المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر إبراهيم Headshot

لماذا الشيطان خيار العرب دائماً؟

تم النشر: تم التحديث:

في أثناء الحرب العالمية الثانية ومع وصول النازيين إلى قلب فرنسا كانت محطة هتلر القادمة هي بريطانيا العظمى التي وعد بتدميرها في حال الوصول إليها، فما كان من رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل إلا أن يجد طريقة لحماية المملكة من خطر النازيين؛ لأن بريطانيا لا تستطيع المجابهة بمفردها، فلم يجد إلا طريقة واحدة وهي التحالف مع ألد أعدائه السوفييتيين لضرب النازيين.

وبالفعل سافر لروسيا وعقد الحلف مع ستالين، وأطلق مقولته الشهيرة "أتعامل مع الشيطان من أجل بلدي"، في إشارة إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان تشرشل من أقوى محاربيه، ومنذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا نسمع من الزعماء والقادة وكبار المسؤولين العرب تحديداً عن هذه الجملة أو العبارة التي أصبحت شعاراً لمن يريد أن يفعل المحظور، وكذلك يقول المعارضون لهؤلاء الحكام حتى أصبح شعاراً جامعاً بين الأضداد، الحكومة والمعارضة، على اختلاف أهدافهم وتوجهاتهم.

ولكل زعيم ومعارضة شيطان وملاك يختلف عن شيطان وملاك الآخر، فمن يرى في أميركا شيطاناً، الآخر يراها حليفاً، وهكذا الحال مع الاتحاد السوفييتي سابقاً وروسيا حالياً، وإيران وتركيا وإسرائيل، وبالفعل تعامل الجميع مع شياطينهم، لكن ليس من أجل البلد، كما فعل تشرشل، وإنما من أجل ديمومة الحكم والسلطة والمصالح الحزبية والفردية، فهكذا فعل السادات عندما تعامل مع إسرائيل، ومن بعده حسني مبارك مع أميركا، والقذافي مع فرنسا، وصدام حسين مع أميركا تارة ومع روسيا تارة أخرى، وكذلك فعل الأسد مع روسيا وإيران، والنتيجة كانت سقوط حكم المتعاون مع الشيطان وخراب البلدان.

لماذا دائماً يختار العرب -حكاماً ومعارضين- العمل مع الشيطان، وهم لم يجربوا العمل مع الإنسان أبداً؟ لماذا التعامل مع الشيطان وأنت غير مُكره أو مُجبر على ذلك؟ لماذا يحكمون على الإنسان بالفشل وهم لم يتحالفوا معه قط؟ لماذا دائماً يستثمرون مع الشيطان؟ هل لأنه يعرف كيف يسوق نفسه ويلعب دور الملاك لحاكم لا يميز بين الاثنين إلا بما يحقق مصالحه والشيطان شاطر كما نعلم؟ أو لأن الإنسان لم يأخذ فرصته في إثبات نفسه للحاكم منذ أن حكم العرب أنفسهم، وبالتالي لا الحاكم يساعد الإنسان في إثبات نفسه، ولا الشيطان يعطيه الفرصة لذلك.

تعامل الشيوعيون مع الشيطان، كذلك فعل الإسلاميون وحتى الليبراليون والقوميون، لكن في المحصلة الشيطان تركهم لمصيرهم المحتوم، في حين من تعامل مع الإنسان وأجاد التعامل معه نجح في كسب الكل من شياطين وإنس وملائكة وجان؛ لأن الإنسان هو أساس وجوهر الدولة، والحكومة كما في ماليزيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة، من يستثمر في الإنسان ينجح ويؤسس قاعدة قوية داخلية يرتكز عليها الحاكم والمحكوم على حد سواء، ولا ضير من تحالفات خارجية رصينة وتفاهمات واتفاقيات قوية أساسها مصلحة البلاد والعباد، لا أن تكون تحالفات خارجية تقوي الحاكم وتضعف الشعب وتفرقه قومياً ومذهبياً من أجل بقاء السلطة، فمهما كانت التحالفات الخارجية قوية، لن تفيد مع تشرذم أو تفرق داخلي، والوضع السوري الحالي خير مثال.

المحصلة النهائية والنتيجة الحتمية، الشيطان هو الوحيد الذي لا يتحالف مع أحد إلا بما يحقق له مبتغاه، لا بل يجعل الجميع أدوات لتحقيق أهدافه وحماية أمنه الداخلي ومصالحه الخارجية، لنتعلم من الشيطان بدلاً من أن نعتمد عليه، لنكن الشيطان بعينه من أجل بلداننا ما دام الإنس والجان والملائكة لم ينفعونا أبداً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.