيا أو حتى الصين، فهذا لا يعقل، ولا يمكن، فلا موقعك الجغرافي كدول متفرقة، ولا إمكانياتك الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولا الكثافة السكانية تؤهلك أن تكون قطباً أو نداً، لكن على أقل تقدير كن نساجاً مثل إيران أو سلطاناً مثل تركياً، حسب ما تملك من مقومات، صحيح هما ليسا قطبين لكنهما لاعبان مهمان في المنطقة وأرقام صعبة في المعادلات الدولية.

المنطقة العربية غنية اقتصادياً وجغرافياً فوق الأرض وتحتها، لكنها فقيرة سياسياً، فلم تكن أي من البلدان العربية نداً أو رقماً صعباً في المعادلات الدولية إلا في موقف أو اثنين، في حين أن منطقة موحدة تمتد بين آسيا وإفريقيا ولها كثافة سكانية عالية يجب أن تكون لاعباً قوياً وأساسياً في السياسة الدولية، الدول العربية لا تملك نظرة سياسية واضحة في التعامل مع الأحداث العالمية، بالإضافة إلى رهان العرب على الحصان الخاسر دائماً، وبالتالي وصلت المنطقة العربية إلى هذه الحالة من عدم الاستقرار على جميع الصعد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.