المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح طارق فاروق Headshot

الثقب الأسود

تم النشر: تم التحديث:

لطالما اعتدنا هذه الرفقة حين يقتاتُ على أحدِنا الضيقُ بلا قوّةٍ ولا حوْلٍ.. نجلسُ متجاورين لا ينظرُ أحدُنا إلى صاحبِه، ولكن لنا معاً في القلبِ فضلُ كلام.. لا نسكتُ أبداً وإن سكنت من حولنا الأجواء، فدائماً ما كان في الصدرِ ما يختلج.

نظرتُ إليه حين تجاورنا في آخرِ مرة.. كان اللقاءُ صامتاً يملأه الصخب، لا كلام -نعم- ولكنّه فيضٌ عارمٌ من المسكوت عنه جهراً، المُفصح عنه في خبايا النظر.

كانت عيناه في هذا اليوم غير التي تراني في كل حين.. ورأسُه الذي يُطأطِئ الآن أمامي ليس ذلك الذي ينكفِئ على صدرِه في كل مرة.. هذه المرة كان يبدو أنّه يحوي الشيء الكثير.

طال الصمتُ بيننا في ذلك اليوم حتى أنطقه شيءٌ غير معلوم، وعلى هيئتِه الموصوفة تلك استدام الوضعُ طيلة حديثِه، فلم ينظر إلي ولم يلتفت، غير أن كلامَه انطلق كسيلِ لا يُوقفه سدّ: "أتعلم يا صديقي أنّي لم أتلمّس الحُبَ في نفسي حتى الآن؟! أنا على عمري هذا لا أجد في قلبي ما لا يعدله المثيل.. كل الناس عندي لهم بدائلٌ لذا لا أظنّ أنّ أحداً قد يختصّني في نفسِه بشيء. حتى أنت.. لا أعلم مَنْ مِنّا أخلص في صدقِه مع الآخر!
لم تكن مشكلتي يوماً أنّني لا أشعر، بل كانت أنّني أشعرُ بإفراط.. أشعر أكثر من اللازم كما قال أحدُهم.. أعلم أنّي مُوغِلٌ في ذاتي كثيراً حتى إني أهملتُ الموضوعَ بأكثر مما ينبغي.. وأعلمُ أنّني نظرتُ إلى الموضوعِ حتى ألِفتُ النظرَ إليه دون انخراط، ولكنّي لستُ أدري هل كان ذلك لسعةٍ في النفسِ لا تنتهي، أم لأنّي قد ضِقتُ ذرعاً بكلِّ شيء، أتدري؟ هذه الذات لا تعدو كونها ثُقباً أسود يبتلعك دون مقاومة، غير أنّها لا تجذبك من بُعد.. أنت فقط من يذهب إليها حين ينكأك الوجع.

أتعلم؟ أنا أُحِبُّكَ، أُحِبُّكَ لأنّي لا أملِكُ الكثيرَ من الخيارات، غير أنّي حين أفعلُ فإنّي أُمْعِنُ في القُربِ حتى تكونَ أنتَ ثُقبي الأسود البديل.. لكنّك ما زلت تعجزُ عن الجذبِ وما زلتُ أعجزُ عن الاقتراب، ولكنّي أُحِبُّكَ لأنّي أحتاجُ هذا.. فالمرءُ يعطي أحياناً بقدرِ ما يفتقد.

أتدري أين المأساة؟ إنّها في معرفتي بأنّي أحتاجُ الخروج وبأنّ هذا الثقبَ لا يجذب ولا يبتلع، فقط أنا من لا يهوى الفِرار.. أعلمُ أنّه يُزعِجني الضوء، ولكنّه لا إثم عليه إذا اعتادت عيناك ونسَ الظلام!

يا صاحبي، إنّما العدلُ هو مناط الوحي، وأنا لا قِسطٌ في ولا اعتدال. أوغِلُ في نفسِي؟ نعم، وبالقدرِ الذي لا عدلٌ فيه أبداً.. ثم أسألُكَ أهو لاتساع النفسِ لذاتِها أم لضيقِها عن الأشياء! أتعرف شيئاً؟ الأمران حق، وإنّ الشجنَ في نفسِي بحرٌ لا حدّ له، وإنّي كلما ارتويت منه ازددت عطشاً حتى إنساني عذبَ الماء، فأنّى لك أن ترتوي وأنت ترشف ذا المِلحَ الأجاج؟! يا صاحبي، إنّما الحبُّ الذي يُضنيني بحثُه قريب.. واللهُ عدلٌ، لكنّي لا أنزعُ عنّي غِشاوتَي لأخرج إلى سِعتِه هاجراً ذاك الضيق الذي يقتله الهوان؛ لأخرج من هذا الحبِّ الذي لا يعرف الأفراد إلى ذلك الذي يربط صاحبَه بالسماءِ حيث لا بديلٌ فيه ولا شريك، فيتعلّم كيف يكون الأمر!

أنا لا أحتاجُ إلى أحد.. أحياناً. وبعض الوقتِ أحتاجُ إلى أن يكون ثمّة شخصٍ هناك. أنت مثلاً هنا، ولكنّك غير مرغوبٍ في وجودِك ويجدرُ بك الذهاب في أوقاتٍ مُعيّنةٍ لا أعلمها!

أُحبُّ الاعتزالَ ولا أقوى -عفواً- ولا أجرؤ عليه، وتقتلني نفسي في إلحاحٍ وأنا ألتفتُ إلى الواقعِ الذي يحتاجني، ولكنّي أحتاجُ شيئاً آخر لا يمنحه الواقع، فأغضبُ كطفلٍ صغيرٍ وأقعد عنه كأخرقٍ مُغتاظ، وهذه بتلك! دعنا نتفق على أنّ هذه الثرثرة لا تُسمن ولا تُغني، ولكنّها ستظل -رغم عدميتها- احتياجاً كنت أحتاجُه أيضاً.

يا صاحبي.. إنّي أُحبُّ اللهَ وأرجو أن يُحبّني، ولكنّي لا أُحسِنُ غير الخجلِ مِنه على ما أكونه كلّ حين، هذا الاضطراب مُربِك، وهذا الذي يعتلجُ في النفسِ أقوى من الناس؛ لذا لا تنصحني بأن ألجأ إليه لأني لن أفعل غير ذاك.. ليس فقط لكونِه -تعالى- قادراً على كل شيء، ولكن لكوني أحتاجُ إلى الرحمةِ التي لا يمنحها إلا هو، وإلى الحُبِّ الذي لا حقّ سواه.

اللهُ رحيمٌ يا صديقي ويعلم كلّ الذي لا أقوى الآن على قولِه، فادعُه لي ولا تسألني (بِمَ؟).. فقط ادعُ ودعني أنتظر، فإنه يعلمُ السِرَّ وأخفى، وعنده أصلُ القرار".

كان مُفعماً بالأسرارِ مُغرماً بالسرد، غير أنّه كثيرُ المجازِ شحيحُ الإيضاح! نظر إليَّ ملياً بعدما سكن عن اضطرابِه الذي ملأ المكان، ثمّ نظر إلى شيءٍ غير مُحددٍ وقام، سهوت عنه لحظةً ثم التفتُّ فكّأنه لم يكن.. وكأنّه ابتلعه ذلك الذي حدّثني عنه، ذلك الثُقب الذي يجذب صاحبه حتى يُغرقه في سرمديته.

قال صاحبي إنّه لا يجذبه، وإنّه يذهب إليه طوعاً، ولكن في حقيقةِ الأمر فإن أسهلَ ما يفعله المرءُ هو الاستسلام، فإذا ما فعل جُذِب، فتكون الجاذبيةُ ويكون الذهابُ طوعاً هكذا: وجهان لحقيقةٍ واحدة.. والجذبُ في سوادِ النفسِ عدمٌ لا ارتداد عنه حتى يؤمن المرءُ بأنّ عليه الخروج. مضى صاحبي، ولعلّه آمن بهذا قبل قليل، ولكنّي اكتشفتُ بعدها أنّي كُنتُ وحيداً، وأنّ أحداً لم يكن في هذا المكان!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.