المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح سعد Headshot

"رابعة".. من إشارة مرور إلى شارة للصمود

تم النشر: تم التحديث:

رابعة العدوية (أُم الخير) تلك التابعية الجليلة الزاهدة الناسكة، ويرجع إليها تأسيس أحد مذاهب التصوف (الحب الإلهي)، رفع الله ذكرها في الأولين، نشأت في بيئة ملتزمة وحفظت القرآن وتدبرت آياته، وقرأت الحديث وتدارسته، سمَّاها جيرانها بالعابدة، عاشت حياة قاسية بعد وفاة والديها، وقيل إن القدر باعد بينها وبين إخوتها وخُطفت وبيعت في سوق الرقيق لسيدٍ قاسٍ؛ لتزداد الحياة قسوة بعد قسوة، على خلاف ما صوَّرته السينما المصرية بأنها فتاة لاهية لاعبة، ولا عجب فهنا تُقلب الحقائق، ويُلبس الحق بالباطل، وتنتهك الحرمات باسم الأمن والأمان، ويزوَّر التاريخ.

أبى الله إلا أن ينتصر لهذه العابدة بعد تشويهها، فرفع ذكرها أكثر وأكثر في زماننا؛ ليذكرها القاصي والداني، وتكون شاهدة على واحدة من أكبر مجازر التصفية العرقية في العصر الحديث، شاهدة على إجرام عسكر خانوا وطناً بأكمله وعاثوا فساداً بمقدراته!

سادت حالة الاستقطاب فترة حكم "مرسي" الوجيزة، وكان بطلها الجيش بمجلسه العسكري مع بعض النخب العابثة؛ حيث جرى تقسيم الشعب فكرياً إلى تيار إسلامي وآخر مدني، وقُبيل الانقلاب بأشهر قليلة نُظمت سلسلة من المظاهرات، قليلٌ منها كانت لمطالب تبدو مشروعة، إلا أن غالبيتها كانت من تدبير فلول النظام السابق بواسطة بلطجيته الممولين من رجال أعماله، وكانت تهدف لإثارة الذعر والتخريب وحرق مقرات الإخوان وجمعياتهم الخيرية وتطورت إلى القتل والتصفية بدم بارد، ومع تواطؤ الجيش والشرطة وصلت تلك المظاهرات إلى القصر الجمهوري وحاولت اقتلاع بوابة قصر الاتحادية!

وتماهياً مع حالة الاستقطاب المقيتة ترتفع دعوات بالتظاهر مؤيدة للرئيسي الشرعي، وتتخذ من رابعة العدوية مقراً لها، فيما اتخذت المظاهرات المناوئة له من التحرير مقراً لها بعد سيطرة جيش من البلطجية برعاية الأجهزة الأمنية للنظام عليه ومن ثم تحريمه على الإسلاميين وفتحه أمام الفلول، وبعض القوى الثورية، التي أعطت بسذاجتها غطاء ثورياً لهؤلاء المخربين حتى آخر فصول لقطات الحشود المزيفة في 30 يونيو/حزيران 2013، وبإلقاء بيان 3 يوليو/تموز 2013 وإعلان الانقلاب العسكري بتأييد قوى مدنية ومؤسسات دينية تبدأ مرحلة جديدة لسلسلة من المجازر ضد رافضي الانقلاب سُميت إعلامياً "رابعة وأخواتها"، وسط صمت غربي وخذلان داخلي من منظمات حقوقية وقوى مدنية انتهازية وجدتها فرصة للتخلص من الإسلاميين لخصومة فكرية، اللهم إلا قلة.

شنت الأذرع الإعلامية للانقلاب سواء الرسمية أو تلك المحسوبة على رجال الأعمال المقربين له حملة شرسة على اعتصام "رابعة" على مدار أكثر من 50 يوماً تمهيداً لفضه، ساعية قصارى جهدها في تشويهه من خلال بث أخبار كاذبة وأساطير وفبركات.. هالهم هذا الاعتصام في ثباته على الرغم من حرارة الطقس مع الصيام والقيام، لم يكن ليتوقعوا هذا الثبات الأسطوري أمام المدرعات والرصاص الحي والمجازر التي ارتكبت بحق المعتصمين خلال أيام الاعتصام، كمجزرة الحرس الجمهوري للمصلين فجر يوم 8 يوليو 2013 التي راح ضحيتها قرابة 57 قتيلاً، بالإضافة إلى 400 جريح، ومجزرة المنصة في 29 يوليو 2013 التي راح ضحيتها 127 قتيلاً (حسب تقرير لرويترز).

تنطلق الأكاذيب من قِبل الأذرع الإعلامية للنظام؛ فتحت منصة رابعة توجد كرة أرضية فيها جثث أولئك المعتصمين الذين قضوا تعذيباً من القائمين على الاعتصام بعدما قرروا مغادرة الاعتصام! وها هي الأموال تتدفق على المعتصمين من قطر الشقيقة! وها هو جهاد النكاح! وها هنا يقتلون العساكر ويعتقلونهم! وهنا ذخائر الأسلحة وكأن رابعة دولة وليست اعتصاماً لأناسٍ لهم مطالب شرعية! لن أبذل قصارى جهدي في الدفاع عن سلمية الاعتصام ولن أترك تلك المهمة لمنظمات حقوقية دولية بالإضافة لوفد الاتحاد الأوروبي الذي زار الاعتصام وأشار أحد أفراده بعلامة النصر للمعتصمين!

كانت التغطية الإعلامية حاضرة في رابعة لحسن الحظ، بينما لم يحظَ اعتصام النهضة بنفس التغطية، فلم تكن هناك عربات بث، فمورس ضدهم أبشع الجرائم يومياً برعاية الجيش والشرطة وبلطجية "بين السرايات" ولم يتوقف عداد القتلى طيلة أيام اعتصامه حتى فضه! قد أتفهم ظلم النظام وأذنابه ومؤيديه وتبريرهم للجرائم، بل أتفهم تصفيقهم ورقصهم وغناءهم على ألحان "تسلم الأيادي" بينما لا أتفهم خذلان معظم رفاق الثورة لدماء شهداء ما بعد الانقلاب وتهكمهم على اعتصام رابعة، فرابعة مجرد شارة مرور وليست ميداناً للثورة!

كان لرابعة والنهضة وأخواتهما وما تلتهما من أحداث رمسيس التي راح ضحيتها أكثر من 100 قتيل 16 أغسطس/آب 2014، بالإضافة إلى حادثة سيارة الترحيلات البشعة التي قضى بداخلها 37 قتيلاً بدم بارد يوم 18 أغسطس 2013 الفضل في ترسيخ مفهوم الانقلاب العسكري الغاشم في أبشع صوره، ووثقت للتاريخ جرائم ضد الإنسانية لن تمحى أبداً من الذاكرة.. ولكن كم من الدماء لا بد أن تُسفك لتروى أرض الوطن لننال حريتنا وننتصر لثورتنا!!

ممارسات جيش وشرطة الانقلاب ضد المعتصمين والغاضبين من أبناء الشعب تصور مدى وحشية وسادية هذا النظام فكيف لآلة القتل أن تعمل هكذا في النساء والولدان والشيب؟! كيف تُعمل آلة القتل هكذا في المتظاهرين السلميين؟! كيف لجنرالات عفنة أن تُظَفر بالنياشين والنجوم على جثث أبناء شعبها لا العدو؟! أم أن إمبراطورية العسكر وحلم جنرال واحد يقتضي ذلك وأكثر؟!... مصر تحيا كابوساً كئيباً منذ صعود تلك الطغمة، ففي كل نجع أو قرية تجد شهيداً على الأقل بل في العائلة الواحدة تجد الأب مع أبنائه! أي هدف حقير يجعل من الاعتداء على النساء لفظياً وجسدياً بل واغتصابهن في السجون وعربات الترحيلات عقيدة؟! أي مبرر يجعل قهر الرجال والاعتداء عليهم جسدياً ومعنوياً أسلوب حياة لهؤلاء العسكر الذي اُبتلينا بهم! فعلوا بمصر ما لم يفعله أي احتلال على الإطلاق، فلا حرمات تحدهم ولا قوة تردعهم!

اليوم يتسابق الجميع وأولهم من خذل رابعة الإنسانية في التعازي والحديث عن بربرية النظام ورفضه لجميع الحلول السياسية رغبة منه في التصفية العرضية وإعمال آلات الإجرام والوحشية.. انتصرت رابعة للثورة فانتصرت لها الإنسانية وسينصفها التاريخ وسيخلدها أبد الدهر.. سلامٌ على رابعة وأخواتها وسلامٌ على أرواح شهدائها والمجد لأهلها.. أقسم ستنتصرين يا رابعة، بإذن الله، وسندخلك مكبرين ومهللين، أنتِ وأخواتك في جميع ميادين الثورة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.