المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر ياسر  Headshot

حتى لا يتحول لبنان إلى "جمهورية الموز"

تم النشر: تم التحديث:

يتعرض لبنان عبر سنوات متراكمة إلى كوارث سياسية وأمنية وفشل حكومي، ومؤسساتي مخيف يُدخله في نفق من الأزمات غير المنتهية، ويتنبأ له بمزيد من الانحدار والتفكك في ظل ما يشوبه حالياً من مآزق مختلفة، بدأت ببروز الفراغ السياسي الذي سببه تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية وتعطيل مؤسسته البرلمانية، وجثوم كارثة النفايات الملقاة على أزقته وشوارعه منذ حوالي السنة دون إيجاد الحل الجذري، فباتت رائحتها الكريهة مرادفاً لرائحة نخب هذا البلد السياسية التي تسببت بفسادها وانحدارها الأخلاقي المنقطع في جلب كل هذه الكوارث على لبنان واللبنانيين.

حيث بات لافتاً الهجرة المتزايدة لجيل الشباب هرباً من البطالة والفقر والفاقة وانعدام المستقبل بالعدالة الاجتماعية والعيش الكريم نتيجة الهدر والنهب والتقاسم السلطوي/المالي الشره بين زعامات الطوائف. بعدما تبين غياب آليات الرقابة والمحاسبة والعقاب الذي سببه مؤسسات الدولة، فبات الفساد يمارس دون خجل ورادع.

مجموعة أحداث متتابعة تلفت الأنظار بشكل لافت وتدق ناقوس الخطر بشأن مدى بقاء الحد الأدنى من الاستقرار لهذا البلد العربي الذي تميز بهامش الحريات والانفتاح والتنوع الثقافي والفكري وكونه من منارات الإبداع الصحافي والأدبي، وصاحب الريادة في الاقتصاد والتعليم ومختلف المجالات الاجتماعية، التي لا يمكن حصرها، والتي شكلت قبلة لكل المبدعين والمثقفين العرب الذين وَجَدوا في دفء لبنان وتناسقه ملاذاً ووطناً آمناً بعيداً عن دكتاتوريات عربية.

قبل فترة وجيزة قامت المحكمة العسكرية بتبرئة ميشيل سماحة من جرائم خطط فيها باعترافه لتنفيذ عمليات تفجير كانت ستستهدف لبنانيين وتقتل العشرات منهم، وهو قد أقرّ أنه تسلم المتفجرات شخصياً من علي مملوك المسؤول الأمني في نظام بشار الأسد. ورغم أن ملف سماحة انتهى بإعادة تشديد حكمه بأكثر من عشر سنوات سجناً، إلا أنه عكس حالة الفساد القضائي العسكري الذي حاول لفلفة جريمة واضحة لحماية مجرم مقرب من حزب الله. المتهم بتنفيذ سلسلة اغتيالات وقتل سادت لبنان منذ عشر سنوات وكانت بداية الخطة الأساسية الهادفة لتفكيك الدولة اللبنانية وإدخالها في نطاق السيطرة الإقليمية لحساب الأسد وإيران، وبدأت باغتيال رجل الدولة وصاحب مشروعها الأساسي رفيق الحريري، وامتدت لتطال كل من يقف في وجه مشروع التفكيك والتدمير ولا يدخل في جلباب النفوذ الأسدي/الإيراني.

فقتل سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني.. وغيرهم ممن حملوا مشروع الدولة وتصدوا لمشروع الميليشيات والتدمير والموت، وإحلال الخراب وتغييب السيادة الوطنية اللبنانية عبر تدمير مؤسسات الدولة وروادها.

وقد كان بعده ما كان من مشاركة حزب الله في الحرب الأهلية السورية عبر جلبه لآلاف الشباب الفقراء من مناصريه في قرى الجنوب والضاحية، وزجهم في نيران هذه الحرب ليقتلوا الآلاف من المدنيين السوريين ويشردوا الملايين منهم تحت شعارات الثأر والتجييش الطائفي، وفيما لا يزال السوريون يدفعون ثمن الحرب والمجازر. إرتدت توابع الزلزال السوري إلى لبنان عبر لجوء حوالي مليونين مواطن سوري إليه، بحيث شكلوا ضغطاً اقتصاديًّا وأمنيًّا عليه في ظل انعدام قدراته المالية وشُح موارده لمساعدة هذا الكم الهائل من اللاجئين.

وقد شكل الإعلان السعودي عن وقف دعمه المالي للحكومة والجيش اللبناني بمليارات الدولارات ضربة قاسية لما تبقى من بنيان الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بعد أن وجد السعوديون حجم سيطرة وتغول حزب الله وأعوانه داخل مؤسسات الدولة والجيش اللبناني بحيث أصبحت رهينة له وأداة لتنفيذ أجنداته وسياسته.

ثم تلاها بروز أزمة الصحافة الورقية التي بدأت بإعلان توقف جريدة السفير عن صدور مطبوعاتها الورقية، حيث بدأت منذ سبعينات القرن الماضي. والحديث عن أزمات أخرى لاحقة ستصيب باقي الصحف اللبنانية، بعد أن أُغلِق مكتب العربية وسُرِّح موظفوه، كذلك فعلت قناة دبي مع مكتبها وموظفيها في بيروت.

فيما تعرضت جريدة الشرق الأوسط اللندنية لهجوم من أنصار الحزب على مكتبها في بيروت احتجاجاً منهم على كاريكاتير يسخر من حقيقة وجود الدولة اللبنانية، ويصفها بكذبة أبريل، ليثير مشاعر أنصار الحزب الذين تحركوا للدفاع عن رمزية ما يرونه دولتهم اللبنانية المرسومة في مخيلتهم كمشاع يزرع بذور طائفية المشروع الإيراني المفرق، لا وطنية مشروع الدولة الجامعة.

فيما لم يزل مسلسل النكسات اللبنانية يتوالى، برز خبر الشبكة الإجرامية المتاجرة بأعراض السوريات عبر إدارة أوكار الدعارة التي تُجبر فيها السيدات بالإكراه على ممارسة الرذيلة تحت تهديد السلاح، فيما ورد أن عمليات إجهاض تجاوزت المئتين لنسوه حوامل في هذه الأوكار، وقد تكشفت أمام هذه الجريمة فاجعة أخرى بينت أن هذه الشبكة تدار وتحمى من قبل أجهزة أمنية وقيادات سياسية لبنانية نافذة.

توالي كل هذه المشاهدات البائسة بات يصور مأساة لبنان وملهاته التي يشاهدها بأسى الإنسان العربي والمواطن اللبناني المغلوب، بوطن مسلوب الإرادة وسيئ الإدارة، تتكدس في شوارعه أكياس النفايات لتفوح رائحتها ورائحة الساسة. ويستيقظ سكانه على أخبار شبكات الاستعباد الجنسي العائدة لعصور الانحطاط والقرون الوسطى، كما عصابات المخدرات وميليشيات الموت، ليجدوا أن وطنهم أصبح "جمهورية الموز" أوالدولة الكذبة التي تتهاوى وتنحدر فيما يهجرها أبناؤها إلى الموت والمجهول فضلاً عن بقائهم فيها أحياءوبعد أن كانت منارة وأيقونة، وبعد أن قُتِل أو أُقصي فيها كل من حمل لواء مشروع الدولة أمام مشروع الموت والطائفية، البادي حتى الآن سائداً بمنطق الاستقواء والابتزاز.

جاثماً لا على دولة، بل فوضى سريالية وسط محيط محتقن يقارب فوهة بركان قد تنفجر في وجهه بأي لحظة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.