المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح سعد Headshot

مزدوجة الإرهاب-السلطة/الزعامة

تم النشر: تم التحديث:

بحسب "نيتشه": "لا بد من التفريق بين الإرادة والمعرفة حين يتعلق الأمر بالحقيقة، فالسعي إلى معرفة الحقيقة لا يعني بتاتاً إرادة الحقيقة"

أي أن "نيتشه" يؤمن بالتقسيم على أساس ما هو متعالٍ وفوقي.. فعادة ما تقوم الدول القوية وعلى رأسها أميركا بفرض ثقافتها على العالم بأسره فيما يعرف بـ(سلطة الثقافة الغالبة) مستخدمةً في ذلك كل ما تملك من قوى ناعمة وأخرى باطشة. فتصوغ المفاهيم وتضع السياسات بما يلائم أمنها القومي الذي تروج له على أنه أمن العالم القومي، وبالطبع لا تتورع الدول الصغيرة الفقيرة عن التهام ما يُقذف إليها من سياسات وإستراتيجيات أو حتى أفكار!

في السابق كانت دول العالم الثالث فريسة لمجموعة من المفاهيم والأفكار التي جرى اصطناعها على أعين أميركا وحليفاتها، فتم تصدير مفهوم الإرهاب إلى أرجاء المعمورة بالتصور الأميركي ومن أجل هذا التصور قامت حروبها من أفغانستان مروراً بالعراق وغيرها. صاغت أميركا مفهوم الإرهاب، بما رأته يتناسب من قريب أو بعيد مع تهديد أمنها القومي وتلقفته الدول الفقيرة مغلوبة على أمرها وقدمت القرابين تلو الأخرى، من أجل عيون أمن أميركا القومي.

حتى يومنا هذا لا نجد تعريفاً واضحاً للإرهاب، فمع اختلاف الزمان والمكان يختلف التعريف فيما يظل الهدف منه وهو حماية أمن أميركا القومي ثابتاً! فنجد تعريف الإرهاب على أنه استخدام العنف في السياسة أو استخدام العنف في مواجهة اللاعنف حاضراً في ظروف معينة في دولٍ معينة كمصر مثلاً، بينما نجد الإرهاب متمثلاً بالجهاد السني في المناطق التي تشهد قلاقل ومواجهات مسلحة بين فصائل شتي كما هو موجود في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان.. وبالتالي يمكن استخلاص تعريف قد يكون الأدق في وصف هذا المصطلح الإرهاباوي، كونه مصطلحاً افتراضيًّا تقوم بفرضه سلطة افتراضية (سلطة الثقافة الغالبة).

قديماً عانت أنظمة ودول بطول قطرها من هذا المصطلح الافتراضي، فتم إعلان نظام كطالبان نظاماً إرهابياً، لتدفع أفغانستان بأسرها ثمن هذا المصطلح الافتراضي المفروض، ونفس الحال مع نظام صدام حسين وما زالت العراق تدفع ثمن الإرهاب المزعوم إلى يومنا هذا. أما حديثاً وللغرابة فإن أنظمة كأنظمة دول العالم الثالث تستخدم هذا المصطلع بنفسها وتتبناه وتروج له للحفاظ على سلطتها تارة ونفوذها تارةً أخرى، لينقلب الوضع من المعاناة قديماً إلى الاستغلال حديثاً!

يعاني العراق من تراكم فساد حقبة المالكي، وما تبعه في فترة العبادي، ويعاني أيضاً من داء الطائفية ضد السنة والتي وصلت إلى حد التطهير العرقي في مناطق ومحافظات بأسرها، وكان آخرها ديالى، في الوقت الذي يستخدم فيه شماعة الإرهاب ويرفع راية مكافحة الإرهاب لتغطي على كم الفساد والجرائم التي بلغت عنان السماء!

وفي مصر تستخدم سلطة السيسي شماعة الحرب على الإرهاب لتضفي شرعية دولية على انقلابها وتشويه خصومها، وخاصةً من الإسلاميين، بل وتقتات من الخليج وغيره جراء حربها!

تشهد منطقتنا اليوم تداخل صراعات شتى، من أجل بسط نفوذ وزعامة طرف على حساب أطراف أخرى، موظفةً ظاهرة الإرهاب في ظاهرها مع وجود الطائفية، مما يجعل الصراع أكثر تعقيداً. فنجد حرب التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن والتحالف الدولي للحرب على الإرهاب بمشاركة عربية ووقف المعونات السعودية عن لبنان وإعلان حزب الله تنظيماً إرهابياً من قبل جامعة الدول العربية!

ألم تترك السعودية خلال حكم الملك عبدالله اليمن، وتدير ظهرها إليه لكي تفشل الثورة ولا يكون الإخوان بديلاً لنظام على عبدالله صالح؟ إذن لماذا الآن التحالف العربي للحرب على الحوثيين؟! ألم تشر الدلائل إلى تورط حزب الله في اغتيال رجل السعودية الأول رفيق الحريري، ومن ثم عربدة الحزب في لبنان وسيطرته على دوائر صنع القرار إلى أن أصبحت لبنان تشبه إحدى ولايات الفقيه؟! ألم يضطهد الحزب السنة ويستفزهم في مناسبات كثيرة؟! إذن لماذا الآن قطع المعونات وإعلان الحزب تنطيماً إرهابياً؟! لماذا الآن السعودية ودول خليجية منضوية تحت لواء التحالف الدولي لمحاربة "الدولة الإسلامية"؟! ألم تظهر في العراق منذ سنوات؟! لماذا لم تنضم إلى الولايات المتحدة وحليفاتها في الحرب عليه في العراق من ذي قبل؟!

ولماذا تقاتل الميليشيات الشيعية الطائفية العراقية الإيرانية جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية في بعض الأوقات وتعتمد بشكل كبير على الحشد الشعبي؟

باختصار، إيران بدأت في تهديد النفوذ السعودي بالمنطقة ونالت من الزعامة السعودية في المنطقة عن طريق أذنابها في المنطقة (الحوثيين في اليمن- حزب الله في لبنان وسوريا) لذلك عندما أيقنعت المملكة أن إيران تسعى لتوسيع نفوذها في المنطقة وإحكام الهلال الشيعي على السعودية كانت حرب اليمن وإعلان حزب الله إرهابياً وقطع المعونات عن لبنان أي أن الصراع هو بالأساس صراع (زعامة) تحت مسمى (الحرب على الإرهاب) مع إضفاء سمة الصراع الطائفي (سنة- شيعة) وإلا فلماذا صمتت السعودية على إرهاب إيران وميليشياتها طيلة السنوات السابق؟!

وتقاتل إيران بميليشياتها في العراق وسوريا تحت مسمى الحرب على الإرهاب وهم بالأساس يريدون بسط نفوذهم وتوطيد زعامة لهم! لماذا لم تهاجم السعودية مشاريع التشيع التخريبية في المنطقة طيلة الفترة السابقة إلا الآن؟! الحال نفسها بالنسبة "للدولة الإسلامية"، والتي لم تتدخل السعودية لقتالها إلا عندما ازداد نفوذها في العراق وسوريا، وباتت تعتبر نفسها حاضنة السنة ووريثة الفكر الوهابي، بما يعني أنها ناوشت السعودية في نفوذها وزعامتها الدينية، وقتئذ كانت حربها على "الدولة الإسلامية" مستغلة شعار الحرب على الإرهاب وهكذا.

كل هذا وما زلنا نسأل "ما هو الإرهاب؟!" وما هي كيفية القضاء عليه؟! ومتى تنتهي حروبه؟! وإلى أي مدى ستظل تُستخدم شماعته في الصراعات الجيوسياسية؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.