المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامر ياسر  Headshot

فيروز إذ أطفأت شمعتها الثمانين

تم النشر: تم التحديث:

لا يصدق البعض أن فيروز مازالت حاضرة في دنيانا، فظهورها النادر عبر العقود الماضية من حياتها سواء بحفلاتها الغنائية، أومقابلاتها التلفزيونية، ترك مساحة بينها وبين ملايين المحبين. رغم خلود صوتها الندي الآسر، الحاضر في الأزمنه والأمكنة على الدوام، والفارض برضى المستمعين، سطوته الرقيقه العابقه بروح الأصالة، القادمة عبر نسائم الماضي تحمل في ثناياها سحراً وألقاً يداعب أطراف الغصون، وحنايا النفس البشرية الهائمة بطقوس الإنصات المقدس لصوتها الملائكي، يرفده إعجاز موسيقى الأخوين رحباني، اللذين ابتدعا أسلوباً جديداً مبسطاً لغنائها، من حيث قصر الأغنيات وسلاسة كلماتها وعميق تعابيرها بلهجتها اللبنانية العامية، في فترة الخمسينات التي ساد فيها اللون الغنائي التقليدي الطويل بلكنته المصرية.

منذ ذلك الحين طبعت فيروز صوتها مع عمالقة الغناء من أم كلثوم وأسمهان وعبدالوهاب، لكن بسماتها الخاصة التي رسمها صوتها النادر مع موسيقى عبقرية خلقها الرحابنة، فشكلوا معها مدرسة خاصة جديدة، ظلت تتجدد وتتطور لتقهر النسيان، وتستمر حتى بعد رحيل الرحابنة، عبر تعاونها الفني مع فيلمون وهبي ونجلها زياد.

من ماتع ما قيل عنها وعن صوتها كلام محمود درويش الذي أكد أن "فيروز هي الأغنية التي تنسى دائماً أن تكبر، هي التي تجعل الصحراء أصغر وتجعل القمر أكبر". بينما وصف نزار قباني بأن قصائده بصوتها اكتست حلة جديدة.

في حين كان ما قيل على لسان الشاعر أنسي الحاج الذي أحبها أفلاطونياً وقيل إنها بادلته نفس الشعور، الأجمل والأبلغ، ففي آخر مقالاته عنها تحدث: "في حياتنا لا مكان لفيروز، كل المكان هو لفيروز وحدها. ليكن للعلماء علم بالصوت وللخبراء معرفة، وليقولوا عن الجيد والعاطل، أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة، أحبه في جوعي حتى الشبع، وفي شبعي حتى الجوع".

رحل أنسي الحاج في العام الماضي وظهر من بين عشرات الأكاليل واحداً خاصاً كتب عليه "وداعاً أنسي، فيروز".

ما بين العشرات من الأغنيات والأفلام والمسرحيات، ظلت فيروز نجمة عالمية يتراكض الملوك والزعماء لحضور حفلاتها الجماهيرية، بينما بقيت هي الإنسانة المتواضعة والأم الراعية لأطفالها، تبتعد عن ترف الحياة وملذاتها، وتنطوي عن السهر والظهور، إلا في بيتها وأستوديوهات التسجيل ومسارح العرض التي جابتها عبر أنحاء العالم، من بصرى الشام وبيت الدين وقرطاج حتى باريس ونيويورك. ولتظهر تلك المحبة العجيبة لوطنها الأم في حربه الأهلية التي أزهقت أرواح لبنانيين، ودمرت بيوتهم، لينزف قلبها حزناً وكمداً على ماضٍ وادع عاشته، ومستقبل أجمل حلمت به له، فصمت صوتها النضر أمام انفجارات المدافع، وتضامناً مع مصاب لبنان، الذي أحبته بشماله وجنوبه وسهله وكيف ما كان.

انعكس ما حملته من رسالة الفنانة الملتزمة، المنتمية لوطنها العربي الكبير، في أغانيها لمدنه العديدة، "غنيت مكة"، و"شام يا ذَا السيف"، و"عمان في القلب". بينما ظلت فلسطين والقدس علامة بارعة رسمت محنة النكبة والاحتلال وأمل التحرير والعودة، عبر "سنرجع يوماً"، و"بهية المدائن" و"سلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة".

بين هذا وذاك تظل أغاني فيروز في عيدها الثمانين ملجأ المحبين ومن أضناهم الفراق ولوّعتهم خلجات الحزن والأسى، ومن يطاردون نسمات الأمل ليشتمّوها رحيقاً يعبق في حديقة الروح، وبرداً تجلو به صحراء النفس ويضيء عتمتها ضوء القمر. بين من عاش الماضي متربياً على حنايا حسها الدافئ حتى غدا كهلاً غارقاً في بحر العمر، أو من يبتدئ سنيّ عمره طفلاً يسحره الصدى ويأسره، إذا ما سمع ذات صباح "على جسر اللوزيه"، و"سألوني الناس"، و"فايق يا هوا"، و"لما عالباب"، و"طيري يا طياره"، و"حبوا بعضن".

فيا "مرسال المراسيل" إلى فيروز حيث تعيش، خذ لها محبتي وودي. بلغها أن الطفل ظل في المغارة يبكي مع أمه مريم. أخبرها في عيد ميلادها الثمانين أن لا تطفئ الشموع وأن تبقيها متّقدة دائماً، كما حبنا لها. هناك حيث بدأت القصة "بأول شتي"، ولما تنتهي بعد..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.