المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح طارق فاروق Headshot

عن الدين والفن

تم النشر: تم التحديث:

في كلِّ مرةٍ أقابل فيها سؤالاً فقهياً، لا أجد صعوبةً تُذكَر في التفلّت مِنه بضميرٍ مُطمَئِنّ وجُملةٍ واحدة: "اسأل عالماً ذا ذِكر"، ولكنّي في هذه المرّة توقّفتُ كثيراً عند هذا السؤال وطريقة صياغته التي لا أظنّ أن صاحبها كان يقصدها بهذه الدقّة، كان السؤال مُقتضباً ومُركّزاً لأقصى حد، وهو ما أربكني على سهولتِه الظاهرة: هل الغناء حرام، أم أنّه يُعتبر فناً؟

ما زلت أذكر إجابتي حينها ورغبتي الشديدةَ في الإجابةِ عن ذلك بشكلٍ أوسع في وقتٍ لاحق، ولكنّي قلت حينها إن الفن شعورٌ وأداء، وقد تشعر بما لا عيب فيه لذاتِه وتُسيء التعبير عنه، أو تسلك مسلكاً محموداً لتعبيرٍ خائن فتبتذل الأداة.

على كُلٍّ، وفي الحالين: فإن ما ستقدّمه سيخلع عليه البعضُ صفةَ الفن، والبعضُ الآخرُ سيخلعها عنه، أمّا أن تُحسِن الأمرين فيتّزن معك كل شيء، فهذا أمرٌ آخر، أن تسمو في الشعور فتسمو بالأداة فهذا سِحرٌ وإعجازٌ من نوعٍ مُختلِف.

كان السؤالُ بسيطاً فيما بدا لي أول مرة، ولكن إقامة المقارنة بين الحرام والفنّ أوحت لي بقوّة أنّ الفنَّ لا يمكن أن يكون حراماً، أو أن الفنَّ مهما بلغ من قوّتِه فلن يكون فناً حتى يستقيم مع الدين! في الحقيقة، فإن السؤال لم يكن بريئاً على الإطلاق.

يقيم علي عزت بيغوفيتش في (الإسلام بين الشرق والغرب) متلازمة ماتعة بين الفنّ والدين، يشـرح من خلالها مدى التناغم القائم بين الاثنين، الفنّ يعبّر عن الدين، والدين يستوعب الفنّ، الاثنان يتعاملان مع الشق الأسمى من الكيان البشـري: مع الروح.

الدين هو تأثيرُ السماء على الإنسان الذي يحتويه الفنّ لينطق به.. فكيف ينطق عن الشـيءِ شيءٌ يخالفه؟! كيف يُمكن للفنِّ أن يخرج عن إطار الدين ثم يبقى فناً؟! هل يكون مُمكناً أن يتزاوج الضدّان؟!

تنويهٌ في منتصف السير: قد ترى فيما ستقرأه كلاماً يخالف بعض أفكارِك عن الفنّ، ولكنّه رأيي الذي لا يُلزم به غير صاحبه، أيضاً قد لا تجد كثيراً من البراهين العقلانية المادية البحتة على كلِّ ما أقول، ولكنّني أنطلق من رؤية محددة وهي التعبير عن الجدليات بالإحساس الحيّ غير المنكر للعقل، ولكنه يعيد إحياء الثقة في قدرة القلب على الوصول للحقائق الكُلّية والتعامل مع الوحي بالقلب في مقامٍ لا يقل عن مقام العقل إن لم يَزِد.. أنا أحاول إحياء حالة "حِراء" في التأمّل والفكر.

الفنّ

الفنُّ بالنسبةِ لي أكبر من مجرّد تعريفٍ لاصطلاح، وإنما هو سبيلٌ لرؤية الكون، وعيناي اللتان أُبصـِر بهما الحياة، بينما الدين هو النافذة التي تخرج من خلالها النظرات، وتُطلُّ بهما العينان على الوجود، وعليه فإن استقامت الرؤية مع حُدود النافذة تمتّع الرائي، وإن طغت رغبتُه على حدودِها شُقَّ الجدارُ بأكملِه وأوشك أن يتهدّم عليه، فأزرى بالشعور أو أخطأ الأداة، فالإبداع عندي ليس التميّز في ذاتِه،
وإنما هو المقدرةُ الخاصة على ربط الأشياء غير المتوقعة بخيوطٍ ينسجها الفنّان وفق إطار المُتاح الشـرعي الذي سنّه الإله، فمَن عجز عن الموازنةِ فهو عن الإبداعِ أعجز، فالفنّانُ الحق -أيّما كان فنُّه- هو القادر على التعبيرِ عن ذاتِه بما لا يخرج عن إطار خالقها الذي وضعه لها.

قد يظنّ البعض أن في ذلك تقييداً لحريّة الإبداع، ولكنّي أرى فيه إطلاقاً من نوعٍ خاص، فالخالق الذي يخطّ لك المساحات لتتحرك فيها أكثرُ إحاطةً من نفسِك التي تفتح لك أمتاراً قد تودي بك، فهو عندما يحدُّك يخرج بك من ضيقِ نفسِك إلى سعةِ الدارين، ويحميك بالأملِ من العدم، هو يعلم أنّك لم تأتِ من العدم ولن تكون إليه، فلا يبغي لفنِّك أن يقبض القلوبَ من الدنيا إلى قبورِ اللاشيء واللامعنى.

أمّا نفسُك وإبداعُها المُطلق -فيما يُدّعى- فهي لا تعلم الحقائق المتجاوزة لهذا الكون ولا تُبصـِر إلا تحت قدميها اللتين تدميان من الجُرح، فتنظم قصيدةً تلعن فيها كل شيء، ولو تجاوزت حوادثها إلى حقيقةِ وجودِها وأصلِه لأنشدت في القصيدةِ رثاءً عن الألمِ وتطييباً للمجروحين، ولأوجعت الألم ضرباً بالصبرِ وآلمت السقام بالمداواة، لو تجاوزت نفسُك حدودَها لتحرّرت في مساحات الإله، فأبدعت في رحاب اللطيف الخبير.

قد يكون من المفارقةِ أن تعجز النفسُ عن التجاوز إذا تحرّرت من الإطار الإلهي، وأن تُبدع بانطلاقٍ مُطمئِن حين تقدّس الإطار، فحين تتحرّر النفسُ لنفسِها فإنها لا ترى غيرها، لا تُعبِّرُ إلا عن أوجاعِها ولا تطرق غير أفراحِها وأتراحِها، وحين تتحرّر من ذاتِها فإنها تشمل العالمين جميعاً، فترسم أفراح الخلق وتنظم أحزانهم.. تشدو بآمالِ العبادِ وتُبدع في لثمِ الجروحِ وتطييبها، فيشفي اللهُ بها النفوس، ولا يُشقيها كما يُشقيها العدم.

فالفنّان عندي هو من التزم بما قال الإله إنّه يُصلح النفوس، فعزف بفنِّه مقطوعته الفريدة في روح الكون، وأرسى دُعمات الاستقامة فاستقامت بنورِه القلوب. وليس من شرخ الجدار بعملٍ سماه فناً يصدع به جُدر السُموّ الإنساني غير عابئٍ بأخلاقِه ولا بِنائه الربّاني، فالأول عُصفورٌ يُغرّد في سِرب السماء، وريشةٌ ترسم الوجه الإنسانيّ على خلقةِ البارئ البديع، والثاني مِعولٌ يضـرب في أُسِس الأرواح، ووحلٌ يقضي على ألوانِ الفضاء بسوادِ التراب، ناحِراً أرواح الشِّفاء بأنصالِ السِّقام.

الفنّ عندي هو تجلّي الدين في النفس، والدين هو إلهام الروح للفنّ، فمن وسع قلبه دينَه فهو لفنِّه أوسع، ومن ضاقت روحه عن طاعتِه فهو لفنِّه أضيع ما يكون، فليّس الفنُّ في التمرّدِ على القِيمة وزعزعتها في النفوس، وإنما هو الإبداعُ في إرسائها بإطرابِ الأرواح.

الفنُّ عُصفورٌ من الفردوس يجذبك إليه، فمن أخرجه من الجحيمِ أدخل نفسه مكانه ولم يَسْتَقِم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.