المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح سعد Headshot

بمناسبة قصف الجبهات داخل معسكر دعم الشرعية

تم النشر: تم التحديث:

من حين لآخر يظهر شيخ هنا منتقداً إعلاميةً هناك، بينما تخرج علينا إعلامية هنا مخوِّنةً إعلامياً هناك، هذا يُتهم بالترويج للمخدرات الفكرية لخداع الناس، وذاك يُتهم بضعف العزيمة والتراجع، تكررت هذه المواقف مرات ومرات، وكلها داخل نفس المعسكر -معسكر دعم الشرعية- المناهض لحكم السيسي، الذي تشكَّل بعد أشهر من الانقلاب العسكري في مصر.

وأمام هذا لم أجِد إلا أن أنشر تدوينة سابقة لي بتاريخ 31 مايو/أيار 2014، كانت بعنوان: "ما هي الاستراتيجية للتحالف الوطني لدعم الشرعية؟"؛ لنعلم السبب الرئيسي في هذا الفشل الذريع والتشرذم والتراشق والتخوين ولنحاكمهم جميعاً، فيبدو لي أن هناك مَن يريد بقاء الانقلاب والوضع القائم في معسكر رفض الانقلاب، والسبب في ذلك أنه وجد ذلك سطوعاً لنجمه، أو كما يسميها المصريون "السبوبة".. إليكم المقال القديم الجديد:

"ما هي الاستراتيجية للتحالف الوطني لدعم الشرعية؟"

مضى ما يقرب من عام على انقلاب، هو بلا شك أكثر كارثية على مصر من "نكسة يونيو/حزيران"، فلم يصنع الطغاة والمعتدون ما فعله هؤلاء الفسدة الذين اختطفوا وطناً بأسره، ففي النكسة الأولى انطلقت طائرات العدو الصهيوني؛ لتقصف بِنيَتَنا، وتغتال جنودَنا، وتحتل أرضنا.

بينما انطلقت قوات السيسي؛ لتقصف الإنسان، وتدمر المجتمع، وتقضي على الفضائل، وتسلب الوطن بمن فيه، وتجعلهم سبايا لجمهورية الجنرالات، وتغتال حلم الشباب المصري الحر، الذي أبى إلا أن يعيش حراً كريماً، وكان حجر العثرة أمام الجنرالات، هو المقاومة الشعبية التي أبدعها شرفاء هذا الوطن، مقدمين الغالي والنفيس من أجل صالح هذا الوطن، فكل قرية في مصر مزينة بشهيد أو أكثر وعشرات الجرحى والمعتقلين، ضربوا أروع المثل في التضحية والفداء، ورغم اشتداد آلة القمع والقتل والتدمير فإنهم مستمرون في البذل والعطاء؛ لأن ثباتهم وتضحياتهم تنبع من إيمانهم، وحسابهم ليس إلا على ربهم.

الشارع بتلقائية انحدر كالموج، والطلبة بعزيمتهم كسروا حاجز الخوف، وحرائر مصر بقوّتهن وبأسِهن ألهبن حماس الرجال، مستحثات جينات الرجولة الأصيلة لديهم، والأزهر الشريف عاد لمكانته على أيدي أبطاله الطلاب؛ ليقف في وجه شيخه ورئيس جامعته، بعدما شاركا الجنرالات في الانقلاب خوفاً وطمعاً في رضاه، مستبدلين رضاه برضا الله عز وجل.

الشارع يقدم ما عليه وأكثر طيلة العام المنصرم لم يتوقف عن نزف الدماء، ولكن أين القادة؟ أين أصحاب الاستراتيجيات؟ أين أصحاب الفكر؟ أين الساسة؟ هل يستطيع الشارع بمفرده أن يصنع المعجزات؟ هل يستطيع أن تُذهب المظاهرات والمسيرات بمفردها نظاماً مسلحاً محصناً بمخابراتٍ وإعلام وقضاة ومؤسسات دولة قوية؟!

الدولة العميقة بمؤسساتها وإعلامها وقضائها رتبت أوراقها، وخططت ودبَّرت لتعود خلال ثلاثة أعوام، فماذا نحتاج من الوقت؛ كي تعود إلينا ثورتنا، ونحقق حلمنا في البناء؟! مسألة الوقت بيد الله -عز وجل- فـ"كل شيءٍ عنده بمقدار"، و"كلٌّ في كتاب"، وليست بأيدي أحد من العباد، ولكن ما على العباد هو الأخذ بالأسباب، وانتهاج طريق الثورة والتوحُّد والتماس أسباب النصر.

ومن هنا فعلى "التحالف الوطني لدعم الشرعية" وما يدور في فلكه من أحزاب وجماعات مسؤولية كبيرة، بصفته المتحدث الرسمي باسم الشريحة الأكبر من المناهضين للحكم العسكري.

يخطئ التحالف إن ظنَّ أن المسيرات بمفردها قادرة على دحض الانقلاب، لا أنكر أن المسيرات والحراك الشعبي غاية في الأهمية، وتُربك الانقلاب، ولكن دون ظهير سياسي يخاطب الغرب وآلة إعلامية قوية لا تستطيع أن تحقق شيئاً، بل تصبح بالنسبة للعسكر مستأنساً، ويصبح الحراك عبارة عن أتون تفقد مصر فيه أطهر شبابها يوماً بعد يوم.

ما يُسقط نظاماً ليس حراكاً، وإنما نظام مناهض له واستراتيجية يكون الحراك الشعبي جزءاً منها، وبالتالي فإن هناك ثلاثة ملفات خطيرة لا بد أن يضع لها استراتيجية واضحة وقوية، وأن يدار الملف بذكاء شديد، وتنظيم عالٍ، الملفات هي: التوحُّد مع جميع القوى المناهضة للعسكر، وثانيها ملف الإعلام، وثالثها تسويق الملف خارجياً.

أولاً: ملف توحُّد جميع القوى المناهضة للعسكر، ولا سبيل عن التوحد في مواجهة العسكر مع نخبه السياسية المتعسكرة، فالعسكر يحاول أن يُظهر الصراع على أنه إسلاميون (إرهابيون) لا وزن لهم، يسعون للتخريب، ويبرزون أن الصراع هو سياسي على السلطة، وليس صراعاً بين ثورة وثورة مضادة.

وبالتالي لا بد أن تتوسع دائرة التحالف؛ لتضم جميع القوى المناهضة للانقلاب لنثبت للعالم ذلك، الجميع أخطأ، والجميع أساء للثورة، والجميع أراد أن يستأثر بالثورة، والجميع ترك البناء وتناحر على السلطة، كل طرف قدم من الأخطاء ما إن أحصيناه لكتبنا مجلدات ومجلدات، الإسلاميون قادرون على الحشد والصمود، وشباب الثورة قادرون على أن يعطوا انطباعاً لدى الغرب أن هذه ثورة ضد ثورة مضادة، ثورة شعبية شاملة متكاملة ضد عدو واحد، وهو شبح العسكر.

لا بد أن يغفر كل منا للآخر ما أسلف، ما لم يتورط في دم إنسان، فنحن لا نقبل من أسهم بأية طريقة، سواء بالسكوت أو التحريض أو المشاركة، فمتى نتوحد؟! متى نصبح "إيد واحدة"؟ كل منا يحتاج للآخر، والوطن يحتاج جميع الشرفاء.

أما بالنسبة لملف الإعلام، فهنا نُبِح صوتنا موجهاً للإسلاميين والتحالف بأن الإعلام هو من أسقطكم، سواء إعلام الفلول أو إعلامكم أنتم، من الطبيعي أن تهاجمكم قنوات الفلول، وتكيل لكم الكذب والإفك، وتغسل -أو قُل تلوث- أدمغة البسطاء بالإفك، وأن تُركز على أخطائكم، ولكن من غير الطبيعي أن تتحول فضائياتكم القليلة، رغم كثرة رجال إعلامكم، إلى وصلات ردح ومنابر تصنع عقلية ساذجة أسهمت مع الفلول في إسقاطكم، فماذا تسمي أن يأتي سفيه كـ"نبيه الوحش"؛ ليسبَّ هذا وذاك، ويعطي إعلام الفلول مادة ثرية للتندر والسخرية على هذا الأبله، ويملأ الدنيا بأن الحرب على الإسلام، وما أن يأتي السيسي إلا ويؤدي له التحية العسكرية، ويسب الإسلاميين ويصِمهم بالإرهاب؟!

كانت البارقة الوحيدة لكم في تلك القناة المسكينة التي يقدم فيها السياسي المخضرم الثوري الإسلامي "حسام أبو البخاري" -فكَّ الله أسره- برنامجه التثقيفي الرائع ورؤيته، ويحذر هؤلاء وهؤلاء من الانقلاب والدولة العميقة، ويا ليت جميع الإسلاميين في درجة وعيه وثقافته وذكائه وفطنته.

وبالتالي عليكم أن تراجعوا المادة الإعلامية في قنواتكم المناهضة للانقلاب؛ لتخاطب الإسلامي وغير الإسلامي، وأن تستقطبوا الشرفاء من خارج التيار الإسلامي، فما فائدة قنواتكم إذا كانت تخاطبكم فقط؟!

فالهدف من الإعلام هو التوعية وإعطاء معلومات والتوجيه، أين رجال أعمالكم بالخارج؟ لماذا لا تستقطبون الإعلاميين المتميزين في جميع المجالات؟ ولماذا لا تكون قنواتكم هي "قنوات منوعات" تبث كل ما هو حميد دون بذاءة؟ لا نريد أن نفشل ثانيةً، نريد أن نتعلم من أخطائنا، ونتلمس جراحنا، ونسعى لعلاجها.

وبالنسبة لتسويق ملفِّنا خارجياً فهو شيء مهم جداً يؤرق الانقلاب، ويهز أركانه، ويضع حكومات الدول الداعمة للانقلاب في حرج شديد، ويوضح للعالم أن ما حدث في مصر هو انقلاب عسكري.

وهذا هو دور الساسة المتميزين في المنابر والجمعيات والمنظمات الدولية، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، وإمدادهم بالمادة الإعلامية المتميزة والإحصائيات الصحيحة والموثقة، وإجبار تلك المنظمات والمؤسسات على أن تعطي الملف المصري حقه من الاهتمام.

فمصر دولة مهمة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، وفي هذا الإطار لا بد أن ينتقي التحالف من لديهم خبرة في العلاقات الدولية؛ ليُحسنوا إدارة الملف، ويعرّوا الانقلاب أمام العالم.

اللهم إني قد بلَّغت، اللهم فاشهد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.